وجهّت معظم المجموعات التي تشكّلت في انتفاضة 17 تشرين الأوّل، أو قبلها، عملها وتحرّكاتها ضدّ المصارف لا سيّما بعد الإجراءات التي اتّخذتها جمعيّة المصارف والتي فرضت قيوداً على سحب الأموال والتي طالت بشكل خاص أصحاب الودائع الصغيرة والموظّفين. وشهد المقر الرئيسي لمصرف لبنان في الحمرا ببيروت وفروعه في طرابلس وصور وبعلبك تظاهرات واعتصامات. وقامت بعض المجموعات في بعلبك وطرابلس بإغلاق فروع المصرف المركزي. ولم يسلم مقرّ جمعيّة المصارف في بيروت، فقد كان هدفاً أيضاً لاعتصامات ومسيرات عديدة، حتى أنّه تعرّض للتكسير أكثر من مرّة وأضرم النار في مدخله. ودعماً لأصحاب الودائع الصغيرة واستنكاراً لإجراءات المصارف، نشط المتظاهرون في مختلف المناطق ضمن تحرّكات استهدفت المصارف ليشكلّوا ضغطاً على إداراتها حتّى يتمكّن المودعون من سحب أموالهم بالدولار أو حتّى بالليرة اللبنانيّة.

وأخذ التحرّك ضدّ سياسات مصرف لبنان وجمعيّة المصارف الحيّز الأكبر من عمل بعض المجموعات السياسيّة القائمة والناشطة منذ ما قبل الانتفاضة (قطاع الشباب والطلّاب في الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ والحركة الشبابيّة للتغيير). وتعاونت هذه المجموعات مع مجموعات أخرى نشأت بأسماء توضح تركيز هدف تحرّكاتها على المصارف (مجموعة شباب المصرف، مجموعة تأميم المصارف) ومجموعات أخرى تنوّعت تحرّكاتها بحسب توجّهات الشارع (مجموعة القنطاري وخيمة اعتصام حلبا).

اختارت "المفكّرة القانونية" خمساً من هذه المجموعات لرسم صورة عن تحرّكاتها وتوجّهاتها وأفكارها خلال الانتفاضة، لا سيّما أن المجموعات انطلقت من نظريّات سياسيّة وعمليّة مختلفة ولها منظار مختلف للأحداث ولأنواع التحرّكات. واستندت هذه النبذات إلى مقابلات أجرتها "المفكّرة" مع أعضاء في المجموعات: غيث حمّود (خيمة اعتصام حلبا)، سمير سكيني (قطاع الشباب والطلّاب في الحزب الشيوعي)، ميمون شدّاد (مجموعة شباب المصرف)، روان ناصيف (مجموعة القنطاري)، وشخص خامس (مجموعة تأميم المصارف).

التقت هذه المجموعات في مسيرات وجولات على المصارف واعتصامات أمام مصرف لبنان وجمعيّة المصارف، وكان لكلّ مجموعة أيضاً تحرّكاتها المنفصلة التي تمثّل سياستها ورؤيتها الخاصة للحراك في الشارع. وصحيح أنّ السياسة المصرفيّة والماليّة في لبنان كانت الهدف الذي وجّهت المجموعات تحرّكاتها ضدّه، ولكن اختلفت السبل إلى ذلك في بعض الأحيان، فكان من الطبيعيّ أن تتنوّع التحرّكات (تظاهرات، بيانات تتم تلاوتها في المصارف، شعارات وهتافات وأغاني، تكسير واجهات المصارف، تكسير الصرافات الآلية، رش الشعارات على جدرانها إلخ...). وبالطبع كان لا بدّ لمواقف المجموعات من أن تتباين إزاء العنف الذي استعمل ضد فروع المصارف.

 

"خيمة اعتصام حلبا" تضع عكّار في قلب الانتفاضة

احتلّت "خيمة اعتصام حلبا" في عكّار بفعل النقل الحيّ لتحرّكاتها عبر فيسبوك مكانة خاصّة في انتفاضة 17 تشرين، والتي طالت مؤسسات الدولة والمصارف. تضمّ الخيمة مجموعة شباب من مختلف الطبقات الاجتماعيّة يجمعهم هدف أساسي هو إلغاء النظام الطائفي وإسقاط حكم المصرف "الذي سرق البلد مدّة 30 سنة"، رفضاً منها تحميل الشعب مسؤولية الدين العامّ.

