“Ubi emolentum, ibi onus”، "حيث هو الربح، يتوجّب أن يكون العبء"[1]. هذه المقولة القانونية تعني بكلّ بساطة أنّ من يجني الأرباح نتيجة نشاطه، من المنصف والعادل أن يتحمّل في المقابل الأعباء الناتجة عن الأضرار التي يتسبّب بها هذا النشاط.[2] إلّا أنّه بالعودة إلى المسودّات المتعاقبة لمشروع "تنظيم وضع ضوابط استثنائية مؤقتة على بعض العمليات والخدمات المصرفية"، يبدو أنّ هذه المقولة القانونية قد غابت عمّن وضعوها.

فمن قراءة مشروع القانون، يبدو من الواضح أنّ المودعين فقط هم من يتحمّل الخسائر التي نعاني منها اليوم، دون الذين جنوا الأرباح من جرّاء الممارسات التي اعتمدوها على مدى سنوات. ويتبيّن أنّ مشروع القانون هذا يأتي ليس لحماية حقوق المودعين، بل لإعطاء "غطاء قانوني" للممارسات التي دأبت عليها المصارف بصورة تعسّفية، وذلك منذ انطلاق الانتفاضة الراهنة بتاريخ 17 تشرين الأول 2019، تماماً كما طالبت جمعية المصارف من أجل وضع حدّ للدعاوى التي تقام في وجهها[3].

وفي حين أنّ الحكومة كانت قد تعهّدت بموجب بيانها الوزاري أن تحمي ""أموال المودعين، لا سيّما صغارهم" وعلى "تعزيز رسملة المصارف بواسطة ضخ سيولة نقدية، استعمال المصارف لاحتياطاتها، معالجة تعثّر القروض، إعادة هيكلة القطاع المصرفي وبيع المصارف استثماراتها في الخارج"[4]، اقتصر المشروع على قوننة ما كان قد تمّ الاتفاق عليه خلال الاجتماع بين مصرف لبنان والمصارف اللبنانية كما يتبيّن من التعميم رقم 027/2020 الصادر عن جمعية المصارف بتاريخ 30 كانون الثاني 2020، بدون أن تدعى الجهات المعنيّة من ممثلي المودعين كجمعية المستهلك، وبدون الأخذ بعين الاعتبار المواقف الصادرة عن الفئات المشاركة في الانتفاضة.

إزاء هذه المبادرات، لا بدّ إذاً من التنبيه من أن يتحوّل القانون إلى أداة تهدف إلى تكريس هيمنة المصارف بدون التوقّف عند مبدأي الإنصاف والتضامن وعلاقة القانون والعمل التشريعي بهما، وكأنّ القانون هو هنا لخدمة مصلحة المصارف دون غيرها، وأنّه على المعنيين مباشرة بالإجراءات المذكورة أي المودعين والصناعيين والتجّار الخضوع مرّة أخرى لممارسات من له يد طولى في الأزمة الحالية.

والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم من دون أن يلاقي أي جواب من قبل المسؤولين: إذا كانت المصارف قد حقّقت أرباحاً من جرّاء الإيداعات بالعملات الأجنبية والوطنية وسياسة تمويل الدين العام ومن ضمنه الهدر والفساد، فلماذا لا تتحمّل اليوم، ولو جزئياً، نسبة من الخسائر التي نعاني منها؟

من الواضح أنّ المشروع المطروح حالياً يقتصر على تأمين "التغطية القانونية" للمصارف عبر تحميل المودعين الخسائر الحالية وعلى تكريس تعدّيات المصارف على حقوق المودعين ليتبيّن، أنّنا بالفعل، أصبحنا تحت "حكم المصرف" الذي يولي على الحكومة والمشرّع الإجراءات المتوجّب اتخاذها(1) بدلاً" من تحميل المصارف الأعباء الناتجة عن الأرباح التي جنتها والمخاطر التي أنشأتها (2). 

