أصدر وزير الداخلية والبلديات اللبناني محمد فهمي بتاريخ 05/04/2020 قراره رقم 479 الذي يتعلّق بتوقيت سير السيارات والشاحنات والدراجات النارية حسب أرقام لوحات تلك المركبات، على نحو قيّد حركة تلك الحاملة للوحات المفردة (أي تلك التي تنتهي أرقامها برقم مفرد) بأيام الإثنين والأربعاء والجمعة، أما المركبات الحاملة للوحات مزدوجة (أي تلك التي تنتهي أرقامها برقم مزدوج) فقد قيّد سيرها بأيام الثلاثاء والخميس والسبت، فيما منع السير نهائياً أيام الأحد ولحظ بعض الإستثناءات (لا سيما للعاملين في القطاع الصحي والمواد الغذائية الأساسية إلخ..)، على أن يُعمل بالقرار المذكور إعتباراً من تاريخ 06/04/2020. ومؤدّى هذا القرار عملياً، توسيع إطار حظر التجوّل. فبعدما نص القرار 54 الصادر عن رئيس مجلس الوزراء على منع الولوج والخروج إلى الشارع في ساعات الليل، ها هو وزير الداخلية يمنع خروج السيارات وولوجها بشكل تامّ يوم الأحد فضلاً عن خروجها وولوجها وفق رقمها في أيام الأسبوع. وقد برر فهمي صدور القرار المذكور بعدم إلتزام "عدد كبير من المواطنين" بقرار الحجر الصحي والحدّ من تحركاته إلّا في حال الضرورة القصوى ووجوب التخفيف من حركة تنقّل المواطنين في مركباتهم على الطرقات خلال إعلان التعبئة العامة لمواجهة فيروس كورونا. هذا القرار يستدعي عدداً من الملاحظات، أبرزها التالية:

 

1 ـ أنه ليس لوزير الداخلية منع سير المركبات كون هذا الأمر يشكل تقييداً لحرية أساسيّة (حريّة التنقل) لا يجوز تقييدها إلّا بقانون أو بتفويض قانوني صريح يمنح لمواجهة ظروف استثنائية. وفي حين إستند فهمي في قراره إلى المرسوم رقم 6198 الصادر في 15/03/2020 (إعلان التعبئة العامة) وعلى قانون السير الجديد، لا سيما المادة 411 منه، غير أنّ أيّاً من النصّين المذكورين لا يجيزان له إتخاذ قرارات مقيدة للحرية على هذا النحو.

فمرسوم التعبئة العامّة يلزم إتخاذ مثل هذه القرارات بموجب مرسوم وليس بموجب قرار وزاري، وفق ما ورد في قانون الدفاع الوطني.

ففي حين تنص المادة 411 المذكورة على أنّ لوزير الداخلية أن يفرض ضمن صلاحياته "وحين تستدعي السلامة والنظام العام، تدابير من غير التدابير المنصوص عليها في قانون السير"، يبقى أنّ قرار تقييد حرية التنقّل، لا يدخل حتماً ضمن صلاحيات وزير الداخلية وفق ما أسلفته. وبهذا الأمر يكون فهمي قد تعسّف في استعمال سلطته، متخطّياً إذ ذاك حدوده القانونية.

كما لا يمكن اتخاذ قرار من هذا النوع لأسباب صحية، طالما أنّه في هذه الحالة يكون وزير الصحة هو الوزير المختص ويتعيّن عليه لاتخاذ تدبير مماثل أن يستصدر مرسوماً بهذا الإجراء سنداً لقانون 1957 بشأن الأمراض المعدية. أمّا أن يُقحم وزير الداخلية نفسه في إجراءات الوقاية الصحية، فذلك يشكّل دليلاً آخر على تجاوز صلاحياته.

