اندلعت الأزمة المصرفية الحالية في لبنان بعد ثلاثة عقود من الاستقرار النقدي والمصرفي. ترافق هذا الاستقرار مع هيمنة خطاب دعائي أقنع غالبيّة اللبنانيين بأبديّته، بخاصّة عند جيل ما بعد الحرب الأهلية الذي لم يختبر الهزّات النقدية السابقة. وارتبط مفهوم الاستقرار في أذهان الناس "بأعجوبة" ثبات سعر صرف الليرة نسبة للدولار من جهة ومناعة القطاع المصرفي من جهة أخرى، وكلاهما ارتبط بشخص حاكم مصرف لبنان الذي امتدت ولايته طوال العقود الثلاثة تلك.

بدّدت الأزمة الحالية هذه المُسلَّمات عند شريحة كبيرة من اللبنانيين ونجحت في كسر هيبة القطاع في سرعة قياسية. لكن بالرغم من سقوط القناع عن هشاشة البناء المصرفي، ما زال تاريخ انعدام الاستقرار الذي سبق عصر "الاستقرار" الحريريّ المديد أشبه بصندوق أسود، يتم استحضار بعض من أسراره بشكل عرضي أو مجتزأ أو مشوّه.

يحمل هذا التاريخ مفاتيح فهم العلاقة بين ثالوث الحكم الأوليغارشي: السلطة السياسية بشقيها التشريعي والتنفيذي، ومصرف لبنان، وجمعية المصارف. ويُبيّن كيف تمكّنت هذه الأخيرة عبر الإصلاحات القانونية أثناء الأزمات، وبالتحديد بعد أزمة بنك "إنترا" عام 1966، من ترسيخ دورها في صنع القرار النقدي والمالي بشكل مؤسساتي – أي أنّ جمعية المصارف، وخلافاً للإنطباع السائد حتى ضمن أوساط الانتفاضة، ليست مجرد  لوبي خاص يضغط على الدولة من دون أي صفة رسمية، مع أهمية هذا الدور، بل لها حصّة في القرار مكفولة بالقانون.

 

من المسؤول عندما تقع الواقعة؟

عرف لبنان منذ استقلاله السياسي هزّات مصرفية كبيرة ترافقت مع الأزمات السياسية. منها الأزمة المالية عام 1958 المرتبطة بالحرب الأهلية التي اندلعت حينها ومنها ما حدث خلال حرب الأيام الستة عام 1967 ناهيك عن الأزمات المتكررة طوال الحرب الأهلية. وقد "تُوِّجت" الأخيرة بانهيار حاد لليرة في منتصف الثمانينيّات.

تعدّت هذه الأزمات أيام الحرب، فحدثت أكبر هزة مصرفية سابقة ليومنا أيام السلم والازدهار، أي أزمة "إنترا" عام 1966، وبعيد الحرب الأهلية عام 1992 عندما أدّى الهبوط الحاد لليرة إلى الإطاحة بحكومة عمر كرامي وتدشين عهد رفيق الحريري، ناهيك عن فضيحة بنك المدينة في العقد الماضي التي تم لفلفتها. وقد تباينت ردود الفعل الرسمية والإجراءات المتخذة ونتائجها بين الماضي والحاضر.

فاليوم، تتقاذف الطبقة الحاكمة كرة المسؤولية حول ما آل إليه الوضع النقدي والمالي. وتختلف الآراء، بما فيها المؤيّدة للانتفاضة، حول واجبات حاكم المصرف رياض سلامة وأجهزة الرقابة المرتبطة به مقابل دور مجلس الوزراء أو المجلس النيابي. فيرى البعض أنّ سلامة مجرّد موظف يحتاج إلى تشريعات وقرارات حكومية للتحرّك، بينما يجزم البعض الآخر أنّ لديه الصلاحيات الكافية. والحقيقة أنّ قانون النقد والتسليف يمنح الحاكم "أوسع الصلاحيات" لتأمين الاستقرار النقدي والمالي مما يعطيه هامشاً واسعاً للتحرّك أكبر بكثير مما يدّعيه اليوم. مع ذلك، لا يمكن للحاكم أن يعالج أزمة بهذا الحجم من دون التنسيق والتوجيه من الحكومة والمجلس عبر المراسيم والتشريعات، أي أنّ المسؤولية مشتركة. وبغض النظر عن النصوص القانونية، تكشف مراجعة تاريخية أنّ سلطة القرار كانت دائماً تتوزّع بين مصرف لبنان والسلطة السياسية وجمعية المصارف وإن بدرجات متفاوتة، وقد أدّت الأزمات دوراً محورياً في بلورة هذه السلطة المثلّثة الأضلاع وفي مأسستها على مراحل، حتى باتت اليوم في صلب بنيان الدولة.