في إقدام المصارف على نقل أعباء تدنّي قيمة الليرة اللبنانية إلى المودعين

منذ 18 تشرين الأول 2019، أغلقت المصارف اللبنانية أبوابها أمام المودعين. وعلّلت جمعية المصارف الإغلاق في بياناتها المتراكمة بـ"استمرار الأوضاع المضطربة في البلاد"[5]. تساءلنا في حينها عن علاقة التظاهرات بإقفال المصارف، حيث أنّ الإحتجاجات استهدفت في أول أيام الثورة فساد السلطة السياسية فيما بقيت الهتافات ضد المصارف محدودة. ولم تمرّ أيام حتى أدرك عامّة الناس أنّ السبب الحقيقي هو تورّط المصارف في الأزمة الاقتصادية الراهنة وأنّ إغلاق أبوابها لم يكن سوى لكسب الوقت من أجل تنظيم عملية الاستيلاء على أموال المودعين بصورة ممنهجة.

وبالفعل، بين إقفال المصارف أبوابها وإعادة فتحها أمام المودعين، تدنّت تدريجياً قيمة العملة الوطنية وارتفع سعر صرف الدولار في حين حدّت المصارف السحوبات بكافة العملات، ونجحت، بتعاون مصرف لبنان، في الاستمرار في ممارسة قصّ الودائع بصورة مقنّعة، وذلك من خلال سياسة سعر الصرف المزدوج التي افتتحها مصرف لبنان بالتعاون مع المصارف ما قبل الانتفاضة[6].

فمن جهة، أقدمت المصارف على استنزاف السوق اللبنانية عبر شراء الدولار الأميركي لصالح بعض المودعين الكبار وتأمين تحويلات إلى الخارج وإقفال حسابات، حيث يتبيّن من التمعّن في الإحصاءات الصادرة عن مصرف لبنان، "أنّ رصيد "ودائع الزبائن" في عام 2019 انخفض من 170.3 مليار دولار إلى 154.6 مليار دولار، أي أنّ صافي الودائع التي خرجت من المصارف في هذا العام هو بقيمة 15.6 مليار دولار. 15.3 مليار دولار خرجت من الحسابات التي تفوق المليون دولار. في حين أنّ 355 مليون دولار فقط خرجت من الحسابات دون المليون دولار (...) و98% من الودائع المسحوبة تخصّ 1% من المودعين فقط لا غير"[7]. ومنذ 17 تشرين الأول 2019 أي منذ انطلاق الانتفاضة ولغاية 14 كانون الثاني 2020، قامت المصارف اللبنانية بتحويل /2،276/ مليون دولار أميركي إلى مصارف في سويسرا[8]. هذا فضلاً عن باقي التحويلات لمصارف في بلاد لم يتمّ تحديدها بعد.

ومن جهة أخرى، تحجّجت المصارف أمام باقي المودعين بعدم وجود السيولة الكافية لتأمين التسديد بالدولار الأميركي، فأقدمت على الحدّ من السحوبات بالدولار الأميركي فيما يتعلّق بأكثرية المودعين لإلزامهم بسحب ودائع الدولار الأميركي بالليرة اللبنانية على أساس سعر صرف قرره المصرف المركزي، وهو أقل بكثير من سعر السوق، محمّلة إياهم الخسائر الناتجة عن تدنّي العملة الوطنيّة وعبء التضخم. ولم تسمح المصارف للمودعين حتى، بسحب إيداعاتهم بالليرة اللبنانية بحرّية لكي لا يتسنّى لهم مواجهة خطر تدنّي العملة عبر تحويل أموالهم إلى الدولار الأميركي خارج القطاع المصرفي قبل انهيار الليرة اللبنانية.

وبعد التمعّن في سعر الصّرف المعتمد من قبل المصارف في التعامل مع المودعين، يتبيّن أنّ لا وجود لأيّ سند قانوني يبرّره. فالسّعر المعتمد من مصرف لبنان ليس سعراً قانونياً بالمفهوم الذي عرّفته هيئة التشريع والاستشارات في الاستشارة رقم 881/1985 تاريخ 9/10/1985 على أنّه "السّعر الذي يحدده القانون في معادلة الليرة اللبنانية بالنسبة للذهب أو للدولار وسائر العملات الأجنبية".

