في إثر حرب 1975-1990، خرج "الزعماء" منها تُحيطهم هالات ضمنت لهم استمرار زعاماتهم في ما بعدها. وحتى الذين تمّ استبعادهم لعدم انسجامهم مع الوصاية السورية، عادوا بعد 15 سنة ليؤدّوا أدوارهم كزعامات. لم يُبذل أيّ جهدٍ لمحاسبة الماضي أو تظهير بشاعاته، بل على العكس، جهد النظام السائد في طمس كلّ ما يمتّ بصلة إليه، وفق ما أمكن تسميته "سياسة طمس الذاكرة"، ذاكرة الحرب ومآسيها طبعاً. ومن أهمّ أشكال الطمس، إخفاء مصائر المفقودين والمقابر الجماعية التي خلّفتها تلك الحرب. تبعاً لذلك، سادت ذاكرة الأبطال ومعها نظام الزعامات، لتضمحلّ في المقابل ذاكرة الضحايا بعدما اعتبرها النظام تهديداً خطيراً للسّلم الأهليّ. وحتى قضايا المهجّرين ومعوّقي الحرب، فقد انتهت بالتقريش، بعدما سُخِّر كلّ قرش لتعزيز نظام الزبائنية والزعامة.

شكّلت "17 تشرين" منعطفاً هامّاً في هذا المضمار. فبشاعة الطّغمة الحاكمة التي نجحت عقود ما بعد الحرب في طمسها، تجلّت أخيراً في مشهدية فاقعة: مشهدية التفليسة أو الإنهيار المالي والاقتصادي، تفليسة الدولة والمصارف ومعها احتمال فقدان المدّخرات والودائع وتفقير غالبية اللبنانيين. وعليه، البشاعة التي نجح "زعماء الحرب" في إخفائها وراء كمّ من الأقنعة، ظهرت فاقعة اليوم، تماماً كما يحصل في أوبرا نزع الأقنعة الصينية، بعدما انتهت هذه اللعبة إلى نزع القناع الأخير.

في هذا العدد، سنعرض تباعاً ثلاثة مشاهد من هذه الأوبرا.

 

المشهد الأول: "الملكية الخاصّة" انتُهِكت يوم انتُهِك المال العام

باستثناء لحظات نادرة أهمّها أزمة النفايات في 2015، شكّلت قضايا المال العامّ، بما فيها المشاعات والأملاك العامة والمرافق العامة، طوال العقود الثلاثة الماضية، قضايا هامشيّة في الخطاب العام. وبالإمكان أن نعزو تراجع الاهتمام بـ"العامّ" إلى أسباب عدّة، منها طبعاً العصبيّة الطائفية وضعف الإنتماء الوطني وتراجع الثقة في الدّولة، فضلاً عن أنّ فظاعة الحرب وطابعها التدميري تركتا ترسّبات لدى عدد كبير من المواطنين، تمثّلت في الإنكفاء على الذات وعلى الحيّز الخاصّ، مقابل لامبالاة نسبيّة بكلّ ما يحصل خارج هذا الحيّز. لكن الحجّة الأكثر قوّة تمثّلت في تسليم عموم المواطنين، عن وعي أو غير وعي، بأنّ السّلم الأهلي يقتضي إرضاء زعماء الطوائف وتالياً التسليم بنسبة معيّنة من الفساد والسّطو على المُلك العام. وبالطبع، قوام هذا التسليم هو التكيُّف مع واقع ظهر لكثيرين أنّه من غير الواقعيّ تغييره.

وبفعل ذلك، أمكن للتعدّيات على الأملاك العامة البحرية كما النهرية أن تستمرّ لعقود رغم انتهاء حرب الـ15 سنة، من دون أن تسدّد الجهة المعتدية قرشاً للدولة. كما أمكن عبور 12 سنة من دون موازنات عامة أو قطع حساب لهذه الموازنات، وسط لامبالاة تامّة. هذا من دون الحديث عن الهندسات الماليّة وغيرها من الفضائح الكثيرة التي بقيت مغيّبة أو خافتة جدّاً في الخطاب العامّ أو انتهت بلعبة تراشق للمسؤوليات يتوه فيها المواطن وتضمحلّ فيها الفضيحة من دون أن ينفضح أحد. وقد ذهب تكيُّفنا بعيداً جداً: فتكيَّفنا مع انهيار المدرسة الرسمية والجامعة الوطنية والمستشفى الحكومي ومع فاتورتي الكهرباء والماء وتفجير الجبال... وقتل الأنهار... وتخصيص شطآن البحر.

