شهدت الأيام التي تلت إعلان الحجر الصحي العام منذ 22 مارس 2020، مشاهد غريبة عن المخيال التونسي. لعل من أبرزها طوابير المنتظرين لوصول شحنة "الدقيق والطحين" أمام المحلات للتزود قدر الإمكان أمام استمرار غياب أي معلومة عن موعد انتهاء الحجر وانقشاع أزمة الكورونا عن البلاد. مشهد تعود التونسيون أن يروه في نشرات الأخبار من الدول التي تعاني المجاعة أو الحروب، إلا أنه بات مألوفا اليوم في تونس بسبب لهفة المواطنين من جهة وارتفاع أعداد المحتكرين لهذه المواد الأساسية من جهة ثانية. واقع أكدته بلاغات الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد التي كشفت ورود مئات الإشعارات اليومية التي تتعلق بالإحتكار وإخفاء بعض المواد الأساسية المدعمة. جدية الظاهرة دفعت رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى التطرق لها خلال اجتماع مجلس الأمن القومي يوم 31 مارس 2020، معتبرا ممارسات المحتكرين ترتقي إلى جرائم حرب، في تطابق مع موقف  رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ الذي اعتبر أن المحتكرين هم "متلاعبون بقوت التونسيين" وسوف يقع تطبيق القانون عليهم بكل صرامة.

 

المستهلكون وصغار التجار سواسية في المعاناة من الاحتكار

بمجرد التجول في أحد الأسواق البلدية المكتظة هذه الأيام والتي من المفترض أن تكون مغلقة بسبب الحجر الصحي الشامل، بإمكاننا أن نلحظ النقص الكبير المسجّل في المواد الأساسية سواء في الخضر والغلال أو غيرها من المواد الأخرى، كما يمكن من الوهلة الأولى ملاحظة الإرتفاع في الأسعار مقارنة بما كانت عليه قبل بداية العمل بإجراء الحجر الصحي الشامل. 

ارتفاع الأسعار وتنامي ظاهرة الإحتكار والمضاربة على بعض السلع لم يثر احتجاج وغضب المواطنين فحسب، بل شمل التجار وأصحاب المحلات، حيث أشار أحد التجار في السوق البلدي بمحافظة أريانة خلال حديثه للمفكرة القانونية موضحا: "المسؤولية عن ارتفاع الأسعار ونقص كمية السلع المعروضة لا تقع على كاهل أمثالنا، بل نحن بالكاد نسجل هامشا طفيفا من الربح". ليضيف: "المتسببون في الأزمة هم الموزعون الكبار، ذلك لأنهم يشترون البضاعة بأسعار عادية ولكن يوزعونها على التجار بأسعار عالية جدا. ونتيجة هذه الممارسات قررت عدم شراء بعض السلع لأنها باتت محل مضاربة ومزايدة."

عموما، تشكيات التجار لا تختلف عن مواقف المواطنين. وقد اعتبر أغلب المتواجدين في السوق أن السلع الأساسية بالكاد موجودة. وحتى في حال وجدت، فإنها تكون بأسعار مشطة جدا، ولكن ما باليد حيلة، إذ يجب عليهم التزود تحسبا من أن يسوء الوضع في الأيام القادمة.

أمام كل هذا الهلع الشعبي وحالة الفوضى التي تعمّ الأسواق، دعت منظمة الدفاع عن المستهلك إلى ضرورة الإلتزام بالهدوء وتجنب اللهفة على السلع والإبلاغ عن المخالفين والمحتكرين. في هذا الإطار، اعتبر سليم سعد الله رئيس منظمة الدفاع عن المستهلك في تونس في تصريح للمفكرة أن الإجراءات التي اتخذتها الدولة على غرار فرض الحجر الصحي وتواتر الأرقام المفزعة للوفيات من مختلف دول العالم، بعثت حالة من القلق لدى المواطن التونسي الذي أصبح متلهّفا على السلع، وهو ما جعل سماسرة السلع يستغلون الوضع ويرفعون الأسعار رغم وفرة في الإنتاج في بعض المنتوجات على غرار الخضروات مقارنة بالسنة الماضية. كما أن إغلاق أسواق الجملة طيلة أيام الأسبوع والاقتصار فقط على 3 أيام، أثر على عمليات التزوّد وعلى أسعار البيع بالجملة. أما بالنسبة لمشكلة الاحتكار بالنسبة لمادتي السميد (الدقيق) والفرينة (الطحين)، فإن عناصر الجريمة معقدة ومتداخلة، إذ أن الإشكال يبدأ من المصنع إلى المزود حتى البائع ونحن نحاول ما استطعنا محاصرة الظاهرة ونساهم في التبليغ عن كل التجاوزات.

 

الحرب ضد الإحتكار: أرقام مفزعة عن جشع المحتكرين 

في ظل تواصل الأزمة الخانقة وارتفاع المضاربة على المواد الأساسية الذي أدّى إلى تسجيل ارتفاع مشط في أسعارها، تدخلت الحكومة من أجل إعادة التوازن إلى سوق الجملة وضبط الأسعار على وجه الخصوص حيث اعتبر ياسر بن خليفة مدير عام المنافسة والأبحاث الاقتصادية صلب وزارة التجارة أن الحكومة ووزارة التجارة تعملان منذ بداية هذه الأزمة على إعادة التوازن إلى السوق، مضيفا أنه تم تسجيل حالات تجاوز واحتكار وتمكنت فرق المراقبة من القبض على عديد المحتكرين والمضاربين.