بدأت مجموعة حلبا أولى تحرّكاتها في مواجهة "عدوّها الأكبر": المصارف. فقامت بإغلاقها خلال الأسبوعيّن الأوليّن للانتفاضة. ولكن حين اكتشفت المجموعة أنّ المصارف تستفيد من الإغلاق لتتجنّب سحب المودعين لأموالهم منها، قرّرت أن تحوّل التحرّك إلى تقديم دعم لأصحاب الحقّ، أي المودعين، للإستحصال على حقوقهم بطرق سلميّة. فكان شباب حلبا المعتصمون يلبّون طلبات أصحاب الودائع الصغيرة ويرافقونهم إلى المصارف لتمكينهم من سحب مبالغ مالية من ودائعهم أو رواتبهم الشهريّة. وقد نجحوا في تمكين 15 مودعاً (بينهم موظّفون ومزارعو تبغ) من تحصيل حقوقهم.

ومنذ الأسبوع الأوّل، صوّبت خيمة اعتصام حلبا تحرّكاتها بإتجاه مؤسسات الدولة الفاسدة، حتّى أصبح إقفال المؤسسات سلميّاً (مثل المراكز المحلية لوزارة الماليّة، وشركة الكهرباء وغيرهما) روتيناً يوميّاً ينتظره الجميع، حتّى العاملون في تلك المؤسّسات. تترك مجموعة حلبا المؤسّسات مفتوحة لساعتين في الصباح حتّى تخليص المعاملات الضروريّة، ثمّ تزورها بغية التأكّد من إغلاقها، باعتبار أنّ تلك هي الوسيلة السلميّة الوحيدة للضغط على السلطة السياسيّة. ولا تقترب المجموعة من وزارة الصحة أو الضمان الاجتماعيّ لأنّ إغلاقهما سيضرّ بالناس، طالما أنّ هدف خيمة اعتصام حلبا هو إلحاق الضرر بالسلطة. ويعلم شباب الخيمة أنّ تسكير الطرقات هو "سيف ذو حدّين"، لذلك يستخدمونه عند الضرورة، مثما فعلوا حين اعتقل الشاب جهاد إبرو تعسفيّاً في سجن الشرطة العسكريّة.

وسرعان ما أصبحت هذه المجموعة تمارس رقابة شعبيّة على عمل الإدارات ومسؤوليها، فحصل أن طردت محافظ عكّار عماد لبكي من مكتبه وواجهته بملفات فساد. وبعد شهر ونصف تقريباً، سمحت له بأن يعود إلى منصبه، لا لتغطية فساد أحزاب السلطة، بل بعد التزامه بشرط محاربة الفساد، ولتلك الغاية نصّبت نفسها لجنة رقابة على أعماله.

فضلا عن حادثة طرد المحافظ، اشتهرت الخيمة بحادثة أخرى، هي "المعركة" التي حصلت في فرع مصرف لبنان والمهجر في حلبا حين دخل شباب حلبا المصرف لمساعدة رجل مريض للاستحصال على جزء بسيط من وديعته المصرفيّة، فبدأوا بالشعارات والهتافات وتصرّفات تحمل طابعاً فكاهيّ (لعب ورق الشدّة، وضع ختم المصرف على أوراق بيضاء..)، ويؤكّد أحد شباب الخيمة أنّ معركتهم كانت ولا تزال مع المصرف لا مع موظفيها الذين "هم أهلنا وأولاد المنطقة ومحيطها". ولكن حين طلب المصرف حضور قوى مكافحة الشغب، تحوّل الاعتصام السلميّ إلى مكان للعنف أصيب فيه عدد من شباب الخيمة والقوى الأمنيّة. تبعاً لهذه الحادثة، أصدرت جمعيّة المصارف قراراً بإغلاق كل فروع المصارف في عكّار، وحلبا تحديداً، قبل أن تعود لفتحها بعد حوالي أسبوعين.