بالفعل، نصّت المادة الثانية من قانون النقد والتسليف على أنّه "يحدد القانون قيمة الليرة اللبنانية بالذهب الخالص". كما واعتمدت المادة /229/ من قانون النقد والتسليف إجراءات انتقالية يتّخذها وزير المال لحين تحديد السعر القانوني من قبل المشرّع حيث نصّت على "سعر انتقالي قانوني لليرة اللبنانية" يعتمد بالنسبة لـ"أقرب ما يكون من سعر السوق الحرة".

في ظروف مشابهة، صدر عن وزير المالية القرار رقم 4800/1 سنة 1964 الذي حدّد سعراً انتقالياً لليرة اللبنانية نسبة للدولار الأميركي، إلّا أنه ومع إلغاء مبدأ السعر الثابت للدولار الأميركي بالنسبة للذهب سنة 1973 ووضع حد لاتفاقيات بريتون وودز، صدر المرسوم رقم 6105/1973 الذي  نصّت مادته الأولى على أنّه "ريثما يصبح بالإمكان تطبيق أحكام المادة الثانية من قانون النقد والتسليف، تعطى الحكومة لمدة ستة أشهر من تاريخ نشر هذا القانون، صلاحية تحديد "سعر انتقالي قانوني" جديد لليرة اللبنانية بعد استشارة مصرف لبنان وصندوق النقد الدولي".

ولغاية اليوم، لم تعتمد الحكومة أيّ "سعر انتقالي قانوني"، فأصبح سعر الليرة يحدّد من قبل السوق والعرض والطلب[9] حيث اقتصرت القرارات الوزارية على تحديد السعر المعتمد  من قبل مصرف لبنان من أجل احتساب الضرائب والرسوم فقط[10].

انطلاقاً ممّا سبق، ثبت اجتهاد المحاكم اللبنانية على اعتماد سعر السوق من أجل تحديد قيمة الليرة اللبنانية بالنسبة للعملات الأجنبية[11].

يكون إذاً من الثابت أنّ ما تقوم به المصارف من اعتماد سعر 1507.5 الذي ينشره مصرف لبنان يومياً على موقعه الإلكتروني من شأنه أن يؤدّي إلى نقل أعباء تدنّي قيمة الليرة اللبنانية من المصارف إلى المودعين وذلك بصورة غير مشروعة حيث أن قصّ الودائع بصورة مقنّعة يتمّ على الوجه المذكور لمصلحة المصارف ويهدف بكلّ بساطة إلى تمكينها من التنصّل من الأعباء التي يتوجّب عليها تحملّها لتضعها على عاتق المودعين. وما يؤكّد على أنّ سعر 1507.5 ليس بسعر قانوني، هي التعاميم الصادرة عن مصرف لبنان التي تشير إلى "السعر المعتمد من قبل مصرف لبنان"[12] وليس إلى أيّ "سعر قانوني" كان.

والأبرز في ممارسات المصارف تلك، هو إقدامها على إقفال حسابات كلّ من يجرؤ على الإعتراض على تلك الممارسات بحجّة إيفاء دينها عبر شيك مسحوب على مصرف لبنان لا يمكن قبضه. وقد تناست المصارف بذلك أنّ القانون والفقه والاجتهاد ثابتون على أنّ الشّيك هو فقط وسيلة للإيفاء وليس إبراءً للذمّة، الأمر الذي لا يتحقق إلّا عند قبض قيمة الشّيك فعلياً، وعلى أنه بأية حال ليس في القانون اللبناني أيّ نصّ يُلزم الدائن بأن يقبل وفاء دينه بالشّيك، وأنه عملاً بالفقرة الأولى من المادة 299 من قانون الموجبات والعقود الخاصة بالفصل المتعلّق بماذا يتم التنفيذ، يتوجّب على المدين "إيفاء الشيء المستحق نفسه"[13].