وبالطبع، ما كان لهذا التكيُّف أن يحصل بالسلاسة التي حصل فيها، لولا مغريات أقنعت المواطن بسدادة تقوقعه في حيّزه الخاص وتمثلت بشكل أساسي بتكريس حريّته شبه التّامة في التصرّف في هذا الحيّز. ومن أبرز الشواهد على ذلك، تعزيز حقوقه باستثمار ملكه (مثال: رفع نسب الاستثمار في العقارات)، في موازاة تقويض الضوابط المفروضة عليه، بما فيها الضوابط التي يقتضيها الحدّ الأدنى من التنظيم الاجتماعي، كحسن إدارة شبكات الصرف الصحي أو الحفاظ على البيئة. وقد تمّ ذلك من خلال تعديل قوانين أو بكل بساطة من خلال غضّ النظر عن تطبيق القوانين الراهنة. وعليه، درج عُرف إقامة أبنية من دون ترخيص أو مُخالِفة للتراخيص بغطاء من السلطات العامة، بحجّة تمكين المواطن من استغلال ملكه الذي هو مقدّس. وقد شهد هذا التوجّه أوْجه في 2019 من خلال إقرار قانون تسوية مخالفات البناء التي حصلت طوال 5 عقود (1971-2019). الأمر نفسه انسحب على السريّة المصرفيّة التي ضمنت خصوصية المودع ووضعتْه بمنأى عن أيّة ملاحقة أو تتبّع.

فكأنّما ثمّة اتفاقاً ضمنياً يسلّم بسطو الزعماء على "العامّ" مقابل تحرير الملك الخاص من أيّة ضوابط تحدّ من استثماره أو استخدامه، وعملياً مقابل تحويله إلى ما جاز تسميته "إمارات خاصة".

وعليه، لا نفهم صدمة "17 تشرين" على أنّها اللحظة التي انكشف فيها فساد السلطة السياسية (المكشوف والمعروف أصلاً)، بل هي اللحظة التي استشعر فيها الناس أنّ الفساد خرج من الفضاء العام والملك العام والمال العام، ليجتاح فضاءهم الخاص، تماماً كما حصل في صيف 2015 بعدما اجتاح فساد النفايات الذي كانوا يعرفونه تمام المعرفة أنوفهم وشرفات بيوتهم. الإجتياح حصل تدريجياً وبأشكال عدّة: اجتياح لقمة خبزهم وقدرتهم على التنقّل في بلد يفتقد إلى النقل العامّ، بعدما برزت أزمة استيراد القمح والبنزين، اجتياح الواتساب الذي يشكّل لشريحة واسعة من الشباب فضاءهم الخاصّ بامتياز، وأخيراً وربما الأهمّ، اجتياح مداخيلهم بالليرة اللبنانية التي انهارت قيمتها ومعها ودائعهم ومدّخراتهم بفعل توقّف المصارف عن الدفع. وقد أدرك المودعون تدريجيّاً أنّ المصارف التي ائتمنوها على أموالهم الخاصة، إنما شكّلت عملياً أداة لجذب هذه الأموال تمهيداً لتحويلها إلى مال عامّ، وذلك من خلال إيداعها لدى مصرف لبنان لقاء فوائد مرتفعة. كما أدركوا أنّ الاجتياح الأكبر لخصوصيّتهم تمثّل تبعاً لذلك في تبديد أموالهم بالصورة نفسها التي تمّ فيها تبديد سائر الأموال والأملاك العامة والذي غالباً ما حصل وسط قبول عام.

وعليه، وبعد زوال الفواصل بين العامّ والخاصّ ومعها سقوط حرمة الخاصّ تماماً، تبدّى جليّاً أنّ الخطاب الذي غالباً ما عمد إلى تقديس الملك الخاصّ إنما هدف أساساً إلى التعمية على الإعتداء على المال العام أو بالأحرى إلى التسليم بأحقيّته؛ فإذا نجح الخطاب في ذلك، بات من السهل اجتياح المال الخاص بعدما تمّ تحويله بفعل التزاوج بين المصارف ومصرف لبنان إلى مال عامّ. وأمام مشهد مماثل، بدا واضحاً أنّ "الخاص" و"العام" محكومان بالتلازم وأنّ من شأن التخلّي عن العام أن يؤدّي عاجلاً أم آجلاً إلى استباحة الخاصّ. وهذا ما يفسّر بروز مطلبَي محاسبة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة في مقدمة مطالب الثورة.

 

المشهد الثاني، هشاشة المواطن والمصلحة الفضلى للمصارف

تمثّل المشهد الثاني في انكشاف هشاشة المواطن أمام المصارف. فبعد أن توقّفت المصارف عن الدفع للمودعين، لم يتّخذ مصرف لبنان أيّة خطوة لوضع اليد عليها، مسوّغاً لها بذلك الإقتناص من حقوق هؤلاء وعملياً ارتكاب أكبر اعتداء جماعي يُقاس عدد ضحاياه بمئات الألوف.

وإذ نجح المودعون بداية في الحصول على عدد من الأحكام المؤيّدة لهم[1]، سارعت المحكمة العليا (التمييز)[2] ومعها أيادٍ مستترة عدّة، إلى إغلاقها. الفضيحة الكبرى في هذا المضمار، حصلت في مكتب النائب العام التمييزيّ غسان عويدات، أي في مكتب رأس الجهاز الذي ينيط به القانون الدفاع عن الحقّ العامّ، أي حقوق المجتمع[3]. فبدل حماية هذه الحقوق ومعها مئات آلاف المودعين، حوّل عويدات محضر التحقيق مع المصارف إلى محضر اجتماع ودّي معها. وقد خلص هذا الإجتماع إلى وضع قواعد تنظيمية للعلاقة بينها وبين المودعين، قواعد مثّلت عملياً الغطاء الذي كانت تبحث عنه المصارف منذ أشهرٍ للتملّص من موجباتها القانونية تجاه هؤلاء.

