يتوقّع رئيس اتّحاد نقابات موظّفي المصارف جورج الحاج أزمة كبيرة على صعيد صرف موظّفي المصارف، فعند بداية حلّ الأزمة النقدية، ستصرف مصارف كثيرة عدداً من موظّفيها أو سيتمّ دمج مصارف بأخرى. ويرجّخ أن يؤدّي هذا الأمر إلى انخفاض عدد الموظّفين من 25 ألفاً إلى 15 أو 16 ألفاً. ويقول الحاج لـ"المفكرة القانونية" إنّ الموظّفين "العاديّين" في المصارف يتقاضون أجورهم كاملة بالليرة اللبنانيّة ولا أجور بالدولار إلّا للمدراء "الكبار"، ويؤكّد رئيس نقابة موظفي المصارف في لبنان أسد خوري[1]، أنّ أجور هؤلاء تخضع للقيود نفسها التي وضعتها المصارف على المودعين.

تُجمع نقابات موظّفي المصارف (البقاع، الشمال، الجنوب، بيروت وجبل لبنان) واتّحادها على أنّ موظّف المصرف هو في واجهة الأزمة المحتدمة مع المودعين. فهو "الحلقة الأضعف" وفق رئيس نقابة موظّفي المصارف في الجنوب مصطفى أرقه دان. ويذهب خوري، إلى حدّ وصف هذا الموظف بالعسكريّ الذي عليه أن ينفّذ الأوامر وإلّا يُطرد من عمله. وبالنسبة لخوري، وقع موظّف المصرف في الأزمة بين مطرقة الإدارة وسندان المودعين الذين يجب تفّهم وضعهم المزري في ظلّ الحالة الاقتصاديّة التي فرضت نفسها. ويستنكر النقيب الحالات التي استقدم فيها المودعون عدداً من الناشطين بهدف ضمان سحوبات أعلى من السقف المحدّد، معتبراً أنّ تصرّفات كهذه غير صحيحة.

 

العقد الجماعيّ في ظل الأزمة

لموظّفي القطاع المصرفي عقد عملٍ جماعيّ يمنحهم منافع أفضل من موظّفي معظم القطاعات الأخرى، من الناحيتين الماديّة والمعنوية. فمن الناحية الماديّة يتقاضى الموظف أجراً عن 16 شهراً في السنة، ويمكن أن يصل بدل النقل إلى 10 تنكات بنزين في الشهر، وينال تقدمات عائليّة إضافية إلى جانب تعويضات الصندوق الوطنيّ للضمان الاجتماعيّ، فضلاً عن تغطية صحيّة كاملة. أما من الناحية المعنويّة فعدد الإجازات السنويّة الممنوحة لموظفي المصارف يفوق عدد الإجازات المنصوص عليه في قانون العمل اللبنانيّ وإن ما زال الدوام يشمل أيام السبت. وتبدأ العطل السنوية لموظف البنك من 15 يوماً لمن قضى في الخدمة أقلّ من 5 سنوات وصولاً إلى 25 يوماً لمن قضى أكثر من 25 سنة في الخدمة.  

يتجدّد هذا العقد الجماعيّ مرّة كلّ سنتين، ومن الممكن تعديله باتفاق الطرفين: اتّحاد نقابات موظّفي المصارف وجمعيّة المصارف. مع بداية 2020، تجدّد العقد بمفعول رجعيّ لسنة 2019، وفيه نال موظّفو المصارف زيادة في التعويضات المدرسيّة والجامعيّة، ولكن أقلّ ممّا طالبوا به (مثلاً أصبح التعويض المدرسيّ عن كلّ ولد أو بنت مسجّلة في مدرسة خاصة 4.5 مليون ليرة لبنانيّة بعد أن كان 3 ملايين ونصف المليون، وأصبح التعويض الجامعي 5.5 مليون عن كل طالب). ويطالب الاتّحاد بإلغاء الدوام يوم السبت، بحجّة أنّ معظم أعمال الموظّفين هي تنظيم سحوبات المودعين، فيمكن للموظّف أن يرتاح يوم السبت. ولكن ردّت جمعيّة المصارف هذا الطلب، معتبرة أنّ الثوّار سيتّهمون المصارف بالتهرّب من الدفع للمودعين.

