بعد أيام من الإنتفاضة، نبّهت المفكرة في عدد من المقالات المنشورة منها أن المهلة الممنوحة والممدّدة لمعالجة التعديات على الأملاك البحرية الحاصلة قبل 1994 تنتهي في آخر تشرين الأول 2019، مما يوجب على الدولة وضع حدّ لأيّ تعدّ لم يقدّم أي ملف معالجة بشأنه بأقل تقدير، وذلك في موازاة دراسة الملفات المقدمة تمهيدا لتحديد الموجبات المترتبة عليها على أساس قانون رقم 64/2017. وإذ نشرت وزارة الأشغال العامة والنقل أن عدد الذين تقدموا فعليا بطلبات معالجة بلغوا 386 فيما أن ما يقارب 700 معتديا لم يقوموا بأي إجراء، طالبت النيابة العامة التمييزية ووزارة الداخلية بالتحرك لوضع اليد على الأملاك المعتدى عليها من قبل هؤلاء.

وبدل أن يحصل ذلك، فوجئ الجميع بأن النيابة العامة التمييزية، وتحديدا المحامي العام التمييزي غسان خوري، قد بادرت بتاريخ 6 شباط 2020 إلى منح مهلة شهر إضافيّ لتسديد الغرامات المتوجبة عليهم، قبل القيام بأي إجراء بحقهم بما يتجاوز صلاحياتها القانونية. وفيما كنا انتقدنا منح مهلة شهر من قبل النيابة العامة التمييزية معتبرين إيّاها أحد المداخل الأكثر رواجا للفساد، برّر القاضي خوري، لصحيفة الأخبار صعوبة الاسترداد بوجود مخيمات وعشوائيات "من السان سيمون إلى الصرفند: تعتير يعني" وبأن "الدولة لا تمتلك مؤسسات ولا إمكانيات لوضع اليد" على الأملاك المعتدى عليها.

وإذ دعَتْ لجنة الأشغال العامة النيابية القاضي خوري لحضور اجتماع بهدف التباحث بشأن كيفية التعامل مع هذه المخالفات، نقلَتْ صحيفة الأخبار في 19 شباط أنّ غالبية النواب أبدوا برودة إزاء رفع يد هؤلاء عن الأملاك البحريّة المُعتدى عليها مع ميل لديهم لمنح مهل جديدة. وبذلك، بدا مسؤولو الدولة وكأنهم يستمرّون في سياسة التراخي في التعامل مع احتلال الأملاك العامة البحرية، بما يخالف الخطاب العام حول استرداد الأموال المنهوبة ومكافحة الفساد. لم يتسنّ للجنة الأشغال أن تنعقد فيما بعد، كما أن المهلة المحددة من النيابة العامة التمييزية قد انقضت فعليا، من دون أن تتضح أي خطوة لاحقة بفعل أزمة الكورونا.

وما كان مبررا أمس في إطار السعي لاسترداد الأملاك المنهوبة لمواجهة انهيار الدولة، بات اليوم أكثر إلحاحا بعد نشوب أزمة الكورونا، وما تفترضه التعبئة العامة المعلنة من حشد للطاقات والموارد الوطنية.

وفيما تم الإدلاء بحجج عدة لتأخير وضع اليد على هذه المخالفات، ومنها أن بعضها هي عبارة عن مساكن لفئات من ذوي المداخيل المتدنية وأيضا عدم امتلاك الدولة المؤسسات والإمكانات الضرورية لهذه الغاية، فإن التدقيق في المعلومات المتاحة تظهر عدم دقة هذه الحجج وأنها أقرب إلى ذرائع تتلطى وراءها وزارة الداخلية والنيابة العامة التمييزية لتبرير لا حركتها ومؤداها إبقاء النهب على حاله.

وهذا ما سنحاول إثباته في هذا المقال بالإستناد إلى المعلومات التي حصلنا عليها من المديرية العامة للنقل البحري على أساس قانون حق الوصول للمعلومات.

 

توضيح بشأن المعلومات المتوفرة

وقبل المضيّ في ذلك، يجدُر لفت النظر إلى مضمون هذه المعلومات التي زوّدتنا بها هذه الإدارة والتي تتّصل بالجهات والأشخاص الذين لم يتقدّموا بطلبات معالجة لتعدّيهم على الأملاك العامة البحرية بموجب قانون 64/2017. وقد تضمّنت اللائحة تقسيما لهؤلاء إلى فئتين رئيستين:

الأولى هي فئة المعتدين الذين يملكون عقارات متاخمة للأملاك البحرية المعتدى عليها بحيث يشكل التعدي في هذه الحالة امتدادا لمنشآت مقامة على عقارات خاصة،

الثانية، هي فئة المعتدين الذين لا يملكون عقارات متاخمة للأملاك البحرية المعتدى عليها. ويلحظ أن جواب الإدارة قد تضمن معلومات حول المساحة المعتدى عليها ووجهة إستعمالها فقط بالنسبة إلى هذه الفئة.