ولاحقاً نسّق ناشطو الخيمة مع ناشطي العبدة لمواجهة استمرار دخول الشاحنات المهرّبة للخضار والفاكهة عبر الحدود وبيعها في الأسواق المحلية بأسعار منخفضة بما يؤدي إلى مشكلة في تصريف المنتج اللبناني. واقتحمت مجموعة من ناشطي المنطقتين مركز الجمارك في أواخر كانون الثاني الماضي وسلّمته إلى الجيش اللبناني نظراً إلى أنّه يغضّ النظر عن التهريب ولا يفتّش الشاحنات التي تدخل الحدود والتي تنقل منتجات يوجد مثلها في السوق اللبنانية والعكارية تحديداً ما يؤدّي إلى ضرب الاقتصاد المحلّي.  

لا تخلو الخيمة أبداً من الشباب الذين يتناوبون على التواجد فيها وتنظيفها وتحضيرها للحلقات الحواريّة التي تحصل ثلاث مرّات تقريبا في الأسبوع. تحمل هذه الحلقات طابعا توعويّا يعرّف أهل المنطقة على حقوقهم تحت سلطة الطبقة السياسيّة والمصرفيّة هذه. تنقل أخبار الخيمة وتحرّكاتها مباشرة على صفحتها الخاصّة على موقع فيسبوك، وقد اختارت الخيمة أحد شبابها، الناشط غيث حمّود، ليكون وجهها الإعلاميّ. ويؤكّد غيث أنّ خيمة اعتصام حلبا هي فريق عمل واحد، وكلّ جهد صغير أو كبير فيها هو جهدٌ في مكانه حتّى يصل الثوّار إلى أهدافهم.

 

قطاع الشباب والطلّاب في الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ:

لتتوقّع الأوليغارشيا شخصنة المعركة ضدّها

يعمل قطاع الشباب والطلّاب في الحزب الشيوعي (من هم دون 30 سنة) على قضايا الطلّاب والمجتمع، وله مجموعات في عدد من الجامعات، وهيئات في المناطق اللبنانيّة. جدد نشاطه في عيد العمّال في الأول من أيار عام 2019 بحملة "موازنة مش موزونة" الرافضة للموازنة (التي أقرّت لاحقاً في بداية عام 2020). وشارك في إضراب الجامعة اللبنانيّة وساهم في تأسيس "تكتلّ طلّاب الجامعة اللبنانيّة". وقبل 17 تشرين، اقتحم القطاع مبنى الاتّحاد العمالي العام تنديداً بصمته إزاء الأزمة وانعكاساتها التدميرية على العمّال والأجراء وفي الآن نفسه انحيازه للسلطة. وقد لحق ذلك تحرّكات شارك فيها أمام مصرف لبنان وجمعيّة المصارف.

في بيروت، أخذ قطاع الشباب والطلّاب قضيّة التوجّه نحو المصارف على عاتقه، تاركاً المواقف السياسية للحزب الشيوعي. وفي المناطق، ركّز القطاع على تحرّكات ضد فروع مصرف لبنان والمصارف الأخرى بدأت بمسيرات باتجاهها في مناطق عدّة، وانتقلت إلى دخول أعضاء منه بالتعاون أحياناً مع مجموعات أخرى مثل "الحركة الشبابيّة للتغيير" و"لحقّي" و"تأميم المصارف"، إلى فروع المصارف وتلاوة بيانات توضح الأرباح التي راكمتها المصارف على مدى 30 سنة. وقد هدفت المجموعة من خلال ذلك إلى التصويب على المنظومة النيوليبراليّة الريعيّة التي نشأت بتحالف بين رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وأوصلتنا إلى مراكمة دين عام هائل. وبسبب السياسات النقديّة والهندسات الماليّة، أصبح حوالي 1% من المودعين يملكون أكثر من 50% من الودائع، فبالتالي أصبحت نسبة الـ99% من المودعين هي الفئات المتضرّرة.

إضافة إلى البيانات، طبع أعضاء في "قطاع الشباب والطلاب" صور أصحاب المصارف وعلّقوها على واجهات فروعهم، حتّى يتعرّف الناس على بعض مسبّبي الأزمة الماليّة. وبعدما تكرر مشهد ترجّي الناس لموظفي المصارف للحصول على معاشاتهم وودائعهم الصغيرة، اضطر القطاع إلى التصعيد والقيام بتحرّك بإتجاه أحد المصارف (BLC) لدعم بعض المودعين خلال سحب ودائعهم. ومن ثمّ حصلت تحرّكات مشابهة في مناطق عدّة، بحيث اعتبر القطاع أنّه أعاد تصويب الانتفاضة مجدّداً نحو المصارف، بعدما كانت  أحزاب السلطة شهرت المذهبية في مواجهتها.