فضلاً عمّا سبق، وعلى فرض أنّ الدائن قد قبل بتسديد الدّين بموجب شيك، فإنّ الساحّب لا يبرّئ ذمّته إلّا لحين قبض الشيك[14] كما سبق بيانه، الأمر الذي لم ولن يحصل فيما يتعلّق بجميع الشيكات التي تسحبها المصارف. فمصرف لبنان لا يقوم بتسديدها نقداً إلى حاملها، وباقي المصارف ترفض فتح حساب مصرفي جديد بموجبها أو تعمد إلى تجميدها بعد استلامها لفترة طويلة، بخاصة عندما تكون بعملة الدولار الأميركي. وهذا ما نقرأه بوضوح في القرار الصادر عن قاضي الأمور المستعجلة في بيروت بتاريخ 3 كانون الثاني 2020، لجهة "أنّ إعادة فتح حساب مصرفي جديد بموجب الشيك المذكور بات بمطلق الأحوال شبه مستحيل بعدما عمدت غالبية المصارف في الآونة الأخيرة إلى رفض قبول طلبات تعاقد جديدة لا سيما بعملة الدولار".. وإلّا (في حال قبول أيّ مصرف بفتح حساب بالدولار فإنّ ذلك) "يحصل ضمن شروط وقيود جدّ ضيّقة كشرط تجميد الوديعة لفترة ثلاثة أشهر، الأمر الذي من شأنه أن يدخل المدّعي في دوامة لا تنتهي من القيود على حقه بتحريك أمواله والتصرّف بها"[15].

وبانتفاء تسديد قيمة الشّيك المسحوب، يكون الساحب، أيّ المصارف، ملزماً بدفع قيمة الشّيك الذي سحبه وهو ضامن للوفاء في حال لم يدفع المسحوب عليه قيمة الشّيك للمستفيد منه[16]، حيث لا تبرّأ ذمّة الساحب إلّا لحين قبض الشّيك.

وإذا كان المودع لا يستطيع اليوم قبض الشيكّات المسحوبة، ولا تحويل المبالغ المودعة إلى الخارج، ولا قبضها بكاملها نقداً، فهذا يعني بكل بساطة أنّ المصارف متوقّفة عن الدّفع وهي، عندما تسدّد الودائع بالليرة اللبنانية، تقوم بإلقاء عبء تدنّي العملة الوطنية على عاتق المودعين.

أمام هذا الواقع، تطرح الحلول الممكن اعتمادها اليوم مسألةً أساسيةً تتعلّق بالجهة و/أو الجهات التي يتوجّب عليها المشاركة في تحمّل الأعباء الناتجة عن الأزمة الاقتصادية وكيفية توزيع تلك الأعباء. 

 

 

في مسؤولية المصارف ووجوب تحمّلها أعباء الأرباح التي جنتها والمخاطر التي أنشأتها

بمعزل عن وجوب مساءلة المصارف جزائياً ومدنياً نتيجة الأخطاء التي ارتكبتها والتي يمكن أن تندرج ضمن الإثراء غير المشروع أو سواها من المخالفات التي تستدعي تحقيقاً حالة بحالة، تبقى في مطلق الأحوال وأقل تقدير المصارف مسؤولة على أساس المخاطر التي أنشأتها والتي جنت من خلالها الأرباح الطائلة، متسبّبة في الوقت نفسه ولو جزئياً، بالأزمة الاقتصادية الحالية.

بالفعل، برزت "نظرية المخاطر" على إثر تحوّل الاقتصاد من اقتصاد مبني على الزراعة إلى اقتصاد مبني على الصناعة، تسوده مخاطر استعمال الآلات في العمل وتطوّر الصناعة.

ترتكز هذه النظرية التي طوّرتها كلّ من العلامتين Saleilles وJosserand لتوسيع نطاق المسؤولية عن فعل الجوامد وعن فعل الغير على سلطة المسؤول وقدرته على تفادي الأضرار بنتيجة الفعل المسبّب لها وهي نظرية تندرج ضمن إطار مبدأي الإنصاف والتضامن[17].