 

2 ـ أن قرار فهمي يفتقد إلى أيّ تعليل وتبرير منطقي أو قانوني أو علمي، فالقول إنّ "عدداً كبيراً من المواطنين" لم يلتزم بقرار الحجر الصحي والحدّ من تحركاته إلاّ في حال الضرورة القصوى، هو مغلوط للأسباب التالية:

  • أنّ لوزير الصحة وحدها وليس لوزير الداخلية (الذي لا اختصاص له في هذا المجال) أن يقيم الإجراءات الواجبة لمنع إنتشار الوباء كما سبق بيانه،
  • أنّ واجب المواطنين إلتزام البقاء في منازلهم وفق ما هو منصوص عنه في مرسوم التعبئة العامة تمّت صياغته كموجب معنوي، وتالياً فإن عدم إلتزام المواطنين به، لا يمكن أن تقابله إجراءات عقابية،
  • لم يلزم مرسوم التعبئة العامة المواطنين بالحجر الصحي. فمن هو ملزم بالحجر الصحي هم فقط من ثبتت إصابتهم بفيروس كورونا ومن تخالط بهم وفق ما هو منصوص عليه في قانون الأمراض الإنتقالية الصادر سنة 1957.
  • إن هذا التبرير يفيد إنزال عقاب جماعيّ بجميع المواطنين، بحجة أنّ بعضهم لم يلتزموا البقاء في بيوتهم أو ما يسمّيه الوزير فهمي الحجر الصحي.
  • الأنكى من ذلك، وبدل أن يستجيب الوزير فهمي لمطلبنا بتوضيح طبيعة الإلتزام والمقصود بـ"حالة الضرورة القصوى"، فإنه آثر استخدام لغة المعاقبة الفورية.

 

3 ـ أن القرار المذكور سوف يؤدي إلى تفاقم الكارثة الإقتصادية والإجتماعية التي تتبلور منذ تفشي الوباء وإعلان الحكومة التعبئة العامة. فقد سبق أن ذكرت في مقالة سابقة أنّ التزام المنزل ليس بمتناول الجميع، إذ لشريحة واسع من المجتمع فهذا الأمر يشكل إفقاراً وأزمة وجودية (بكل ما للكلمة من معنى)، لا سيما في ظلّ تقاعس الدولة عن إيجاد أي بدائل مستدامة للأزمة الإقتصادية، على رأسها تمكين الناس من سحب ما تحتاج إليه من ودائعها المصرفية ومنع صرف الأجراء وإلزام أصحاب العمل بتسديد الأجور وفق ما هو منصوص عليه في المادة 7 من الإتفاقية العربية رقم 25 المصدق عليها من لبنان سنة 2000، وإصدار قانون يعلق موجب المستأجرين بتسديد بدل الإيجار. فبهذا القرار، وفي ظل غياب وسائل النقل العمومية أيضاً سوف يُحرم عدد هائل من المواطنين من الذهاب إلى عملهم في المؤسسات المستثناة من قرار الإغلاق، الأمر الذي قد يفقدهم أجورهم وحتى وظيفتهم. أما مؤدّى هذا القرار فهو إلزام بعض المواطنين المضطرين إلى الخروج بأن يتشاركوا المركبات، وهو أمر يتعارض تماماً مع مبدأ التّباعد الإجتماعي لمكافحة تفشّي الوباء وتالياً يتعارض ومقتضيات الصحة والسلامة العامة.

 

بناء على ما تقدم، يتبيّن أنّ قرار فهمي لا يستند إلى أيّ تعليل وتبرير قانوني أو علمي أو منطقي، وهو لا يشكّل سوى تعسّف هذا الأخير في إستعمال سلطته وإستغلال حالة إستثائية (تفشي الوباء) لإقرار إجراءات عامة غير مبررة وغير متناقش عليها وفق ما يقتضيه أي مجتمع ديمقراطي، الأمر الذي يقتضي معه إعتبار مثل هذا القرار غير قانوني وإبطال كافة مفاعيله.