يوضح أعضاء في "القطاع" أنّه لا يشجّع أصحاب الودائع الصغيرة على سحب جميع أموالهم، ولكن ما يهمّهم هو أن يسحبوا أموالهم عندما يحلو لهم من دون قيود غير قانونيّة. ويرفض الـ"كابيتال كونترول" المفروض بشكله الحاليّ، وإنّما يدعمونها في حال فرضت بشكل عادل وتصاعديّ يخدم المجتمع.  

بعد التحرّكات داخل المصارف، تلقّى "القطاع" رسائل عدة تطالب بالمساعدة لسحب الإيداعات. ولكنه وجد نفسه أمام مغالطتين أوّلهما هو التفكير الذي يعتبر أنّ حلّ المشكلة فرديّ، فيشجّع سحب الناس لجميع الإيداعات من دون أن يفكّر بحلّ جماعي. وثانيهما، هو اقتناع الناس بأنّ أموالهم موجودة في المصارف، في حين أنّ ثمة أدلة على أنها ليست كذلك. وتبعاً لذلك، توصّل القطاع إلى قناعة مفادها أنّ أموال الناس في المصارف هي حقوقهم، وأنّ على السلطة (والأوليغارشيا) أن تتحمّل كلفة الانهيار الذي سيحصل. وعليه، تراجع "القطاع" عن التحرّكات المقتصرة على سحب الأموال، إلى التفكير في أطر قانونيّة وتنظيميّة لمحاربة هيمنة الأوليغارشيا.

وخلال فترة التحرّكات عضد المصارف، اهتمّ القطاع بالتوضيح بأنّ مشكلة الناس ليست مع موظّفي المصارف، حتّى أنّهم فكّروا في إنشاء نقابة لهم، معتبرين أنّ نقابتهم الحاليّة تابعة للسلطة. وردّ القطاع على بيانات جمعيّة المصارف الموجّهة ضدّ الانتفاضة، معتبرين أنّ الشيوعيّين لن يقبلوا بإذلال الناس في المصارف وسيقفون في المرصاد في حال عدم التراجع عن إجراءات الجمعيّة. ولذلك يرى القطاع التحرك ضد المصارف بأشكاله المختلفة وسيلة ضغط مشروعة تهدف إلى إرغامها على التراجع عن تلك الاجراءات، ويعتبر أنّ استهدافهم للأوليغارشيّين لم يأخذ طابع الشخصنة حتّى الآن وأن عليهم أن يتوقّعوا مستقبلاً تحرّكات تطالهم واحداً واحداً.

 

مجموعة القنطاري: عنف السلطة هو العنف الوحيد حاليّاً

من قطع الطريق في منطقة القنطاري في الأسابيع الأولى للانتفاضة، انطلقت مجموعة القنطاري بأشخاص اتّفقوا عبر مجموعات على تطبيق واتساب على قطع الطريق من دون أن يكونوا على معرفة مسبقة ببعضهم. تكرّر فعل قطع هذا الطريق تحديداً من الأشخاص أنفسهم الذين شكّلوا بشكل عفويّ لاحقاً "مجموعة القنطاري". لا سياسة محدّدة لهذه المجموعة، ممّا يسهّل بالنسبة لها، التواصل مع مجموعات منظّمة أو مجموعات تعمل على الأرض: "كنا مبسوطين بالهويّة المرنة. ليش لأ، ما نحنا بثورة".

أدخلت المجموعة الأغاني وأحضرت الآلات الموسيقيّة إلى تحرّكاتها. بدأت بوضع كلمات خاصّة بقطع الطرقات على ألحان أغان معروفة، وذلك في الأيّام الأولى مثل "سكّر ع مصرف لبنان سارق مصريّاتنا"، وصولاً إلى الأغنيّات الخاصّة بثلاثة مصارف أدّتها خلال وقفات لها في فروعها، بالإضافة إلى أغان أخرى. عدّلت المجموعة تحرّكاتها تبعاً للتطوّرات الحاصلة في البلد. ففي الفترة الأولى كان التركيز على قطع الطرقات. أما مؤخّراً، فيتم التركيز بشكل منتظم على الملف الاقتصاديّ وتستهدف التحرّكات المصارف والوزارات والمرافق العامّة (مثل الوقفة أمام شركة الكهرباء، وأمام شركة تاتش للخليوي).