من شأن تطبيق هذه النظرية على الأزمة الحالية أن يصوّب نظر المشرّع للبحث عن الجهة التي حقّقت أرباحاً عبر اعتماد سياسات أدّت، ولو جزئياً، إلى الأضرار المستجدّة من جرّاء الأزمة الاقتصادية، أي المصارف اللبنانية.

فهذه الجهة، من جرّاء سيطرتها على الاقتصاد اللبناني وعلى إيداعات اللبنانيين لديها، كان بإمكانها تفادي، ولو بصورة جزئية، ما وصلنا إليه اليوم. إلّا أنّها اتخذت قرارات محفوفة بالمخاطر حيث قامت باستثمار هذه الإيداعات في اليوروبوند والهندسات المالية التي قام بها مصرف لبنان، كما قامت بتمويل الدين العام والهدر والفساد من خلال إيداعات اللبنانيين، بهدف واحد، وهو تحقيق الأرباح.

"حملت هذه الفوائد المرتفعة جداً [الفوائد المسدّدة من قبل المصرف المركزي من خلال الهندسات المالية] بطبيعة الحال المصارف المستفيدة إلى توظيف أموالها في المصرف المركزي طمعاً بوفر سريع وفاحش. وعليه، وصل توظيف المصارف بالدولار لدى المصرف المركزي إلى أكثر من 85 مليار دولار مقابل أقل من 10 مليارات دولار في المصارف الخارجية الكبرى. ولو كان نصف أو ثلث هذه النسبة موظفاً لدى المصارف خارج لبنان لما شهدنا الأزمة الحالية في القطاع المصرفي. وعليه، ارتكبت المصارف "جريمة حقيقية" إذ لم تعرف كيف تحمي السيولة المتوفّرة لديها وودائعها"[18].  

فضلاً عما سبق، وبتشجيع من مصرف لبنان، اعتمدت المصارف سياسة الفوائد "الوحشية" للودائع، مما أدّى إلى استقطاب الودائع نحو القطاع المصرفي لإعادة استثمارها في الهندسات المالية لمصرف لبنان وفي تمويل الدين العام، مدمّرة بذلك أية إمكانية للإنتاج المحلّي بالنهوض أو حتى للاستمرار، متعدّية على دورها كقطاع مصرفي.

"وقد أدى انحسار سيولة المصارف بطبيعة الحال إلى تقليص دورها في الإقتصاد اللبناني، فوصلت بحسب الأرقام المنشورة حصّة ميزانيات المصارف الدائنة للمصرف المركزي إلى 55%، بينما انحسرت الحصة المتعلقة بتمويل القطاع الخاص إلى 19%. وقد حملت الفوائد السخية المصارف إلى زيادة الضغط على القطاع الخاص لسداد قيمة القروض التي استفادوا منها، بهدف توظيف هذه الرساميل في المصرف المركزي لقاء الفوائد العالية. فتم على إثر ذلك سحب ما بين 10 إلى 12 مليار دولار من القطاع الخاص خلال سنوات قليلة لإيداعها في المصرف المركزي. فأدّت بنهاية المطاف هذه السياسة لتحقيق أرباح كبيرة وغير اعتيادية للمصارف في ظل غياب أية ضوابط، كما إلى انحسار وظيفة المصارف الأساسية كوسيط في النشاط الإقتصادي عامة، وتحديداً تمويل نشاط القطاع الخاص"[19].

بنتيجة هذه السياسات، حققت المصارف وأصحاب الودائع الكبرى أرباحاً طائلة[20].

في المقابل، تحقّقت هذه الأرباح على حساب المودعين الصغار وعلى حساب القطاع الخاص في لبنان، وأصبح لبنان لا يزرع ولا ينتج بل يستورد كل ما هو ضروري لمعيشة المقيمين ولطبابتهم.