 

أزمة البنوك الثلاثة: ارتباك وتبادل للمسؤولية

في عقد الستينيّات، حصلت أزمات مصرفية عدّة كان أوّلها في شباط عام 1964، أي عام تأسيس المصرف المركزي، عندما انهار مصرفان هما البنك العقاري والبنك التجاري. كان مصرف لبنان طريّ العود وفي مرحلة تسلّم وتسليم من بنك سوريا ولبنان. اللافت أنّ مدير البنك التجاري حينها، جورج دبّاس، طلب العون بداية من جمعية المصارف لا من المصرف المركزي، فسارعت الجمعية بدورها إلى طلب النجدة من مصرف لبنان الذي بدوره استشار بنك سوريا لبنان الذي أعاد الكرة إلى مصرف لبنان. لم يتمكّن الثلاثي المرتبك من إيجاد مخرج، فكانت الكلمة الفصل للمحاكم التي اعتمدت على قوانين التجارة بدلاً من قانون النقد والتسليف حديث العهد. أدّت الأزمة إلى تململ في الأسواق المالية ونشرت الصحف آراءً، منها من تحسّر على أيام "الفوضى" ما قبل تأسيس المصرف المركزي التي "لم تؤذِ أحداً" ومنها من طالب بتدخّل المصرف المركزي بشكل أكبر. اتهم بيار إدّه بصفته رئيس جمعية المصارف منتقدي البنوك بأنّهم يهدّدون "الأمن الاقتصادي". واعتبر كل من إده وفيليب تقلا حاكم المصرف آنذاك، أنّ الأزمة معزولة لا تعكس وضع القطاع بشكل عام. لم يمنع ذلك من قيام تقلا في خريف 1964 من ضخ 24 مليون ليرة في السوق للتخفيف من قلّة السيولة. لكن العام الذي أعقبه شهد انهيار بنك آخر، هو "سوجيكس" مما حدا بالمصرف المركزي إلى الاعتراف بضرورة الحدّ من تأسيس المزيد من المصارف. وعليه، طالب الحكومة بالتوقف عن الترخيص للبنوك التجارية. وأصدرت الحكومة مراسيم جديدة في 5 كانون الثاني 1966 سهّلت من خلالها عمليات تصفية المصارف ودمجها وصعّبت فتح مصارف جديدة، لكنها لم تعالج وضع المصارف الموجودة أصلاً. فكان الانهيار الكبير في خريف 1966.     

 

أزمة "إنترا": نواة التنسيق الثلاثي

عندما بلغ رئيس الجمهورية شارل حلو أنّ "إنترا" على وشك التوقّف عن الدفع، وكان ذلك يوم الجمعة في 14 تشرين الأول، عقد اجتماعات جانبية وحكومية طارئة وماراثونية لمدة ثلاثة أيام امتدّت أحياناً إلى ساعات الصباح الأولى. شارك في هذه الاجتماعات العديد من السياسيين والخبراء الاقتصاديين والمصرفيين بمن فيهم نائب حاكم مصرف لبنان جوزيف أوغورليان الذي كان حاكم الظلّ نظراً لخبرته النقدية مقارنة مع تقلا الآتي من حقل السياسة. وكان لجمعية المصارف حضورها البارز أيضاً بشخص رئيسها بيار إده وقد قامت الجمعية بدورها بعقد جمعية عمومية غير عادية بقيت مفتوحة يومي 15 و16 تشرين الأول. خلُصت هذه الاجتماعات إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لمنع تفاقم الأزمة أدّت بالمحصلة إلى إسقاط "إنترا" ولكن إنقاذ القطاع المصرفي.