وقد نشرت وزارة التجارة بلاغا يوضح النتائج التي توصلت إليها خلال شهر من العمل. فمنذ غرة شهر مارس إلى حدود يوم 31 منه، تمكنت وزارة التجارة من القيام بـ 25 ألف عملية رقابية وتسجيل 2620 مخالفة تتعلق بالترفيع في الأسعار والإحتكار والتلاعب بالمواد المدعمة والإخلال بشفافية ونزاهة المعاملات. وتتمثل المحجوزات في 1490 طن من المواد الغذائية الهامة (كالطحين والسميد والسكر ...) إضافة إلى 37 ألف لتر من الحليب و20 ألف لتر من الزيت النباتي المدعم، و318 ألف قطعة من المواد الصحية والوقائية شبه الطبية، إضافة إلى 2 طن من الخضر و28 ألف علبة تبغ. وقررت الوزارة تبعا لذلك توجيه 83 قرار منع التزويد بالمواد المدعمة وغلق محلات المحتكرين إضافة إلى إيقاف 22 محتكرا وإصدار حكمين قضائيين بالسجن.

في مقابل ذلك، اعتبر ياسر بن خليفة مدير عام المنافسة والأبحاث الاقتصادية صلب وزارة التجارة في تصريح للمفكرة أن الفضل في تحقيق هذه النتيجة يعود إلى أعوان المراقبة التابعين لوزارة التجارة، إذ ورغم عددهم المحدود الذي لا يتجاوز 600 عون، إلا أنهم يقومون بجهد جبار لضبط الأسواق ومحاصرة المخالفين.

إلى جانب مجهودات وزارة التجارة، وضعت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد رقما أخضر على ذمة المواطنين للتبليغ عن مظاهر الإحتكار والتلاعب بالأسعار والتي بلغت خلال أسبوع فقط منذ 25 مارس إلى حدود 3 أفريل 2772 إشعارا حول حالات احتكار للمواد الأساسية أو لمواد التنظيف أو البيع بخلاف الصيغ القانونية أو بأسعار مرتفعة. 

 

جريمة حرب دون عقاب رادع

رغم حديث رئيس الجمهورية قيس سعيد خلال اجتماع مجلس الأمن القومي على ضرورة اعتبار المحتكرين مجرمي حرب ووجوب التعامل معهم وفق هذا الأساس ووعيد رئيس الحكومة إلياس فخفاخ للمحتكرين بتشديد العقاب، إلا أن هذا الخطاب لا يتماشى مع النص القانوني الذي يتم تطبيقه حاليا، حيث أن القانون ووفق كثير من الآراء، ومن ضمنها رأي رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب، لا يرتقي إلى الجرائم التي يقوم بها المحتكرون.

فقد نص القانون عدد 36 لسنة 2015 المؤرخ في 15 سبتمبر 2015 المتعلق بإعادة تنظيم المنافسة والأسعار في الفصل 49 على أنه يعاقب بالسجن من شهر إلى عام وبخطية من 1000 دينار إلى 100.000 دينار أو بإحدى العقوبتين كل من رفّع أو خفّض بصفة وهمية أو حاول ذلك في سعر بيع منتوج أو خدمات باستعمال أية وسيلة كانت أو قام بمزايدات قصد التأثير على المستوى الطبيعي للأسعار، وينطبق هذا على كل من مسك مخزونات لغرض بيعها أو المضاربة فيها دون أن تتوفر فيه شروط ممارسة التجارة المنصوص عليها بالتشريع الجاري به العمل. (وغيرهم من الوضعيات الأخرى).

واعتبر رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب في تصريح له أنّ ارتفاع حالات التجاوزات والإحتكار هو انعكاس لوجود منظومة فساد كاملة وجب تفكيكها، وأول خطوة يجب علينا القيام بها لإيقاف المحتكرين عند حدّهم هي تنقيح القانون المتعلق بإعادة تنظيم المنافسة والأسعار والذي ينظّم الإحتكار وخاصة الفصلين 49 و50، فالعقوبات التي يسلطها القانون التونسي على المحتكرين هي عقوبات بسيطة ولا تتلاءم مع حجم الجريمة التي يقومون بها.

غياب الردع القوي في المنظومة القانونية التونسية على مستوى التصدي للإحتكار ومخالفات البيع، كانت إحدى النقاط التي تناولها رئيس الحكومة إلياس فخفاخ أمام مجلس نواب الشعب خلال جلسة التصويت على قانون التفويض للحكومة في إصدار مراسيم، متعهدا بأن يكون إصدار مرسوم يعالج هذه المسألة إحدى أولوياته.

 

في كل أزمة يظهر أثرياء جدد يستغلون الوضع إما بالتحيل على القانون أو باستغلال الثغرات القانونية والظرفية الاجتماعية وضعف الرقابة على بعض القطاعات للإستثمار فيها. وقد مثلت الحرب على فيروس كورونا وحالة الهلع التي تنتاب التونسيين مناخا ملائما لتجار الأزمات وخصوصا بارونات توزيع السلع لاستغلال الظرف في ظل تنفذهم في أجهزة الدولة على غرار ما تم الكشف عنه من قبل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد من شبهة تورط نائب في البرلمان في هذه الممارسات وغياب العقوبات الصارمة.