لطالما شكل القضاء والقانون في اليمن احدىادوات السلطة المفضلة في النيل من الخصوم والنشطاء المعارضين من مختلف الاتجاهات السياسية والايديولوجية، والعمل على توظيفه لإعاقة قدرتهم على ممارسة النشاط السياسي او معقابتهم على ادائهم العام، وكانت الملاحقات القضائية التي تستند إلى نصوص فضفاضة في قانون العقوبات وغيره حول "الوطنية" او "اثارة النعرات المناطقية والطائفية" و"الدعوة للانفصال"... الخ، هي المرتكزات المُثلى في هذا الاستخدام الانتهازي للقانون من طرف السلطة ما قبل ثورة 2011. ورغم أن الزمن اليمني الجديد بعد هذه الثورة يُفترض به ان يُؤسس لفضاء اوسع من الحريات، يحد من قدرة السلطات على التوظيف الكيدي للقانون، إلا ان الارث السابق من الاحكام القضائية تجاه اعداد من الناشطين المنتمين للحراك الجنوبي من قادته في المهجر او فاعليه الميدانيين في الداخل - علاوة على استمرار نقاط الضعف في القوانين التي وظفت سابقاً -  تُشكل تحدياً حقيقياً لدولة المواطنة المتساوية وحكم القانون المنشودة في اليمن.

بالطبع، حاولت السلطة الانتقالية في اليمن اشراك الحراك الجنوبي في المجال السياسي العام، بالاضافة إلى جماعة الحوثيين(حركة انصار الله الزيدية الهوية) في الشمال، كونهم ابرز ضحايا الصراعات السياسية في اليمن. وعلى الرغم من التقدم النسبي في هذا المسار، الذي يترافق مع انتقاد شديد للسلطات وعلى رأسها الرئيس هادي بكونه "ينتقي" و"يُنشئ" حراكاً مُقرباً منه فقط، إلا ان أحد أهم التحديات الماثلة في هذا الصدد يتمثل في اراحة المناخ السياسي في الجنوب. وقد يتحقق هذا الأمر من خلال إيقاف الملاحقات القانونية التي يتعرض لها الناشطون الميدانيون التابعون للحراك، علاوة على تمهيد المجال أمام الرموز السياسية الجنوبية في المنفى، من خلال ايجاد حل للاحكام القضائية التي طالت كثيرين منهم، ضمن ماعرف بعد حرب 1994 بقائمة الـ 16 التي تضم ابرز قيادات الدولة الجنوبية السابقة. فقد أصدرت محكمة استثنائية أجازها قرار من الرئيس صالح للنظر في قضايا أمن الدولة عام 1997 قرارات بإعدام خمسة من هؤلاء بينهم علي سالم البيض آخر زعيم للدولة الجنوبية قبل الوحدة وحيدر أبو بكر العطاس رئيس أول حكومة أعقبت قيام الوحدة. وحكمت المحكمة بسجن ثمانية قادة جنوبيين آخرين فترات متفاوتة وبرأت قياديين اثنين كانا مشمولين بالتهم التي رفعتها حكومة صالح ضد ستة عشر قيادياً جنوبياً فيما اسقطت التهم عن قيادي آخر هو وزير النفط أبوبكر بن حسينون الذي كان قد لقي حتفه خلال معارك الحرب في حضرموت عام 1994[1].

وعلى الرغم من كون الرئيس السابق علي عبد الله صالح كان قد أصدر عفواً عن القادة الجنوبيين الذين طالتهم الاحكام القضائية، وذلك في ذكرى الوحدة اليمنية الثالثة عشر، عام 2003. ولكن بقي طابع هذا العفو سياسيا اذ أنه أبقى التهم التي وجهت لهم قائمة باستمرار! الأمر الذي يفتح الباب امام معاودة توجيهها وتوظيفها سياسياً في أي قضايا قد يتم رفعها في وقت لاحق.