حافظت المجموعة على مرونتها لناحية فتحها الباب أمام أيّ شخص للإنضمام إليها أو الإنسحاب منها متى شاء. قسّم الأعضاء أنفسهم إلى فرق هي فرقتا الإعلام والعمل المباشر وفرقة البحث. وتهتم الأخيرة بإجراء أبحاث عن المصارف أو مصرف لبنان والمرافق التي اعتصمت أمامها وتصيغ البيانات التي تتلوها المجموعة في المصارف أو أمام الإعلام. وتتميّز مجموعة القنطاري بفرقة "فرح ومرح" التي تطرح أفكاراً تستخدمها المجموعة لإيصال اعتراضها بطرق أبرزها الهتافات والأغنيّات التي انتشرت في الشارع وفي بعض المصارف.   

وجمعت الفرق الأربع جهودها لتنظيم التحرّكات ضد المصارف. وشاركت مع مجموعات أخرى من بينها "مجموعة شباب المصرف" و"لحقّي" و"قطاع الشباب والطلّاب في الحزب الشيوعي اللبنانيّ"، في التحضير لمسيرات "من يدفع الثمن"، بالإضافة إلى تحرّكات أخرى داخل المصارف، قرأ فيها المتظاهرون بياناتهم موضّحين سياسات المصارف الحاليّة. ومن بعد تحرّكين أساسيّين بإتجاه مصرفي "بيبلوس" و"عودة" لاسترداد أموال ذوي الودائع الصغيرة، تلقّت المجموعة طلبات عدّة من المودعين لدعمهم في سحب أموالهم.

لا تعارض "القنطاري" تسكير الفروع الصغيرة إن كان سيؤدّي ذلك إلى وعي أكبر بشأن الأزمة المصرفيّة، بخاصّة أنّ المصارف تلهي الناس بالقيود التي وضعتها على السحوبات. ولكنها لا تشجع على العنف وفي الوقت نفسه لا تدينه، معتبرة أنّ العنف الوحيد الموجود في الانتفاضة، هو عنف السلطة، وأيّ عنف آخر هو ردّة فعل طبيعيّة عليه. ويهمّ المجموعة أن توضح أنّ تحرّكاتها في المصارف لا توجّه ضدّ الموظّفين، بل تطمح أن ينضم هؤلاء إلى صفوف الانتفاضة.

 

مجموعة شباب المصرف: على السلطة أن تخاف

منذ اليوم الخامس لانتفاضة 17 تشرين الأوّل 2019، لم يخلُ الطريق أمام مصرف لبنان في الحمراء من حضور شبه يوميّ لمجموعة من الشبّان والصبايا يحملن شعارات ولافتات تنتقد اصطلحوا على تسميته "حكم المصرف". أتى هؤلاء من ساحتي رياض الصلح والشهداء للاعتصام أمام مصرف لبنان، انطلاقاً من إمانهم بأنّ السياسات النقديّة التي تتّبعها السلطة من العام 1993 حتّى اليوم هي السبب المباشر للأزمة الاقتصاديّة والماليّة الحالية. وبعد حوالي أسبوعين من بدء تحرّكاتهم، وفي أحد الاجتماعات، كان أحد الأشخاص يحاول رسم خريطة للمجموعات الفاعلة في الانتفاضة، فأطلق عفويّاً اسم "مجموعة شباب المصرف" على المجموعة التي تبنّته على الفور.

وضعت المجموعة إطاراً عاماً لعملها يطالب بمحاكمة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ومساءلته (ومحاسبة من جدّد له وأعطاه الضوء الأخضر لتنفيذ السياسات النقدية التي أودت بنا إلى هذا الدّرك)، ويرفض السياسات النقديّة والسياسات الحكوميّة المتّبعة منذ 30 عاماً مع المطالبة باقتصاد منتج (يشمل تفعيل القطاعات الصناعيّة والزراعيّة). أمّا بالنسبة لحلّ المشكلة الحاليّة، فترى المجموعة أنّ المطلوب الآن هو فرض قيود على أصحاب رؤوس الأموال والودائع الكبيرة، في مقابل إلغاء القيود المفروضة على أصحاب الودائع الصغيرة، وفرض ضرائب على المصارف وأصحابها والمساهمين فيها، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، بخاصّة أنّ نموّ موجودات المصارف أعلى من نموّ الاقتصاد اللبنانيّ.

