لم يعد لدى نواف الموسوي، النائب الذي استقال ليكون حراً في "حماية" ابنته، أي حرج في قول ما يريد، وإن بقي هذا التحرر حذراً. يمكن لمحدث النائب السابق الذي يستمر في استقبال ضيوفه في مكتبه الكائن في الطابق الثالث من مبنى مكاتب كتلة نواب الوفاء للمقاومة في حارة حريك، أن يلحظ سعيه إلى تدوير الزوايا في بعض المحطات تفادياً لمزيد من التغريد خارج السرب. أو ربما، في النهاية، هي حدود الإنفتاح الذي ميّز الموسوي في أدائه التشريعي مقارنة مع "حزب الله" الذي ينتمي إليه من جهة، وكونه، من جهة ثانية، النائب المسلم الوحيد الذي وقّع على اقتراح تعديل قانون حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الذي قدمته منظمة "كفى" في 26/10/2018 إلى المجلس النيابي مذيّلاً بتوقيع عشرة نواب.

ولكنّ هذه الحرية تظلّل حديثه لدى مراجعته في بعض المقترحات القانونية التي قاربها بحكم موقعه كعضو في لجنة الإدارة والعدل، ومن ثم كمقرر لها في إثر تشكيل اللجان بعد انتخابات 2018.

 

لا تغيير جدي من دون تغيير مجتمعي حقيقي

يستند الرجل إلى عشر سنوات من العمل النيابي (2009-2019)، ومن الإحتكاك مع القوى السياسية التي كررت نفسها في تمثيل الشعب، ليعرب عن تشاؤمه في إحداث اختراق أو تغيير إيجابي وجدّي خلال تشريع القوانين الخاصة بالعائلة عامّة وبالنساء خاصّة، ومن ضمنها حمايتهنّ. لا بل يذهب أبعد من التشاؤم إلى رسم حدود ما يحصل: "لا أحد يريد التغيير، طبخة بحص، لأن هناك تبادلاً للمنافع بين الطرفين، بين القوى السياسية والمراجع الدينية للطوائف"، يقول حين تسأله عن تموضع القوى السياسية وممثليها في العمل التشريعي الخاص بقوانين العائلة والنساء. ثم يعود ليعرب عن قناعته بأنه إذا لم يكن هناك تغيير مجتمعي حقيقي، فكل التعديلات ستبقى أفقية - شكلية، ولن تجد أثراً في التنفيذ لأن البنى التحتية ستبقى كما هي".

ويعطي مثالاً قضية مقتل منال العاصي، إحدى أشهر جرائم العنف الأسري الزوجي، على يد زوجها محمد النحيلي الذي حوّله البعض إلى "بطل، فقط لأنه كان يشكّ بها".

ولكنّ الموسوي، وفي معرض ردّه عن موقف حزب الله من هذا التغيير، كونه إحدى القوى السياسية في البرلمان، يعتبر أن "هواجس الحزب في مكان آخر وهي تتعلق بأمن واستقرار البلاد والمنطقة، يعني في مكان آخر مختلف". كلامه هذا لا يمنعه من الموافقة حين يقال له "لكن حزب الله معني بالتشريع لهذه الفئة من المواطنين الذين يمثلهم ويؤيدونه ولديهم مشاكل كثيرة عالقة في هذه القوانين، قوانين العائلة وحماية النساء والحضانة وغيرها".  

هنا، لا يخفي الرجل تأثير تجربة ابنته وما تعرّضت له أثناء زواجها وخلال لجوئها إلى خلع زوجها السابق، على توجّهه إلى نصرة المرأة "إلى الآخر". تأكّد الرجل وعلى مدار سنة و4 أشهر من معاناة ابنته "أن المرأة ليست محمية في لبنان، ومن يقول غير ذلك فليرحل من هذا البلد".

هل المطلوب إذاً أن يعيش كل نائب تجربتك نفسها مع ابنتك لكي يتحوّل إلى مناصر للمرأة؟ نسأل الموسوي.

يبتسم الرجل ابتسامة العارف، ليجيب: "هناك العديد من التجارب الشخصية مع نواب وغيرهم ولكن لم يعبّر عنها أحد، وهناك شخصية معروفة أثنت على ردّ فعلي بعدما مرت بتجربة مماثلة لتجربة إبنتي، حيث عانى هذا الشخص من مشكلة كبيرة حصلت مع ابنته ولكن رد فعله لم يأت كرد فعلي، وقال بأن نواف الموسوي فعل ما أراد، وما دار في رأسه، وما فرق معه أحد، وأثبت أن إبنته تساوي العالم، مهما كلّف الأمر".

يبدو أن اليأس من التغيير كان بين الأسباب التي لم تجعله يتردد في الإستقالة. "ألم يكن من الأجدى أن تبقى في مجلس النواب لتساهم في إحداث التغيير من الداخل، عبر ممارسة دورك التشريعي وترجمة انحيازك للمرأة وإيمانك بمظلوميّتها؟"

ترتسم على وجه الموسوي ابتسامة ساخرة ليجيب: "أنا لا أرى مستقبلاً لاقتراح تعديل قانون حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري، وأرى أنه يتجه نحو الدفن". ويبرر: "في مكان ما، هناك تجاذب بين أطراف دينية متشددة ترفض هذا التعديل وترفض بعض الأحكام المقترحة، علماً أنّ الأحكام التي ستتطور هي وفقاً للأحكام الشرعية، ولكن سنطوّرها نحو الأفضل، ولكن المتشددين متمسّكون بآرائهم ويفرضون سلطتهم على بعض الأفرقاء السياسيين".