هل كان يمكن للمصارف تفادي هذه النتيجة؟ بالطبع. فقد كان بإمكانها زيادة استثمار الودائع في القطاع الخاص، ولو بفوائد استثمارية أقلّ من تلك التي استحصلت عليها من جرّاء الهندسات المالية وتمويل الدين العام. كما كان بإمكانها على الأقل إيداع "نصف أو ثلث هذه النسبة [الأموال التي وظفتها المصارف لدى المصرف المركزي] لدى المصارف خارج لبنان"[21]. صحيح أنها لو اتخذت هذا القرار، لما كانت حقّقت الأرباح الخيالية الناتجة عن "الفوائد المجنونة"[22] التي استفادت منها، ولكان اقتصر ربحها على فائدة الـ1% للإيداعات لدى المصارف خارج لبنان أو فائدة الـ6% للقروض المدعومة في لبنان مقابل فائدة الـ16% التي استحصلت عليها من جرّاء الهندسات المالية، ولكنّها لكانت قد حافظت على أموال المودعين بدلاً من المخاطر العالية التي اتخذتها. ولذلك، إن الأعباء الناتجة عن قرارات استثمار أموال اللبنانيين لتمويل الدين العام، يتوجّب تحمّلها من قبل من اتخذها، تماماً كما قامت هذه الجهة بالاستفادة من الأرباح الناتجة عنها، بخاصة وأنّ المصارف لم تُعلم حتى المودعين لديها عن كيفية توظيف أموالهم، فكيف بها أن تحمّلهم نتيجة هذه القرارات؟

وهذا ما عبّر عنه بوضوح القرار الصادر عن قاضي الأمور المستعجلة في بيروت بتاريخ 3 كانون الثاني 2020 عبر التذكير بأنّ "المصارف التي تلقّت أموال المودعين اختارت أن توظفها بفوائد مرتفعة جدا مقارنة بالفوائد العالمية مع ما يصاحب ذلك من مخاطر عالية وحصدت ومساهموها أرباحاً خيالية سبق أن نشرتها ولم تظهر هذه الأرباح البتّة لتساهم في علاج الأزمة التي تتذرّع بها المصارف. فمن المعلوم قانوناً أنّ التاجر يربح تارة ويخسر طوراً وأنّ رؤوس أموال الشركات إنما شرعت لضمان حقوق دائنيها وأنّ القانون ألزم الشركات بترك احتياطي إلزامي وآخر نظامي وآخر حرّ، كل ذلك كي لا تعجز عن إيفاء موجباتها، لأن الشركات المساهمة وأهمها المصارف، عصب الحياة الاقتصادية. وبالفعل، بعد أرباح تراكمت لثلاثين سنة خلت، لم يستحضر المساهمون الرابحون لا ما قدّموه في شركاتهم ولا أي جزء من الأرباح المتراكمة كاحتياطات لتلبية الناس، بل ترفض المصارف والقيمّون عليها أن يخسروا سنة واحدة لإيفاء التزاماتهم علماً أنّ مصرفاً واحداً لم يستحضر أيّ سيولة مما أودع خارج لبنان، كما يعلم الكافة... فالخيار أمام المصارف في لبنان إمّا الربح عند عدم وجود الأزمات وإلّا احتجاز أموال المودعين إذا وجدت أزمات سبّبتها خيارات التوظيف السيئة لأموال ائتمنوا عليه".

وهذا ما يدفعنا إلى المطالبة بتحميل القطاع المصرفي وأصحاب الايداعات الكبرى جزءاً من الأعباء الحالية، إن كان عبر اقتطاع جزء من الإيداعات الكبرى أو إلزام المصارف بإعادة رسملة جذرية[23]، تتعدّى ما اقتصر عليه التعميم الصادر عن مصرف لبنان الذي اكتفى بإلزام المصارف بزيادة محدودة في رأسمالها.

والبارز في هذا الإطار أنّ الأموال التي ستضخ من جرّاء هكذا إجراءات لا تشكّل إلّا إعادة لنسبة قليلة من الأرباح التي حققها هؤلاء وهي ليست بخسائر حقيقية[24].