حالة تخفيض الأجر الوحيدة التي تتكلّم عنها نقابات الموظّفين واتّحادها، هي تلك التي حصلت في المصارف التي أعادت دوام موظّفيها من الخامسة إلى الثانية بعد الظهر. وقد تذرّعت المصارف بأنها بذلك تعيد الراتب إلى أصله، كون العقد الجماعيّ ينصّ على أنّ دوام الموظّف يبدأ من الساعة الثامنة صباحاً حتّى الثانية بعد الظهر، ما عدا نهار السبت حيث حدّد الدوام من الساعة الثامنة صباحاً إلى الساعة الواحدة ظهراً.

إزاء هذا التدبير، لم يتّخذ اتّحاد نقابات موظّفي المصارف أي موقف، بحيث اعتبر رئيس الاتّحاد أنّ اعتماد الدوام حتى الساعة الخامسة تمّ بموجب عقد استخدام وبخلاف نص العقد الجماعيّ وبالتالي ليس الأجر الإضافيّ حقّاً مكتسباً، ولا يملك صفة الشموليّة لباقي الموظّفين. لذلك يترك الحاج بضعة خيارات للموظّف الذي خُفضت ساعات عمله وبالتالي أجره: إمّا أن يقدّم استقالته، أو يقدّم شكوى ضدّ المصرف، أو يرضى بواقعه الجديد بسبب صعوبة إيجاد عمل بديل. ويستنكر الحاج كيف أصبحت هذه المسألة قضيّة وطنيّة وصوّرت القطاع المصرفيّ وكأنه يطرد الموظّفين.

وبالعودة إلى عقد العمل الجماعيّ، نلحظ أنّ المادّة 25-2 تسمح للمصارف بزيادة ساعات عمل الموظّفين سبع ساعات أسبوعيّاً من دون تعويض. أمّا المادّة 25-3 فتسمح بتغيير دوام العمل باتّفاق الفريقين (الموظّف والمصرف). ولكن في حال التوقيع على عقد جديد، فإنّ ذلك لا يعطي الموظّف حقوقاً مكتسبة ولا يعدّ العقد امتداداً للعقد الأوّل (الجماعيّ)، وتبقى للعقد الجماعيّ قوّة أكبر من العقود الفرديّة.

 

الصرف الجماعيّ للموظّفين: الاعتماد المصرفي والبنك اللبنانيّ للتجارة

عند سؤاله عن حالات الصرف الجماعي، تحدّث الحاج عن حالتيْ صرفٍ جماعيّ حصلتا حتّى الآن منذ تفاقم الأزمة الاقتصاديّة. في نهاية عام 2019، صُرف حوالي 150 موظّفاً من الاعتماد المصرفي Credit Bank والبنك اللبنانيّ للتجارة BLC. وقد عمل الاتّحاد على معالجة أوضاعهم بالتفاوض مع المصرفَين لتأمين تعويضات تكون أعلى من التعويضات التي عرضاها. من جهته، يوضح خوري أنّ التعويضات التي حصل عليها الموظّفون الذين تم صرفهم لا ترضي مجلس النقابة، ولكنّها تبقى أفضل من التعويضات التي قد يحصل عليها الموظّف تبعاً للمادّة 50 من قانون العمل اللبنانيّ، والتي يعتبرها خوري جدّ متدنّية. هذه ليست المرّة الأولى التي يحصل فيها صرف جماعيّ لموظّفي مصارف في لبنان، فقد حصلت حالات دمج لمصارف عديدة نتج عنها الاستغناء عن خدمات عدد من الموظّفين، ولكن الاتّحاد قام باتّفاق مع تلك المصارف لمنح تعويضات منصفة.

ويتوقّع الحاج أن يكون "الحبل عالجرّار" بالنسبة لحالات الصرف الجماعيّ، وذلك بسبب تراجع الوضعين الاقتصاديّ والماليّ، وهو يعد بتحرّك قاسٍ ضدّ المصارف في حال سعى أي منها إلى صرف موظّفيه من دون تعويضات. ويوضح الحاج لـ"المفكرة" أنّ الاتّحاد متمسّك بالفقرة "واو" من المادّة 50 من قانون العمل اللبنانيّ (وهي المادّة التي تحدد شروط الصرف لأسباب اقتصادية) بحيث يتعيّن على المؤسّسة المصرفية إبلاغ الوزارة بالأسباب الموجبة للصرف ومناقشتها حول تعويضات الموظّفين. وهو يعتبر أنه من غير العادل أن تتذرع المصارف بالأسباب الاقتصادية أو بالتراجع الحاصل حالياً في أعمالها، فيما أنّها حققت أرباحاً طائلة طوال سنوات مديدة بفضل موظفيها. وإذ يبقى الاتّحاد حذراً حيال قدرته على تقويض أي مساع مماثلة، يتمسّك بإصراره على المطالبة بتعويضات تتناسب مع الظروف الاجتماعيّة التي تعيشها العائلات اللبنانيّة.