 

التغيير من داخل الطوائف؟

هذا الموقف من المتشددين الدينين لا ينسحب، لدى الموسوي، على مرجعيته الدينية معتبراً أن "المكان الوحيد الذي يمكننا الإتكال عليه من أجل التغيير في الطائفة الشيعية، هو المرجعيات الدينية الموجودة في قم، السيد القائد الإمام الخامنئي، الذي يمتلك أفكاراً متقدمة جداً في هذا الصدد، وكذلك المرجع السيستاني في النجف". ويشير إلى أنّ "القانونين العراقي والإيراني يتمتعان بمساحات واسعة شيعية للتغيير يمكن الإفادة منها". ذهاب الموسوي إلى المرجعيات الشيعية في الخارج يستدرج سؤالاً حول عمل مجلس نواب لبنان، وهل على هذا الأخير أن يعود إلى مرجعية كل طائفة ولو خارج لبنان، كلما كان بصدد تشريع يرتبط بدرجة أو بأخرى بالأحوال الشخصية لهذه الطائفة؟، كأن يذهب الشيعة إلى إيران والسّنة إلى السعودية والمسيحيون إلى الفاتيكان؟

 يقول الموسوي أنّ السّنة تمكّنوا من تعديل سن الحضانة بعد سنوات من العمل بالتعاون مع دار الفتوى عبر "منح الأم الحق في الحضانة لعمر 12 سنة للبنت والصبي، فيما يذهب الأرثوذكس، وفق معلوماتي نحو 15 سنة للأنثى و14 سنة للذكر، أما الكاثوليك فهم الأقرب إلى الشيعة، وهذه كلها تغييرات حصلت من داخل الطوائف". أما عند الشيعة "فهذا الأمر لم يتم بعد، وأنا أتأمّل بأن يتمّ، مثلاً قال لي أحد رجال الدين، وهو متبحّر في العلم، بأنه يمكنه أن يضع عقد زواج لا يؤذي المرأة على الإطلاق، يشبه عقد الزواج الإيراني، طبعاً هو عقد ديني، حيث أن ديننا يجيز للمرأة أن تشترط في العقد، ولكن تبقى مشكلة الطلاق الخلعي وهو جد صعب عند الشيعة، والأمر أبسط عند الطائفة السّنية".

ويرغب الموسوي أن يذكّر بـ"مقولة مهمة" لدى الشيعة تقول "أن المرأة تُزوّج عندما تصبح راشدة، على أن يعود تقييم هذا الرشد من عدمه للقاضي منظّم العقد، إلاّ أن العلّة في التطبيق إذ في معظم الأحيان تكون استنسابية". يستشهد بهذا الإجتهاد ليشير إلى أنه لا يمكن تزويج قاصر لدى الشيعة في حال تطبيق هذه القاعدة "الرشد الفكري والجسدي والعقلي والعاطفي هو المعيار". ثم يستدرك "طبعاً لا يجب أن يكون الرشد مرتبطاً بدفع 500 دولار لمُجري عقد من هنا أو حتى مئة دولار، بل بمعايير يضعها العلماء وأهل الفقه".

نقول للموسوي أنه بذلك يحصر إمكانية تطوير القانون برؤى مرجعيات الطوائف، بينما كان هو النائب المسلم الذي وقّع على مسودّة تعديل قانون حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري، وهي مسودّة أعدتها منظمة مدنية علمانية هي "كفى"؟

هنا يجيبنا أنه وقّع على اقتراح تعديل قانون حماية النساء وسائر أفراد الأسرة "كبادرة حسن نية لإطلاق النقاش العلمي. وتوقيعي لا يعني موافقتي على كل النقاط، بل كنت أؤكد موافقتي على النقاش وإطلاقه، حيث أن مهمة النقاش وأهميته داخل اللجان هي إمكانية تغيير رأي الآخرين".

ويعود الموسوي هنا إلى "الأساس"، كما يسمّيها: "المادة 9 من الدستور التي تضعنا أمام واقع يلزمنا بحق الطوائف في إعطاء الحلول في ما يتعلق بالأحوال الشخصية". من هذا الواقع يرى أن "معركة تعديل الدستور هي معركة صعبة، ولا أريد أن أخوضها". لذا، "دعونا نقول للمرجعيات المعنيّة بأننا بحاجة إلى التطوير، وأنا أنطلق بما يوصيني به القرآن من نصرة المستضعفين، وأكبر كائن مستضعف هو المرأة".