لم تقتصر نشاطات المجموعة على تحرّكات أمام مصرف لبنان أو ضدّ حاكم مصرف لبنان فقط، بل نظمّت، بالتعاون مع مجموعات أخرى وأحزاب (قطاع الشباب والطلّاب في الحزب الشيوعيّ، الحركة الشبابيّة للتغيير، المرصد الشعبيّ، وغيرها) مسيرات بإتّجاه جمعيّة المصارف، ووزارة الماليّة مثل مسيرات "لن ندفع الثمن" التي تكرّرت أيام السبت لثلاث أسابيع متتاليّة. وتواصلت المجموعة مع مجموعات كانت تقوم بتحرّكات مماثلة على بإتجاه فروع مصرف لبنان في المناطق، وذلك لخلق "تحرّكات متوازية بشعارات موحّدة". وبعد الإجراءات التي بدأت المصارف اتخاذها بحق المودعين لا سيّما القيود على السحب، تلّقت المجموعة طلبات من العديد من هؤلاء لمساندتهم في الذهاب إلى فروع المصارف للمطالبة بأموالهم. وبالفعل لبّت المجموعة نداء العديد من المودعين سواء عبر تحويل قضيّتهم إلى قضية رأي عام ونشر طلب المساعدة على صفحات الإعلام الإجتماعي، أو عبر توجّه أفراد من المجموعة إلى فروع المصارف، باعتبار ذلك واجباً إنسانيّاً، وليس موقفاً سياسيّاً.

تعتبر "مجموعة شباب المصرف" أنّ تكسير واجهات المصارف في 14 كانون الثاني 2020 في الحمراء جاء بعد تراكم غضب الناس من المصارف بعد أن أدركوا أنها المكمن الأساسي للمشكلة النقدية والمالية في لبنان وبعد أن ضاقوا ذرعاً بإذلالها لهم وحجز أموالهم ومعاشاتهم. لذلك فحين هاجمت القوى الأمنية المتظاهرين ردّ البعض بتكسير واجهات المصارف.

ورغم أنّها تركّز معظم تحركّاتها ضدّ المصرف، تؤكّد المجموعة أنّها جزء من الحراك الرافض للنظام الطائفيّ ونظام المحاصصة الذي أدّى بلبنان إلى ترجّي الخارج للحصول على القليل من المال.

"الدولة اللبنانيّة والقوى الأمنيّة والأجهزة الرقابيّة في لبنان جميعها تعمل لدى المصرف الذي لا سلطة عليه اليوم"، هكذا ترى المجموعة المشهد اليوم. ولذلك، "فمن الطبيعيّ أن يردّ الناس بتكسير المصارف أو واجهاتها". وتحرص المجموعة على التأكيد بأنها لا تشجّع الناس على القيام بأعمال غير قانونيّة، إلّا أنّها ترى أنّ على المصارف أن تتحمّل نتائج خروجها عن القانون، بخاصّة أنّ سياسات المصارف ستؤدّي إلى انفجار اجتماعيّ يجب أن يتمّ تصويبه نحو سارقي أموال الشعب وقامعيهم تحديداً. وترى المجموعة أنّ كل العنف الذي شهدناه لا يرتقِ بعد إلى العنف الثوريّ، وتتوقّع أن يتم "شخصنة" المشكلة بمعنى أن يقوم الشارع بمحاسبة الأشخاص المسؤولين عن الوضع الحاليّ في حال رفضت الدولة محاسبتهم. وستبدأ المحاسبة في منازلهم. لذلك تحذّر المجموعة السلطة: "عليكم أن تخافوا من الناس التي لم تعد تملك شيئاً لتخسره".

