في إطار جهودها البحثية في توثيق وتحليل وفهم عمل المحاكم الدينية في لبنان، قابلت "المفكرة" الأستاذة مي ميلر، وهي أوّل إمرأة مستشارة قانونية لدى المحكمة الروحية الإنجيلية. صحيح أنّ ما تشغله الأستاذة ميلر ليس منصباً قضائياً رسمياً، إلّا أنّ دورها يتلاقى بجوانب عديدة منه مع عمل القضاة. فهي تشارك إلى جانب قضاة المحكمة بعملية المذاكرة وصياغة الأحكام وحضور الجلسات والإستجوابات. ولعلّ أهميّة وجود الأستاذة ميلر في المحكمة الإنجيلية تتمثل في أمرين: الأوّل، في كونها أول إمرأة تشغل موقعاً إستشارياً لدى المحاكم الدينية، والثاني، في إعتراف المحكمة الروحية بالحاجة والضرورة إلى خبرة قانونية قد لا يمتلكها القضاة فيها.

 

المفكرة: كيف بدأت مسيرتك المهنية كمستشارة في المحكمة الإنجيلية؟

ميلر: هي محض صدفة. بعد إنهاء تخصص في القانون الكنسي، وكنت في الوقت عينه قد أنهيت تدرجي ونقلت إلى الجدول العام لدى نقابة المحامين، توكّلت في بدايتي المهنية في دعوى أمام المحكمة الإنجيلية. كان القسيس فؤاد نصّار آنذاك رئيس المحكمة بالإنابة، وتعرّفت عليه فبات يستشيرني بشكل غير رسميّ في الإشكاليّات القانونية التي تعرض أمامه، بخاصة تلك المتعلّقة بالإجراءات الشكليّة، والطعون وتضارب الصلاحيات بين المحاكم. بعد ذلك، ثبتني المجمّع الأعلى للطائفة الإنجيلية كمستشارة قانونية للمحكمة، بتزكية من رئيس المحكمة الأصيل القس الدكتور حبيب بدر.

 

المفكرة: هل يؤثّر وجودك كإمرأة داخل محكمة دينية على نوعية التقاضي؟

ميلر: وجودي كإمرأة داخل المحكمة الروحية مهم جداً بخاصة في القضايا المتعلّقة بالأطفال وتلك التي تتضمن استجوابات في مسائل دقيقة وحميمة، كالمسائل الطبية. فغالباً ما تشكّل هكذا مسائل حرجاً للنساء، بخاصة وأنّ المحاكم الروحية مكوّنة حصراً من الرجال. لذلك فإنّ العنصر النسائي في المحاكم يطفي جواً من الراحة والأنسنة. ولكن إضافة إلى كوني إمرأة، فتخصصي في القانون الكنسي إلى جانب القانون المدني ضروري للمحكمة، بحيث أن القضاة الروحيين لا يملكون المعرفة القانونية التقنية.

 

المفكرة: ما هي الصعوبات التي واجهتِها؟

ميلر: لا أخفي أنني أواجه في الكثير من الأحيان تفكيراً ذكورياً. مثلاً، عندما شاركت في إحدى لجان تعديل قانون الأحوال الشخصية للطائفة الإنجيلية، كنت المرأة الوحيدة في اللجنة وربما كان هناك تشكيك في البداية في معلوماتي القانونية، لحين أن يوافق أحد القضاة الرجال على ما أقوله. إلا أنني كنت دائماً محصّنة بالمراجع والإجتهادات القانونية، وكنت أثبت أنني على حق. مرة بعد أخرى، تثبتت اللجنة من كفاءتي. كما واجهت صعوبة أيضاً في إقناع اللجنة بالأمور التي تتعلق بالحضانة مثلاً، حين رفضوا رفع سن الحضانة كما كنت قد اقترحت (14 و15 سنة). حزنت يومها، بخاصة أنني كنت قد قابلت الأستاذة إقبال دوغان مرات عدة (وهي محامية ساهمت في رفع سن الحضانة لدى الطائفة السنّية) وتحدثنا في هذه القضية.

 

المفكرة: ما هي برأيك أبرز المشاكل أو العراقيل التي تواجه محكمتكم اليوم؟

ميلر: لعلّ أبرز مشكلة نواجهها في محكمتنا – وفي محاكم العائلة بشكل عام – هي مسألة استخدام أحد الفرقاء الأولاد كـ"متراس" للإنتقام من الفريق الثاني. هذه مسألة خطيرة وتتطلب جرأة وصرامة من القضاة في تطبيق حق الحراسة أو المشاهدة، مثل فرض غرامة إكراهية على الفريق الذي يتخلّف عن تسليم الأولاد، أو مثلاً ربط مشاهدة الأولاد بحق النفقة. لدى طائفة الروم الأرثوذكس، تفرض الغرامات على الفريق الذي يعرقل عملية المشاهدة والاصطحاب، مما يلزم الفريقين بتطبيق قرارت المحكمة.  