وفي إطار ما سبق، تبدأ السلطات اليمنية الحالية تحركاً للاستجابة لهذه الورقة القانونية المُعلقة بغرض تطبيع العلاقة مع الحراك الجنوبي كما يُفترض، حيث قامت وزراة الشؤون القانونية باعداد قانون جديد تسقط بموجبه كل العقوبات والتهم بحق القادة السياسيين المنتمين إلى الجنوب، وهو القانون الذي يُنتظر صدوره في الفترة القريبة القادمة، حيث (وافقت عليه الحكومة في وقت سابق من العام الماضي في انتظار أن يصدره الرئيس عبدربه منصور هادي)[2].

يتضمن مشروع هذا القانون المعنون بـ (إسقاط كافة العقوبات والتهم والقرارات والأحكام الصادرة بحق السياسيين من القيادات والرموز الجنوبية جراء حرب 1994) خمس مواد فقط، تُسقط المادة الاولى منها (كافة القرارات والأحكام الصادرة بالإدانات والعقوبات الجنائية – الأصلية والتبعية – عن التهم والجرائم السياسية المنسوبة للقيادات والرموز الجنوبية جراء حرب 1994 كما تسقط كافة التهم والدعاوي المرفوعة بشأنها حالياً – إن وجدت – في أي مرحلة من المراحل وأمام أي جهة كانت ولا يجوز تحريك الدعاوي الجزائية أو الاستمرار فيها أو الرجوع إلى إقامتها بعد صدور هذا القانون مهما كانت الأسباب)[3]. بينما تُرتب المادة الثانية إلغاء كافة الاثار الناجمة عن التهم والجرائم الموجهة للقادة الجنوبيين، حيث تورد المادة أن (تعتبر جميع القرارات والأحكام الصادرة بالإدانات والعقوبات في الجرائم والتهم المزعومة المشار إليها في المادة السابقة من هذا القانون كأن لم تكن ولا يعد القرار أو الحكم الصادر بالإدانة أو العقوبة سابقة في العهد وتمحى صفة تلك الجرائم والعقوبات وتسقط كل الآثار المترتبة عليها.)[4]. وتفصح المادة الثالثة من مشروع هذا القانون بشكل اساسي عن غرض القانون "التطبيعي" مع السياسيين الجنوبيين، ومحاولة تمهيد الطريق امام عودتهم للمجال السياسي الوطني ضمن استحقاقات محاولة حل القضية الجنوبية، حيث يرد في نصها التالي (يترتب على صدور هذا القانون الحق لجميع القيادات والرموز الجنوبية المتواجدة في الخارج في العودة إلى الوطن آمنين سالمين ولهم ولغيرهم من القيادات والرموز الجنوبية الأخرى المتواجدة في الداخل مباشرة كافة حقوقهم الدستورية والسياسية والمدنية دون أية قيود أو استثناء، وتلتزم الدولة بتمكينهم من ممارسة هذا الحقوق.)[5].