 

جمعيّة المصارف واتّحاد موظّفيها: العلاقة الملتبسة

يؤكّد الحاج أنّ العلاقة مع جمعيّة المصارف تقوم على التنسيق لا على التواطؤ كما استشفّ البعض من إعلان الاتحاد الإضراب بعد أن اعتبروه خدمةً للمصارف وليس موظفيها.  ويشدد على أنّ التواطؤ يكون عادة لإجراء عمل مشبوه. أمّا تعامل الاتّحاد مع الجمعية، فهو يتلاءم تماماً مع قيمه. ويعزو الحاج بروز هذا التعاون مؤخراً  إلى ما وصفها "استباحة" فروع المصارف من قبل "أشخاص يدّعون أنّهم ثوّار"، وتكسير فرع مصرف في حلبا، وإحراق مصرف آخر في منطقة المتن. فـ"كلّ هذا فرض على الاتّحاد التواصل مع الجمعيّة ومع القوى الأمنيّة لحماية الفروع". ورغم تعاون وزارة الداخليّة بوضع عنصرَي درك على مدخل كلّ مصرف ووجود خطّ ساخن مع الجيش اللبنانيّ، إلا أنّ الإخلال بالأمن استمرّ بحسب الحاج بفعل "عدم لجوء مدراء الفروع إلى الطريقة القانونيّة المناسبة، أي عدم تقديم شكوى رسميّة بحقّ كلّ من يعتدي على المصرف". وكرئيس اتّحاد، يرى الحاج نفسه مسؤولاً عن حماية الموظّفين، ولكن لا يهمّه إن قام الثوّار بما يحلو لهم في الليل، طالما أنّ الموظّفين لن يتضرّروا.

نتيجة هذا التنسيق بين الجمعيّة والاتّحاد، أعلن الاتحاد إضراب الأيّام السبعة لموظّفي المصارف، والذي شكّل "التقاء مصالح" بين الاتحاد الذي يريد حماية موظفيه والجمعية التي كانت تريد حماية المصارف إزاء استنزاف السحوبات الكثيرة حسب تعبير الحاج. وفي هذا الإطار، أعرب هذا الأخير عن مخاوفه من أن يدخل أحد الأشخاص إلى فرع لمصرف ويقتل الموظّفين، خاصّة بعد تفاقم الفوضى في المصارف، وبعد تعرّض الموظّفين لاعتداءين، وتعرّض مدير فرع للضرب (كُسرَ أنفه) إضافة إلى كيل الشتائم على الموظفين. ويشدّد الحاج على أنّ الاتحاد هو الذي قرّر الإضراب، وإن أقرّ أن جمعيّة المصارف لم تعارضه. وعن إمكانية العودة إلى الإضراب، فيربطها الحاج بالظروف، خاصّة تلك التي قد يتعرّض لها الموظّفون. ولكنّ قرار المصارف بتسكير كلّ مصرف يتعرّض لهجوم جعل الناس يفكّرون في الأمر، وربّما يخفّفون من "الهمروجة" (كما أسماها الحاج وخوري)، التي يقومون بها على أبواب المصارف.

وإذ يسلّم الحاج بأنّ من شأن تدابير المصارف القاسية أن تثير ردود أفعال لدى المودعين، ولكن يستنكر أن يتعرّض هؤلاء للموظّفين: "في حال لم يأخذ المودع حقّه، هل يصبّ غضبه على الموظّف؟". ويسجل الحاج أنه نتيجة للأحداث التي تحصل في المصارف، منحت بعض المصارف "إكراميّات" للموظّفين الذين يعملون مباشرة مع المودعين أو لمدراء الفروع. ويتحدّث بعض النقباء عن فيديوهات انتشرت تظهر تعرّض الموظّفين للاعتداء اللفظيّ وكيل الشتائم، في حين تؤكّد جميع المجموعات التي شاركت بالتحرّكات داخل المصارف على التعامل الجيّد مع الموظّفين، مظهرين ذلك عبر فيديوهات منشورة أيضاً.