وعليه، بدأ الموسوي "في هذا السبيل مع العلماء المتقدمين في علمهم، مع من كان تلميذاً لآية لله الشهيد محمود هاشم الشهرودي الذي كان رئيس السلطة القضائية في إيران ومن طلابه النجباء، وطلبت أن نفكر بطريقة جديدة فقهية. ونحن نمتلك برأيي المؤهلات الكافية لذلك، القرآن يقول أن الزواج قائم على المودّة والرحمة فكيف يمكنني أن أجيز العنف بعد ذلك؟ وأنا أعلم بأن هناك قوانين في إيران لها علاقة بحماية الأسرة. ولذا فإن الجبهة الأولى هي جبهة المرجعيات الدينية الإسلامية لتطوير القوانين التي تحمي المرأة والزوجة والأم المطلّقة، لأن القيم الدينية تدعو إلى مكارم الأخلاق، دعونا نمشي في هذا الإتجاه".

وعلى هامش النقاشات في اللجان النيابية حول قوانين العائلة والنساء، يقول "أن هناك من يحوّل الموضوع إلى مشكل بين الدين والعلمانية، أو بين القانون المدني والأحوال الشخصية للأديان. ولكن هذه ليست قضيتي، فالقضية هي حماية المرأة، وكيف يمكننا أن نحقق ذلك، وأنا أجندتي واضحة لا لبس فيها، وأنا استشهدت بموقف الرسول من اتفاق الفضول الذي عقده أربعة أشخاص يدعى كل منهم "فضل" (ولذا سمّي اتفاق الفضول) لحماية الحجّاج والتجار، وكان اتفاقاً مدنياً وقد باركه النبي محمد وأثنى عليه. وبالتالي المشكلة ليست في القانون المدني المصدر". ولكن، وفق ما يرى، "يجب عدم تحميل المرأة السعي نحو العلمانية مثلاً، لأن من شأن ذلك أن يعيق النقاش والتقدّم باتجاه حمايتها". ومع ذلك يقول أن "بعض المذاهب الإسلامية هي أديان علمانية ولكن هذا الأمر يحتاج إلى نقاش طويل".

لدى نواف الموسوي اليوم بعض الإنطباعات عن كيفية الوصول إلى تشريع سليم: "يجب أن نحدد القضية، وماذا نريد، ونحن من منابت مختلفة، ولكن لدينا الغاية نفسها، ونجتمع على راية موحّدة وهي حماية المرأة وحماية الطفل". وهنا يرى الموسوي أنّ الواقعية هي المفتاح لإنجاز العديد من الأمور. "وقد تمكنّا من إنجاز أمور كثيرة عبر الواقعية، ومنها تعديلات المادة 522 التي حصل حولها نقاش وكان أحد النوّاب يذهب في اتجاه أحادي. ومع ذلك اقترحنا البدء بالتعديل من المادة 503 وصولاً إلى 521، فطارت 522 تلقائياً". هنا لا يخفي الموسوي أنه عاد إلى مرجعيته الدينية وسأل "هل يثاب المغتصب على جرمه أم يعاقب؟ وعندما جاءني الجواب بأنه يعاقب، عدت وقلت لن نسمح للمغتصب أن يتزوّج الضحية".

وفي ختام الحديث في هذا الشأن، يعلن الموسوي خطته المستقبلية: "لقد ذهبت إلى الآخر في قضية الدفاع عن المرأة وعن الطفل، أنا اليوم أسعى إلى تغيير من الداخل. منذ فترة وأنا على تماس مع المرجعيات الدينية من أجل تطوير قوانين الأحوال الشخصية من الداخل ولتطوير الأحوال الشخصية التي ما زالت على حالها منذ عام 1953".

 

إصلاح القضاءين المدني كما الديني

أمر آخر تضيع فيه الفواصل بين الدين والعلمنة لدى الموسوي، وهو القضاء. "يجب أن نعترف أن القوانين المدنية تشهد الكثير من العلل، والقضاء المدني ليس سليماً وليس أفضل بكثير من القضاء الديني، وتجري ممارسة الضغوط عليه". وهو يخلص إلى تأكيد الثوابت التي ينطلق منها "نحن بحاجة إلى إصلاح القضاءين: الديني، والمدني، هناك صلاحيات واسعة معطاة للقضاة الشرعيين. هذا الأمر غير ملائم برأيي لأنه أصبح ساحة للفساد. هذا الإصلاح يجب أن يبدأ من التعيين وآلياته إلى التفتيش القضائي حيث نسمع أن التفتيش القضائي يسكت عن ملفات ويفتح أخرى بناء على استنسابية وتدخلات سياسية".

مع إصلاح القضاءين، لا ينسى الموسوي وجوب إصلاح الأجهزة الأمنية، "وهذا جداً مهم، لأن ما يحصل في بعض المخافر غير مقبول أبداً وهناك انحياز جنساني للرجل".

 

الختام

يرغب الموسوي أن يختم بالتعبير عن ارتياحه اليوم "أنا منسجم ومرتاح مع نفسي، فالنيابة التي يمكن أن تكون منصّة هي أيضاً مُقيّدة في الوقت نفسه".

"أحلم أحلاماً مريحة، كنت نام وأحلامي سيئة".

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 63 |  آذار 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

أربع جبهات للنساء ضدّ التمييز والعنف