وبالاضافة للمادة الخامسة التي تتضمن نصاً اجرائياً بالعمل بهذا القانون من تاريخ صدورة ونشره بالجريدة الرسمية، فإن المادة الرابعة تختلف في محتواها عن المواد السابقة، فهي تتضمن نصاً اجرائياً مُنشئاً للجنة عليا خاصة تنهض بمسؤولية معالجة ما ترتب على العقوبات السابقة من اثار معنوية وقضايا واستحقاقات مادية (للمشمولين بأحكام هذا القانون ويصدر بتشكيلها وتحديد عدد أعضائها واختصاصاتها قرار من رئيس الجمهورية)[6]. وهذا القرار الوارد في المادة ذو مدلولات رمزية مهمة في حال تم التحرك بشكل جاد في مسار مقتضياته، لكون الكثير من مساكن واملاك القادة الجنوبيين تم "نهبها" ومصادرتها عقب الحرب من قبل شخصيات سياسية وعسكرية وقبلية نافذة كانت جزءاً اساسياً من شراكة حرب 1994 مع الرئيس السابق صالح. ومن ابرز "منهوبات" تلك المرحلة منزل الرئيس الجنوبي السابق علي سالم البيض الذي يقع حالياً بحوزة ابناء الشيخ الراحل عبدالله بن حسين الاحمر شيخ مشائخ قبيلة حاشد النافذة، وهم من ابرز اركان الصيغة الحاكمة الان في اليمن الانتقالي، وينكرون انهم استولوا على هذا المنزل عنوة مدعين شراءهم له! لذا فطبيعة ما سيتخذ من اجراءات في هذا الملف سيكون كاشفاً عن مدى جدية وارادة الدولة في معالجة التداعيات الحقوقية لحرب 94 التي تنوعت مابين اقصاء وظيفي وسياسي للجنوبيين، ومصادرة و"نهب" للاملاك والاراضي الشخصية والعامة في المحافظات الجنوبية، وهي هذه "المظالم" التي كانت سبباً رئيسياً في تحريك الاحتجاج من قبل شرائح متعدده من اليمنيين الجنوبيين تجاه ما حاق بهم، ليتطور هذا الاحتجاج سياسياً مع الوقت وينتهي بما يعرف به من مُسمى الان هو الحراك الجنوبي الذي تنضوي في اطاره فصائل وتيارات وقيادات متعدده بمطالب متباينه سقفها الانفصال وحدها الادنى حالياً هو الفيدرالية.

تأتي أيضاً مع مشروع هذا القانون مُذكرة ايضاحية يُشار فيها الى ان اعداده يأتي بالاساس (تنفيذاً للنقطة (3) من النقاط الإحدى عشرة المقرة من اللجنة الفنية للإعداد والتحضير لمؤتمر الحوار الوطني الشامل)[7]، وهي النقطة التي تنص على إلغاء كافة الأحكام الصادرة بحق القيادات والرموز الجنوبية، وكان يُفترض انفاذها بالأساس ضمن اجراءات التهيئة للحوار الوطني. والحال الآن هو ان مؤتمر الحوار الوطني قد انتهى وما زال تنفيذ هذه النقطة مجرد مشروع قانون تسرب مضمونه مؤخراً ولم يصدره حتى الان الرئيس الانتقالي عبد ربه منصور هادي. ولا يُعرف إذا كان في إصداره ما يُجدي بالاصل، لكون تأخره كثيراً قد يكون أفسد الغرض المتوخى منه، في ظل ارتفاع السقف السياسي للقادة الجنوبيين بما يحول دون امكانية استرضائهم بمجرد اسقاط التهم والعقوبات عنهم فقط.
 


[1]"المصدر أونلاين" ينشر قانون مرتقب لإسقاط التهم والعقوبات عن القادة الجنوبيين، موقع المصدر أونلاين، 18 – 2- 2014، http://almasdaronline.com/article/54808
 
[2]"المصدر أونلاين" ينشر قانون مرتقب لإسقاط التهم والعقوبات عن...الخ، مصدر سابق.
[3]مشروع قانون بإسقاط كافة العقوبات والتهم والقرارات والأحكام الصادرة بحق السياسيين من القيادات والرموز الجنوبية جراء حرب 1994م، وزارة الشؤون القانونية، صنعاء، منشور في موقع المصدر اونلاين، http://almasdaronline.com/article/54808
[4]مشروع قانون بإسقاط كافة العقوبات... الخ، مصدر سابق
[5]مشروع قانون بإسقاط كافة العقوبات... الخ، مصدر سابق
[6]مشروع قانون بإسقاط كافة العقوبات... الخ، مصدر سابق
[7]مذكرة إيضاحيةلمشروع قانون إسقاط كافة العقوبات والتهم والقرارات والأحكام الصادرة بحق السياسيين من القيادات والرموز الجنوبية جراء حرب 1994م، وزارة الشؤون القانونية، صنعاء، منشور في موقع المصدر اونلاين، http://almasdaronline.com/article/54808