 

مجموعة "تأميم المصارف": التأميم هو الحلّ

تعتبر "تأميم المصارف" نفسها حملة أكثر مما هي مجموعة. نظّمت هذه الحملة نفسها بعدما لمست أن الخطاب الطبقيّ والمطلبيّ في الأيام الأولى بدأ يتراجع لصالح الخطاب الليبراليّ. فاتّفق أعضاء الحملة على طرح يعيد توجيه خطاب الشارع نحو الاقتصاد وتسييسه، ويرفع سقف المطالب. لا اقتصاديّين ضمن المجموعة، ولكن التعامل قائم مع عدد من الصحافيّين والمتخصّصين في الاقتصاد، بالإضافة إلى تعاون أساسيّ مع عدد من المجموعات التي تركّز تحرّكاتها على المصارف بشكل أساسيّ: قطاع الطلّاب والشباب في الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ، والحركة الشبابيّة للتغيير، واتّحاد الشباب الديمقراطيّ، ومجموعة شباب المصرف وغيرها.

في طرحها الأساسيّ، ترى المجموعة في تأميم المصارف حلّاً جذريّاً للأزمة الاقتصاديّة في لبنان. قبل الانتفاضة، لم يكن ممكناً لأحد أن يطرح فكرة التأميم، خاصّة أنّها كانت تعتبر طرحاً يساريّاً، فيما يوضح أعضاء المجموعة أنّ التأميم استخدم في بريطانيا في مجالات عديدة، وأنّ أحد الاقتصاديّين اليمينيّين في لبنان طرح فكرة التأميم في مقابلة تلفزيونيّة خلال الانتفاضة.

مع بداية الانتفاضة، أعرب عدّة أشخاص ومن بينهم اقتصاديّون عن تخوّف من طرح فكرة التأميم، حتّى صارت طرحاً أساسيّاً عندهم مع تفاقم الأزمة. وتوضح المجموعة أنّ آلية تنفيذ تأميم المصارف ستطرح تلقائيّاً حينما يأخذ الشارع موضوع التأميم على عاتقه وتصبح السلطة خاضعة للشارع.

وبما أنّ الدين العام للبنان كبير ومعظمه دين داخليّ، أيّ لصالح مصارف لبنانيّة، تصبح إعادة جدولة الدين العام، أو حتّى شطب الدين العام مطلباً أساسيّاً ينقذ لبنان من أزمته الاقتصاديّة الحاليّة، بحسب "تأميم المصارف".  ولكن لن يتحقّق أيّ من المطلبين بطريقة جذريّة وفعليّة إلّا إذا تأمّمت المصارف. ومن خلال هذه العمليّة، يمكن على الدولة مصادرة أملاك المصارف، وحينها يبدأ العمل على إيجاد طريقة لتشغيل هذه الأموال حتّى يصبح الاقتصاد منتجاً.

تشارك "تأميم المصارف" في التحرّكات التي تستهدف المصارف لتطرح خطاباً طبقيّاً. وهي تحاول أن تدعم الناس في مواجهتهم مع المصرف، بخاصّة عندما تعرقل المصارف سحبهم لودائعهم الصغيرة. وعلى غرار المجموعات الأخرى، تلقّت طلبات عدّة من مودعين صغار لمساعدتهم في سحب أموالهم من المصارف. فطرحت المجموعة مع مجموعات أخرى، نموذجاً لطلب إلكترونيّ (Google Form) تمّ توزيعه، ووصلهم حوالي 800-900 رقماً هاتفيّاً لمودعين صغار من المناطق اللبنانيّة كافّة. نظّمت هذه الأرقام في مجموعات بحسب المناطق، وحصل تعاون مع مجموعات في المناطق لتفعيل الانتظام وتقديم حلول ونصائح قبل الذهاب إلى المصارف.

يؤشر تركيز الحملة في تحركاتها على الخطاب الطبقيّ إلى أنّ معركتها هي ضدّ المنظومة الاقتصاديّة والمصرفيّة. كما تنفي الحملة أيّ تعرّض لموظّفي المصارف، على عكس ما روّجت له نقابتهم التي تسيطر عليها أحزاب السلطة، وفق المجموعة. أمّا بالنسبة للتكسير الذي يطال المصارف، فلا تجده الحملة سوى ردّة فعل عفويّة وطبيعية، إذ أنّ إجراءات المصارف غير قانونية، لذلك من الطبيعيّ أن تكون ردّة فعل الناس بالمستوى ذاته، بخاصّة بعد ما تعرّض له المودعون من إذلال على أبواب المصارف.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 64 | نيسان 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

قبح النظام في مرآة المصارف