بالطبع، تتحمّل الدولة ومصرف لبنان مسؤولية كبيرة حيث أنّ ممارسات المصارف شجّعتها السياسات المعتمدة، ولكنها لا تحجب عنها مسؤوليتها المبنيّة على الأرباح التي حققتها على حساب المودعين بتوظيفات تحمل في طيّها مخاطر عالية، لكان تفاداها أيّ مستثمر حريص أمام كمّ الفساد والهدر والعجز التي توصم القطاع العام.

للأسف، يبدو أنّ مشروع القانون الحالي، بدلاً من تحميل المصارف مسؤولية أفعالها، يعود لينصّبها أولياء على إيداعات اللبنانيين، عبر منحها صلاحية تحديد إمكانية التحويلات إلى الخارج، متناسياً أنّ تلك الجهات هي نفسها التي قد سبق لها وأثبتت أنّها غير جديرة بالمحافظة عليها وأنّ استثماراتها وسياساتها اندرجت ضمن "مخطط بونزي".

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 64 | نيسان 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

قبح النظام في مرآة المصارف

 


[1] ROLAND et BOYER, Adages du droit français, 1999, Litec, no 452.

[2] « Par son activité, l’homme peut se procurer un profit, (ou, a tout le moins un plaisir). Il est juste (équitable) qu’en contrepartie il répare les dommages qu’elle provoque »  Ph. LE TOURNEAU, Dalloz Action Droit de la Responsabilité et des Contrats, 2018-2019, n◦ 0121.11

[3] التعميم الصادر عن جمعية المصارف، رقم 027/2020، تاريخ 30 كانون الثاني 2020

[4] البيان الوزاري للحكومة المنشور على http://www.pcm.gov.lb/Library/Images/Hok76Ministers/w76n.pdf

[5] البيان الصحفي لجمعية المصاريف، تاريخ 18 تشرين الأول 2019، المنشور على https://www.abl.org.lb/arabic/news/abl-news/%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D8%B5%D8%AD%D8%A7%D9%81%D9%8A-18/10/2019

[6] محمد زبيب، "ماذا يحصل في سوق القطع"، الأخبار، رأس المال، 7 تشرين الأول 2019

[7] محمد زبيب خلال مؤتمر صحافي نظّمته "المفكرة القانونية" في 3 شباط 2020.

[8] الكتاب الموجّه من لجنة الرقابة على المصارف إلى النائب العام لدى محكمة التمييز جواباً على كتاب هذا الأخير رقم 130/ص/2019 بتاريخ 30/12/2019.

[9]هيئة التشريع والاستشارات، استشارة رقم 881/1985، تاريخ 9/10/1985؛  نديم رعد، "انخفاض النقد ومصير الإلتزام النقدي في القانون اللبناني"، منشورة في مجلة "العدل"، 1992، عدد 1؛ نادر عبيد، "هل المصرف المركزي مخوّل بتحديد سعر رسمي للدولار؟"، "الأخبار"، 30 كانون الثاني 2020.

[10] التعليمات الصادرة عن وزير المالية، رقم 167/ص1 في 21/1/2012، والمتعلّقة باحتساب الضريبة على القيمة الـمضافة بالعملة اللبنانية عندما يكون ثمن الخدمة أو الـمال أو الضريبة محدداً بعملة أجنبية.

[11] محكمة التمييز، الغرفة الرابعة، القرار رقم 21/1995، تاريخ 21/11/1995؛ الغرفة الخامسة، القرار رقم 14/1992، تاريخ 28/5/1992، المنشوران على المنصّة الإلكترونية للجامعة اللبنانية www.legallaw.ul.edu.lb

[12] التعميم الوسيط رقم /546/ لمؤسسات الصرافة، تاريخ 6 آذار 2020.

[13] القرار رقم 2002/282، تاريخ 2002/10/17، محكمة استئناف جبل لبنان، الغرفة السادسة، الرئيس المنتدب رستم عواد، المستشاران انطوان الرشماني ووليد شعبان، المنشور على قاعدة كساندر الإلكترونية؛ Emile Tyan, “droit commercial”, numéro 1082, p. 228.