وقد بلغ عدد المعتدين الواردة أسماؤهم على الجداول المسلمة إلينا قرابة 640. ويرجح أن يكون العدد الفعلي أعلى بكثير طالما أن هذا العدد يقتصر على الحالات الموثقة لدى الوزارة وثمة احتمال كبير أن تكون قد سهت لسبب أو لآخر عن مخالفات أخرى مرتكبة على الساحل اللبناني. كما أن التسليم بهذا الرقم يعني أن مجموع المخالفات على الأملاك البحرية يبلغ (640 + 386= 1026 مخالفات) فيما أن وزارة الأشغال العامة والنقل كانت أعلنت منذ بداية الألفية الثالثة عن توثيق 1068 مخالفة (أي عن وجود 40 مخالفة أكثر) على الأملاك البحرية.

 

73% من الإعتداءات على الأقلّ لا يمكن تبريرها بإيواء ذوي المداخيل المحدودة

رغم نقص المعطيات المسلمة إلينا، أمكن أن نسنتنتج بأرجحية كبيرة أن 73% من الإعتداءات لا تقبل أي تبرير بوجوب تأمين حقّ السكن لفئات من ذوي المداخيل المحدودة. وفيما اعتمدنا للوصول إلى هذه النتيجة معايير نعتبرها شبه حاسمة مع هامش بسيط للخطأ، فإنّ من شأن توفّر مزيد من المعطيات (وهي معطيات سنعاود طلبها من المديرية العامة للنقل البحري) عن الاعتداءات التي لم نستطع الحسم في الدوافع إليها أن يرفع هذه النسبة.

وقد توصلنا إلى هذه النتيجة من خلال المعطيات الآتية:

  • أن الفئة الأولى المشار إليها أعلاه (أي المعتدين الذين يملكون عقارات خاصة متاخمة للأملاك العامة البحرية على طول الشاطئ اللبناني ولم يتقدموا بطلبات معالجة) تضمّ 194 معتدياً أي ما يعادل 30,4% من إجمالي عدد المعتدين الذين لم يتقدموا بطلب معالجة. وفيما تغفل المعلومات المسلمة لنا ذكر المساحات المعتدى عليها أو وجهة استعمالها، يبقى أنه من المقبول منطقيا القول أن مجرد ثبوت امتلاك المعتدين لعقارات خاصّة إنما ينسف بأرجحية عالية احتمال الفقر المدقع. يبقى أن نلحظ أن 29 معتدياً من بين هؤلاء أي ما يعادل 15% منهم ليسوا أصلاً أفراداً بل هم شركات وكنائس وأوقاف ومدارس ومشاريع سياحية.

 

  • من ضمن قائمة المعتدين من الفئة الثانية، أي الذين لا يملكون أي عقارات (وعددهم 446)، نلحظ الآتي:
  • أن وجهة استعمال الأملاك المعتدى عليها هي غير سكنية في 181 وحدة، أي ما يعادل نسبة 28,2% من مجموع التعديات التي لم يقدم أي ملف تسوية بشأنها، وهي تتوزع على النحو الآتي: (تجاري 48 وحدة)، (شاليه 51 وحدة)، (سياحي 42 وحدة)، (صناعي 24 وحدة)، (زراعي 6 وحدات)، (مهجور، 3 وحدات)، (حديقة، وحدتان)، (مستودع، وحدتان)، (مدرسة، وحدة)، (مطعم، 1 وحدة)، (مجهول، 1 وحدة). وعليه، أمكن هنا أيضا وانطلاقا من وجهة استعمال المساحات المعتدى عليها في غايات غير سكنية أن نستنتج بشكل شبه حاسم أنه لا مجال لتبريرها بحق السكن للفئات من ذوي المداخيل المحدودة. وتجدر الإشارة إلى أن مجموع هذه المساحات يصل إلى 395695 مترا مربعا.