وقد تجلّى هذا الإنحياز فضلاً عن ذلك في مجموعة من التصرّفات على مستوى وزارة الداخلية التي خصّصت عناصر لحماية فروع المصارف من المودعين المحتجّين وتشددت في ملاحقتهم. كما تجلّى على مستوى التشريع وفق ما نستقرئه من مسودّات "مشروع قانون الكابيتال كونترول" المتلاحقة، والتي ليست سوى غطاء آخر لتعسّف المصارف[4].

وقد بدا واضحاً إزاء هذا المشهد أنّ التسليم بهيمنة الزعامات على القضاء والإدارات العامة، إنما مهّد إلى تغليب شريعة القوّة وتدمير مبدأ المساواة أمام القانون. وقد تجلّى هذا الوعي في رواج شتم الزعامات الذي بدا بمثابة تهديم للأصنام، في موازاة إدراج استقلال القضاء ضمن أولويات الثورة.

 

المشهد الثالث: القرينان أو هذا النظام الذي بنى اقتصاداً على صورته

أخيراً، بدا بيّناً للجميع أنّ الأزمة المالية والاقتصادية الراهنة ترتبط بشكل عضوي بالنظام السياسي الذي يتحمّل المسؤوليّة الأولى عنها. ومسؤوليّة هذا النظام تتأتّى ليس فقط عن فشله في إدارة الاقتصاد أو ترقّب ذُيول الأزمة، إنما أيضاً وبالأخصّ عن استيلاده نموذجاً اقتصادياً على صورته، وهو نموذج يجمع بين الاقتصاد الرّيعي والتوجّهات النيوليبرالية. فتماماً كما تتركّز السلطة السياسية في أيادي قلّة نجحت في تأطير "المحكومين" ضمن مجموعات تخضع لهم وتسلّم بزعامتهم، كذلك الأمر بخصوص تركّز الرساميل وفرص العمل والإنتاج، ضماناً لاستمرار الأطر نفسها ومنعاً لأيّ تفلّت منها.

الدليل الأكبر على ذلك، امتصاص الكمّ الأكبر من الرساميل وضمناً أموال المغتربين من خلال تعميم الفوائد المرتفعة واستبدال الإنتاج بالإستيراد، بعدما قاربت قيمة الودائع ثلاثة أضعاف قيمة الإنتاج المحلي. وما تبقّى من حركة اقتصادية في مجال التجارة والخدمات والعقارات، خضع لمنطق الإحتكارات وشبكات المصالح، كل ذلك في موازاة ضرب النقابات العمالية وتقليص حقوق العمال. ومع تركّز السلطة السياسية وسلطة المال في أيادٍ قليلة، آل الزواج شبه الحتميّ بينهما، ولو على وقع المساومات، إلى ضمان استمرار الحكم من فوق. وكان من الطبيعي من جرّاء ذلك أن تضمحلّ تدريجياً تجلّيات الديمقراطية، ومعها تجلّيات الإقتصاد التنافسي والعدالة الاجتماعية على حدّ سواء.

وقد بدا واضحاً إزاء هذا المشهد، أنّ مسار الإنتقال إلى النظام الديمقراطي يفرض بالضرورة إعادة هيكلة الاقتصاد، بهدف جعله اقتصاداً ديمقراطياً، اقتصاداً منتجاً وخالياً من الإحتكارات يتّخذ من العدالة الاجتماعية أساساً له. وهذا أيضاً ما يفسّر تصدّر مطلب بناء اقتصاد منتج لمطالب الثورة، في ظلّ تزاوج شعارَي "كلّن يعني كلّن" و"يسقط حكم المصرف".

 

  • لقراءة المقال باللغة الانجليزية اضغطوا على الرابط أدناه:

Lebanon’s Face-Changing Opera

  • نشر هذا المقال في العدد | 64 | نيسان 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

قبح النظام في مرآة المصارف


[1]  نزار صاغية، أبعد من التقنية القانونية في قضايا الكابيتال كونترول، أو حين يصبح الحكم منبراً للتنديد بتعسّف المصارف ولامبالاة "الحاكم"، موقع المفكرة القانونية، 27/1/2020.

[2]  وهذا ما تجلّى في قرار محكمة التمييز الصادر بتاريخ 26/2/2020 التي اعتبرت أنّ إلزام المصرف بإجراء حوالات إلى الخارج يرشح عن نزاع جدّي ليس بإمكان القضاء المستعجل حلّه.

[3] نزار صاغية وعماد صائغ: النيابة العامة التمييزية تنضوي تحت راية المصارف: تقييد حقوق المودعين بحجة حمايتهم، موقع المفكرة القانونية، 14/3/2020.

[4] بيان "المفكرة القانونية" حول مسودّة قانون الضوابط المصرفية: ضوابط مؤقتة من دون غد، موقع المفكرة القانونية، 18/3/2020.