استثنت الحكومة "إنترا" من هذه الإجراءات، وقامت لاحقاً بإصدار قانون رقم 2/67، عُرف بقانون "إنترا"، وضع الشروط التي تنظم عملية إدارة أي مصرف يتوقف عن الدفع، بما فيها تعيين لجنة إدارية تحلّ محلّ الإدارة الخاصة وتقرر إعادة تعويم المصرف أو تصفيته بحسب المعطيات المالية للشركة. وفي حالة "إنترا" بالذّات، ضمن القانون حقوق صغار المودعين وقامت الحكومة بتحويل كبار المودعين إلى مالكين للبنك، في عملية قانونية اعتبرها عضو مجلس إدارة البنك آنذاك نجيب علم الدين "خزعبلات" غير مسبوقة. وقد أدى ذلك إلى إعادة تعويم المصرف ولكن لحساب مالكين جدد. أما فيما يخص باقي القطاع، فقد أعلنت الحكومة إقفال المصارف لمدة ثلاثة أيام تتيح لها، من خلال دعم مصرف لبنان، تأمين السيولة اللازمة  لطمأنة المودعين.

وبالفعل، ونتيجة هذه الجهود التي ترافقت مع حملات تهدئة، تمكّنت المصارف من تأمين السحوبات في اليوم الرابع وتجنّب لبنان أزمة سحوبات عامة كتلك التي نشهدها اليوم. ويقول شارل حلو في مذكراته أنّ موظفي المصرف المركزي أبدوا استعدادهم للعمل ليلاً نهاراً من أجل تنفيذ قرار مجلس الوزراء. لكن حلو خاف أن يؤدي أي تأخير إلى فشل التدابير تلك وأخذ باقتراح إده إقفال المصارف. وفي رواية نقلتها الدبلوماسية الأميركية في بيروت آنذاك عن الصحافة أنّ إده "هدد" بالإضراب في حال لم تقم الحكومة باتخاذ قرار الإقفال.

أياً تكن لهجة إدّه، شكلت أزمة بنك "إنترا" أول تجربة جدّية للتنسيق الثلاثي بين الحكومة ومصرف لبنان وجمعية المصارف خلال أزمة مستعصية. وقد تم مأسسة هذا التنسيق من خلال تشريعات مصرفية شاملة أقرّها مجلس الوزراء عبر صلاحيات استثنائية. أشرف على هذه الإجراءات حاكم مصرف لبنان الجديد، الياس سركيس، الذي خلف تقلا بعدما اعترضت قوى اقتصادية على أدائه وتم استجوابه في المحكمة.

 

الثلث المصرفي المعطّل

في خِضَمّ هذه المعمعة المصرفية، شنت إسرائيل حربها العدوانية في 5 حزيران 1967. هرع المودعون في لبنان إلى سحب أموالهم. فأصدرت الحكومة في 8 حزيران مرسوماً اشتراعياً حددت بموجبه السحوبات النقدية بمبلغ ألف ليرة للمودع الواحد في المصرف الواحد مع السماح بالتحويلات المعدّة للمعاملات التجارية وخاصة الخارجية منها. تمكّنت الحكومة من إصدار هذه القوانين بسبب منحها مسبقاً صلاحيات استثنائية من مجلس النواب في سياق الإصلاح المصرفي العام. وقد كان مجلس الوزراء قد أقرّ في 9 أيار القانون رقم 28/67 الذي أوقف التراخيص بإنشاء مصارف جديدة لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد، وأقرّ تسهيلات لتشجيع الدمج والتصفية الذاتية، ورسم آلية لوضع اليد على المصارف المتعثرة. وقد تم بالفعل وضع اليد على عشرة مصارف وتصفية ذاتية لخمسة أخرى.

أدّت هذه الإجراءات إلى بث الحياة من جديد في القطاع المصرفي. لكن أهمية القانون على صعيد آلية اتخاذ القرارات تكمن في إنشاء ثلاث مؤسسات باتت جزءاً عضويّاً من أجهزة الدولة لإدارة القطاع وأزماته بما فيها مراقبة أعماله ومحاسبة المخلّين به. أولى هذه المؤسسات، هي لجنة رقابة المصارف المكلّفة التحقق من حسن سير أعمال المصارف وهي مخوّلة طلب الإحصاءات المصرفية والتدقيق الدوري في كل مصرف وتوصيته بالتقيّد بأي برنامج تضعه له لتحسين أوضاعه وضبط نفقاته. والمؤسسة الثانية هي الهيئة المصرفية العليا المنوط بها فرض العقوبات على المصارف وتطبيقها وفقاً لتقارير لجنة الرقابة وتوصيات حاكم مصرف لبنان وتصل هذه العقوبات إلى حدّ تعيين مراقب أو مدير مؤقت وفي الحالات القصوى منع المصرف من ممارسة عمله. أما المؤسسة الثالثة، فهي مؤسسة ضمان الودائع التي وعدت بضمان جميع الودائع بالليرة اللبنانية بدون استثناء حتى نهاية 1968 من أجل استعادة الثقة ومنع السحوبات على الودائع، واعتماد سقف بعد ذلك التاريخ تحدد حينها بـ 15 ألف ليرة للمودع الواحد في المصرف الواحد.