هذا مع العلم أن ثمة 19 من هذه الإعتداءات امتدت لمساحات تزيد عن 5000 مترا مربعا وهي تنقسم وفق وجهة استعمالها إلى (7 سياحي و8 تجاري و1 صناعي و3 زراعي). ومن ضمنها 7 تتراوح مساحتها بين 10000 و20000 مترا مربعاو3 تتجاوز مساحتها هذا الحد، ويصل أحدها إلى 38975 مترا مربعا (وهو لغايات تجارية في طرابلس) والثاني إلى 54295 مترا مربعا (وهو لغايات سياحية في ضبيه) والثالث إلى 58488 مترا مربعا (وهو لغايات زراعية في صور). بمعنى أن تحرك النيابة العامة ضد هؤلاء فقط (وعددهم 19 فقط) من شأنه أن يحرر ما يزيد عن 311913 مترا مربعا من الأملاك العامة البحرية. ويرجح أن يكون عدد الاعتداءات التي امتدت على أكثر من 5000 مترا مربعا أكثر بكثير طالما أن المعلومات المسلمة إلينا لم تتضمن مساحة الأملاك المعتدى عليها والتي لم يقدّم أي ملف تسوية بشأنها، بالنسبة إلى 194 مخالفة، وهي المخالفات المرتكبة من أشخاص يملكون عقارات متاخمة للمساحات المعتدى عليها، كما أشرنا في مقدمة هذا المقال.

  • بالتدقيق في المعلومات المتوفرة بشأن المساحات المعتدى عليها والمشغولة لغايات سكنية من ضمن الفئة الثانية، نلحظ أنها تزيد عن 200 مترا في 92 حالة تم توثيقها، أي ما يعادل نسبة 14,3% من مجموع التعديات. وعليه، بالإمكان هنا أيضا أن نعتبر أنه يصعب جدا تبرير إشغال مساحات بهذا الحجم بحق السكن للفئات من ذوي المداخيل المحدودة،

وعليه، أمكن أن نستخلص من المعطيات المذكورة (وكلها تستند إلى المعلومات الصادرة عن المديرية العامة للنقل البحري)، أنّ ثمّة استحالة في تبرير على الأقل 73% من الاعتداءات الموثقة باعتبارات حق السكن للفئات من ذوي الدخل المحدود. هذا مع العلم أن الحصول على مزيد من التفاصيل سيسمح لنا على الأرجح الوصول إلى نسبة أعلى في هذا المجال.

 

خلاصة

ختاما، أمكن أن نستنتج الآتي:

  • يشكّل استرداد الأملاك العامة البحرية المنهوبة أحد أهم الاستحقاقات الوطنية. فعدا عن أنه استحقاق يفرضه التخلص من إرث حرب 1975-1990 في إطار استعادة الدولة لسلطتها على أملاكها وبخاصة الأملاك التي هي مصنفة عامة بحكم القانون كما هي حال الأملاك البحرية، فإنه استحقاق فرضه إفلاس الدولة فعليا ونيتها استرداد الأموال المنهوبة وقد زاد إلحاحا في ظل أزمة الكورونا وإعلان حالة التعبئة العامة. فألا يفترض بنا أكثر من أي وقت مضى، وبخاصة في ظل إفلاس الدولة وانهيار امكانية الاستدانة، حشد كل الموارد الداخلية لتوفير مستلزمات الحقوق الحيوية فيها، كتأمين أماكن للحجر الصحي أو غيره. وبالطبع، من أول الإجراءات الممكنة والواجبة في هذا المجال، هو استرداد الأملاك العامة المسلوبة والإنشاءات المقامة عليها تمهيدا لتسخيرها للخير العام.
  • أن ثمة أرجحيّة عالية جدا للقول بأن 73% من الاعتداءات الموثقة والتي لم يقدم مرتكبوها أي ملف معالجة لا يمكن تبريرها بحال من الأحوال بتأمين مساكن لذوي المداخيل المحدودة. وتاليا، فإن استردادها يكون واجبا لا يصطدم بأي عائق معيشي أو حقوقي،
  • أن عدد المعتدين على مساحات تتجاوز 5000 مترا مربعا مستخدما لغايات تجارية أو سياحية أو صناعية أو تجارية، وهو على أقل تقدير 19 حسبما بينا أعلاه، وهم يشغلون مساحة إجمالية تصل إلى قرابة 311913 مترا مربعا. ومن شأن هذا الأمر أن يدحض أي حجة بعدم امتلاك مؤسسات وإمكانيات لوضع اليد على الأملاك المعتدى عليها، طالما أن بإمكان مباشرة تنفيذ القانون أن يحصل تدريجيا بدءا من الاعتداءات الأكثر جسامة بما يحرر مساحات هائلة على طول الساحل اللبناني،
  • بالخلاصة، يكون وزير الداخلية مطالبا بصورة فورية بوضع خطة ضمن خطط التعبئة العامة لتوفير 19 سرية لوضع اليد على المخالفات ال 19 المذكورة تمهيدا لوضعها في ما تحتاج إليه الخدمة العامة وبالأولوية توفير أماكن الحجر الصحي، على أن يباشر من ثم وتدريجيا وضع اليد على سائر المخالفات. هذا من دون نسيان الغرامات والرسوم الباهظة التي يتوجب على الوزارات تحصيلها ضمن أقصر المهل.