 

نقابات موظّفي المصارف ضحيّة العمل النقابيّ الرديء

يتألّف مجلس الإدارة في الاتّحاد من 9 ممثلين عن نقابة موظفي المصارف في لبنان أي بيروت وجبل لبنان من ضمنه كسروان وجبيل وممثّل واحد عن كلّ نقابة من النقابات الثلاث الأخرى أي الشمال ومن ضمنه عكار، والجنوب ومن ضمنه النبطية، والبقاع ومن ضمنه بعلبك والهرمل. ورغم تسليم الحاج بانتمائهم لأحزاب وطوائف مختلفة، إلّا أنّ هذا الأمر لا يتيح أيّ تدخّل في قرارات الاتّحاد، وذلك بفعل قدرته على إدارة الاجتماعات "بشكل يرضي الجميع" (التعبير للحاج). ويوضح بأنّ القرارات تصدر من قيادة الاتّحاد وتلتزم بها جميع النقابات.  

ينتقد الحاج الحركة النقابيّة في لبنان، معتبراً أنّ القيادات النقابيّة لا تقوم بأي جهد لتجديد مقاربتها بما يعيد الاعتبار للعمل النقابيّ لذلك يرى ضرورة تغيير قيادات النقابات كلها، بدءاً منه. ويضع المسؤولية بشكل خاص على الاتّحاد العمالي العامّ. كما يعزو الحاج انكفاء غالبية موظّفي المصارف الكبرى عن الانتساب إلى نقاباتهم (رغم أنّ رسم الانتساب هو 20 ألف ليرة فقط) إلى "التربية الاجتماعيّة الناقصة التي تبقي معرفة المواطن بما قد تقدمه النقابات محدودة". وإذ يؤكد الحاج أن الاتّحاد يقدّم المساعدة لجميع موظّفي المصارف الذين يطلبونها، حتّى وإن كانوا غير منتبسين إلى أيّ من النقابات الأربع، فإنه يعود ليلوم الموظف الذي يحاول أن يستفيد من خدمات النقابة من دون الانتساب إليها.

 

مصارف تمنع موظّفيها من الانتساب إلى النقابات

حين سألناه عن حقيقة أنّ بعض المصارف تحظّر على موظفيها الانتساب إلى أي نقابة، سارع الحاج إلى نفي ذلك مشيراً إلى حالة واحدة حصلت سابقاً مع "بنك بيبلوس"، وتمّت معالجتها بعدما لفت الاتحاد انتباه المصرف إلى أنّ حريّة المواطن بالانتساب إلى جمعيّات ونقابات مكفولة في الدستور.

أمّا نقابات البقاع والجنوب ولبنان فقد أكد ممثلون عنها لـ"المفكرة" وجود مصارف تمنع موظّفيها، عبر تعاميم شفهيّة بمعظمها، من الانتساب إلى النقابات. وقد أجمع هؤلاء على تسمية "بنك لبنان والمهجر" و"بنك بيبلوس" كمصرفَين متمسّكين بهذا الحظر بينما يقول أسد خوري إنّ "عودة" و"بيبلوس" و"لبنان والمهجر" و"البنك العربي" لم تمنع موظّفيها بشكل رسميّ، بل طلبت ذلك منهم شفهيّاً، وبالتالي لا ينتسب الموظّفون إلى النقابة خوفاً من ردّة فعل إدارة مصرفهم. وهنا، بحسب خوري، تصبح النقابة وحيدة في المواجهة من دون الموظّفين الذين عليهم "أن يشدّوا حالن شوي" في مواجهة إداراتهم. وتشير النقيبة السابقة في الشمال مها المقدّم إلى أنّها كانت تعمل في "البنك العربيّ" أثناء رئاستها النقابة وبالتالي تنفي منع الأخير موظّفيه من الانتساب إلى النقابة. ولكنّ نقيباً آخر يقول إنّ "العربيّ" هو ضمن تلك المصارف التي تحذّر من الانتساب إلى النقابات، وإنّ انتساب النقيبة السابقة هو حالة فرديّة فقط. للتأكّد من صحّة المعلومات حول المصارف المذكورة، تواصلنا معها فأُفِدنا بأنّ الجواب الرسميّ يتطلّب إجراءات طويلة ومعقّدة، ومع هذا نفى بعض الموظفين، بطريقة غير رسميّة، ما نسب إلى مصارفهم. وتبقى صحّة المعلومات هذه ضائعة بين المصارف والنقابات والموظفين.

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 64 | نيسان 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

قبح النظام في مرآة المصارف

 


[1] يضم إتحاد نقابات موظفي المصارف في لبنان أربع نقابات: نقابة موظفي المصارف في لبنان والتي تشمل بيروت وجبل لبنان، ونقابة موظفي المصارف في الجنوب، ونقابة موظفي المصارف في الشمال ونقابة موظفي المصارف في البقاع.