وقد تمكنت جمعية المصارف من الحصول على كوتا تمثيلية وازنة في كل من هذه المؤسسات بالرغم من ادعاء استقلاليتها. فبحسب قانون ٢٨/٦٧ ، تتألف لجنة الرقابة على المصارف من ثلاثة أعضاء -  تم زيادتهم الى خمسة عام ١٩٨٥ - يتم تعيينهم بموجب مرسوم من مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير المالية. لكن أحد هؤلاء تقترحه جمعية المصارف وأحدهم تقترحه المؤسسة الوطنية لضمان الودائع. والأخيرة، هي بدورها هيئة مشتركة بين القطاع العام والقطاع المصرفي. وبالرغم من مساهمة الدولة بنصف رأسمالها، تنتخب المصارف ٤ من أصل سبعة من مجلس إدارتها بينما يعين مجلس الوزراء الثلاثة الباقين. أي أن غالبية الأعضاء يمثلون قرار الجمعية، وعليه فإن حصة مؤسسة ضمان الودائع في لجنة الرقابة هي بشكل غير مباشر حصة جمعية المصارف. وبما أن الجمعية تقترح أيضا عضوا من الأعضاء الثلاثة بشكل مباشر، يتبين أن اثنين من أصل ثلاثة أعضاء في لجنة الرقابة قبل ١٩٨٥ من حصة جمعية المصارف. وبما أن تعديل عام ١٩٨٥ لم يضع أي شروط تأهيلية للعضويين الجديدين، لم يمنع ذلك من وجود علاقة بينهم وبين الجمعية.

باختصار، تستطيع جمعية المصارف الاستحواذ على غالبية الأعضاء في كل من لجنة الرقابة ومؤسسة ضمان الودائع. أما الهيئة المصرفية العليا، فباستثناء قاض يوافق عليه مجلس القضاء الأعلى ومدير المالية العامة، تستحوذ جمعية المصارف على عضوين (رئيس مؤسسة ضمان الودائع وعضو تقترحه الجمعية مباشرة)، ومصرف لبنان على عضوين (الحاكم وأخد نوابه). وهكذا تكون الأغلبية في المؤسسات الثلاثة لجمعية المصارف أولا، ومصرف لبنان ثانيا، والسلطة السياسية ثالثا.

تقلب هذه التراتبية مفهوم الرقابة رأسا على عقب لتصبح المصارف تمارس نوع من الرقابة الذاتية تحت غطاء القانون وبالتواطؤ مع السلطة السياسية. الثابت في هذه العلاقة هو سطوة المصارف. أما المتحول، فهو دور الدولة والطبقة السياسية التي كانت في الماضي، مع كل علاتها، تشعر بشيء من المسؤولية تجاه الرأي العام وتتمسك كحد أدنى بوجوب رمزية المرور عبر المؤسسات الرسمية لاتخاذ القرارات وتتحلى بنسبة دنيا من الكفاءة تسمح لها بإنقاذ نظامها بأقل الخسائر. مع مرور الزمن وتحول السلطة السياسية في لبنان في عهد ما بعد الحرب الأهلية الى تحالف بين زعماء الطوائف الميليشياويين وبين الرأسمال الحريري باتت السلطة السياسية أكثر التصاقا  بالسلطة المصرفية من جهة، وأقل كفاءة في إدارة الدولة من جهة ثانية. فلا عجب إن ازدادت سلطة مصرف لبنان وسطوة جمعية المصارف، فاحتكر المصرف القرار النقدي وتلكّأت المصارف عن معاقبة أو حتى إصلاح ذاتها، بل وباتت تحل محل المشرع الأصلي كما نشهد اليوم، أي الخصم والحكم.

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 64 | نيسان 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

قبح النظام في مرآة المصارف

  • لقراءة المقال باللغة الانجليزية اضغطوا على الرابط أدناه:

The Lebanese Banking Troika: A History of Instability and Unilateral Decision-Making