[14] المادة 444 من قانون التجارة التي نصّت على أنّ: الإيفاء بتسليم شيك يقبله الدائن لا يعدّ تجديدًا لعقد الدّين بل يبقى الدين الأصلي قائماً مع جميع الضمانات المختصّة به إلى أن يتمّ إيفاء الشّيك المذكور". مما يعني أنّ الإيفاء بموجب شيك لا يبرّئ ذمّة المدين حيث تبقى جميع الضمانات المختصة به؛ Emile Tyan, “droit commercial”, Editions librairie Antoine Beyrouth, 1968, numéro 1082, p. 228 

[15] نزار صاغية، "موقفان للعدلية ينتصران للمودعين في مواجهة المصارف: الكابيتال كونترول يتمّ بقانون عادل وليس بإرادة المصرف"، المفكرة القانونية، 4/1/2020.

[16] نصت المادة 417 من قانون التجارة البرية على أنّ " السّاحب كفيل بالإيفاء وكلّ شرط يقصد به تملّص الساحب من هذه الكفالة يعدّ لغواً"؛ القرار رقم 80/2005، تاريخ 22/2/2005، تمييز جزائي، غرفة سابعة، الرئيس سعيد ميرزا، المستشاران فايز مطر ومنيف حنا، المنشور على قاعدة كساندر الإلكترونية؛ قرار محكمة استئناف بيروت المدنية الأولى، رقم 1120 تاريخ 7 آب 1969 الرئيس جبران المستشاران شحاده ومعلوف، ج. 101 حاتم، ص. 43.

[17] Ph. LE TOURNEAU, Dalloz Action Droit de la Responsabilité et des Contrats, 2018-2019, n◦ 0121.12

Le « fondement résulte du pouvoir qu'avait le responsable d'empêcher le fait générateur du dommage. Ou, pour le dire autrement, par le biais d'une expression que nous aimons et que nous emploierons souvent, dans sa maîtrise ; maîtrise qu'il avait ou qu'il aurait dû normalement avoir, des hommes ou des choses dont il répond. « L'existence du pouvoir d'empêcher un fait générateur du dommage et l'existence concomitante [de celui-ci] engendre une responsabilité au bénéfice du doute » (L. Bloch, L'exonération en Droit de la responsabilité civile, no 389

[18] ميريام مهنا، " توفيق كسبار: مضبطة اتهام بحق سياسة المصرف المركزي النقدية والمصارف. المودعون يسددون ثمن أخطاء المصارف"، المفكرة القانونية، هذا العدد

[19] ميريام مهنا، " توفيق كسبار: مضبطة اتهام بحق سياسة المصرف المركزي النقدية والمصارف. المودعون يسددون ثمن أخطاء المصارف"، المفكرة القانونية، العدد الحالي.

[20] في ما يتعلّق بالأرباح التي حققتها المصارف وكبار المودعين من جرّاء "الهندسات المالية" لمصرف لبنان، لطفاً مراجعة: محمد زبيب، "بالأسماء والأرقام  5 مليارات دولار أرباح المصارف وكبار المودعين من "الهندسة المالية""، 13 كانون الثاني 2017، المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين.

[21] ميريام مهنا، " توفيق كسبار: مضبطة اتهام بحق سياسة المصرف المركزي النقدية والمصارف. المودعون يسددون ثمن أخطاء المصارف"، المفكرة القانونية، هذا العدد

[22] العبارة لوزير المال السابق، جورج قرم، المذكور في مقال نزار صاغية، "موقفان للعدلية ينتصران للمودعين في مواجهة المصارف: الكابيتال كونترول يتم بقانون عادل وليس بإرادة المصرف"، المفكرة القانونية، 4/1/2020

[23] ميريام مهنا، " توفيق كسبار: مضبطة اتهام بحق سياسة المصرف المركزي النقدية والمصارف. المودعون يسددون ثمن أخطاء المصارف"، المفكرة القانونية، العدد الحالي.

[24] أحمد محسن، "ودائع اللبنانيين تبخّرت من المصارف... أين ذهبت وما هي الحلول"، حوار مع محمد زبيب، رصيف 22، 28/2/2020