كما من الواجب الإشارة إلى مسألة تفرّع الطائفة الإنجيلية إلى طوائف عدّة وبالتالي إلى كنائس عدّة، البعض منها يتّسم بتفكير ليبرالي وأخرى أكثر تشدداً وتقليدية. ينعكس التفكير التقليدي سلباً في الأحكام الصادرة في قضايا فسخ الزواج مثلاً أو حضانة الأولاد. وإن التشكيلات القضائية في المحكمة، كما وشخصية كل قاضي تلعب دوراً أيضاً في رسم إتجاه المحكمة حول قضايا معيّنة. ففي فترة معيّنة كان قضاة المحكمة تقليديين، لا سيّما في ما يتعلّق بأسباب الفسخ مثلاً، فكانوا يرون أنه لا يجوز فسخ الزيجات "بسهولة" لأن ذلك مخالف لتعاليم الكتاب المقدس، وبالتالي لم تكن أحكام الفسخ تعطى إلا بعد صعوبة.

 

المفكرة: كيف يمكن تطوير المؤسسات القضائية الدينية؟

ميلر: أولاً، من المهم أن يكون هنالك أشخاص متخصصون. فمثلاً، كنا قد اقترحنا أن يكون رئيس المحكمة حائزاً على إجازة في الحقوق أو أن يتم تعيين مستشار قانوني في المحاكم، أو على الأقل أن يتم إدخال مادة القانون في منهج معهد اللاهوت. من الضروري أن يكون القاضي متسلّحاً بالعلم ومطّلعاً على المبادئ الأساسية في القانون، لاسيما لجهة تطبيق قانون أصول المحاكمات المدنية عند عدم جود نص في قانون الأصول الكنسية الخاصة لدينا. قضاة المحاكم الكاثوليكية يدرسون القانون الكنسي، ولكن ذلك ليس شرطاً في سائر المحاكم.

كما يقتضي العمل على تفرّغ القضاة لعمل المحاكم فقط، لأنه في واقع الحال أغلب القضاة ملتزمون بوظائف وموجبات رعوية، فيما يأخذ عمل المحكمة وقتاً طويلاً، والإرتباط بوظائف أخرى قد يدفع بالقضاة إلى عدم إعطاء الأولوية للمحكمة.

على صعيد الطائفة الإنجيلية، بإمكاننا القول أن هنالك حالياً نيّة لإضافة روح جديدة للطائفة وإصلاح محاكمها. نحن منفتحون على الحوار. لذا نشارك في المؤتمرات ونبحث عن طرق لتحسين أدائنا. الحوار مهم، ويساهم في الإصلاح. المحكمة لديها ضمير، طبعاً، كل إنسان يخطئ ولكن ضمير القضاة هو الأساس، وبالإجمال قضاة المحاكم الإنجيلية يتمتعون بحصانة أخلاقية.

 

المفكرة: ما هي القوانين أو المبادئ التي يقتضي تطويرها في محكمتكم أو المحاكم الروحية بشكل عام؟

ميلر: على صعيد مضمون القوانين لدى الطائفة الإنجيلية، أرى أنّه من المستحسن تعديل سن الحضانة إلى 14 سنة للذكر و15 سنة للأنثى. هذا من حيث المبدأ، لكن هناك حالات تقتضي خلاف ذلك، الخبرة على الأرض مهمة جداً. فبالرغم من تعديل القانون[1]، تبيّن لنا عند التطبيق أنّ بعض النصوص السابقة قد تكون أفضل أو أنّه يمكن تطوير النص الحالي، وقد طلب مني رئيس المحكمة إقتراح النصوص التي يمكن تعديلها إعادة النظر فيها لكي يصار إلى تعديلها أصولاً أمام المراجع الكنسية والمدنية المختصة.

يشكو القضاة الروحيون بشكل عام من أنّ الأمور "تفلت" من أيديهم عندما يضع قاضي الأحداث أو قاضي العجلة يده على الملف، لا سيّما عندما يتعلق ذلك بمسألة بتّت المحكمة الروحيّة فيها كالحراسة مثلاً، ومن أبرز هذه الشكاوى: "كل ما دق الكوز بالجرّة بتروحوا (أي المحامين) عند قاضي الأحداث". وهنا أسأل: هل أعطيتم للمتقاضي، سواء أكان إمرأة أو رجل، حقّه كي لا يلجأ إلى قاضي الأحداث؟ قضاة الأحداث قد اتخذوا قرارات جريئة في السابق. نحن في ظل نظام طائفي لا أعتقد أنه سيتغير قريباً، وطالما نحن في هذا النظام سنبقى في ظل نظام المحاكم الروحية. لذا، أقلّه علينا أن نصلح المحاكم الروحية كلٌّ ضمن طائفته كي لا يكون للمحاكم المدنيّة مجال لتقليص صلاحياتنا أو إنتزاعها. في الكثير من الأحيان، قد يلوم القاضي الفرقاء على الذهاب إلى قاضي الأحداث، لذا، لكل طائفة أن تبدأ حركة إصلاحية على صعيدها.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 63 |  آذار 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

أربع جبهات للنساء ضدّ التمييز والعنف


[1] صدر قانون الأحوال الشخصية للطائفة الإنجيلية في سوريا ولبنان في 1/4/2005، وألغي بموجبه القانون القديم الصادر عام 1949. ولعل أهم تعديل ورد في القانون الجديد هو رفع سن حضانة الأولاد من 7 سنوات إلى 12 سنة.