خيّمت حالةٌ من القلق والحَذر على سماء لبنان مؤخراً لتحلَ مكان الآمال التي انبثقت مع اندلاع انتفاضة 17 تشرين. وانتشر في الأيام القليلة الماضية فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يُظهِر مواطناً في أحد المصارف يحمل قنينة بنزين في حالة يأس وإرهاق ظاهرة على ملامح وجهه وحركته المضطربة. يهدّد المواطن بإشعال نفسه إن لم يستطع الحصول على أمواله المحجوزة، قبل أن يتدخل موظفو المصرف لتهدئته ووعده بأنه سيحصل على المبلغ المطلوب. اعتدنا هذه المشاهد في الآونة الأخيرة، وكأنها أصبحت من يومياتنا في زمن حكم المصرف.

يطرح هذا المشهد والعديد من أمثاله سلسلةَ أسئلةٍ ملحّة ما زالت محاطة بشيء من الغموض والشك. فهل من الممكن فعلاً أن تتبخّر أموال المصارف بين ليلة ٍوضُحاها؟ وعلى خلفية القيود الاستنسابية التي تُفرض بالإكراه على المودعين، ما هي الاحتمالات التي قد يحملها المستقبل القريب على صعيد الودائع والمدخرات؟ وهل هناك من سوابق تاريخية لهذه الظواهر التي لم يعرفها اللبنانيون من قبل والتي جلبت آلاماً ومخاوف غير مسبوقة في تاريخهم الحديث، أو أنّ الأزمة الراهنة هي فعلاً فريدة من نوعها؟

في ظل حالة الشك والغموض هذه، نسعى هنا إلى تسليط الضوء على بعض المسائل الأساسية في هذا المجال. وتحديداً، نتناول من منظور تاريخي ومقارن مسألتي الـ"كابيتال كنترول" أو ضوابط رأس المال والقيود المفروضة على الودائع. وفي تناولنا لكلا المسألتين، ننطلق من محاولة لتعريف الظاهرتين المعنيتين، قبل أن ننتقل إلى استعراض السوابق التاريخية والدولية لهما، لعلها تفيدنا في تحديد المعايير المعتمدة في هذا المجال (إنْ وُجدت) وفي استشفاف الملامح المحتملة لآفاق المستقبل.

 

تعريف الـ"كابيتال كنترول" والقيود على الودائع

بات مفهوم الـ"كابيتال كنترول" من المصطلحات المتداوَلة في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة، إذ تحوّل من مصطلح تقني وشبه مجهول إلى لفظ يرمز إلى المآسي الاقتصادية القائمة والمقبلة، وينطوي على مخاطر ومخاوف متعددة يلفّها الغموض. فما هو التعريف العلمي للـ"كابيتال كنترول"، وهل له علاقة بالقيود على الودائع؟

يشمل الـ"كابيتال كنترول"، أو ضوابط رأس المال، التدابير التي قد تتخذها الدول والحكومات للحدّ من تدفّق رأس المال عبر الحدود، أي دخولها إلى الدولة المعنيّة أو خروجها منها. وعادةً تُنظّم هذه التدابير على مبدأ الإقامة في البلد المعني (residency-based measures)، وتتمثل في إجراءات كالضرائب على المعاملات والتحويلات الخارجية، أو الحظر الصريح على هذه المعاملات. ويتبيّن من هذا التعريف أنّ تدابير الـ"كابيتال كنترول" تهدف إلى تنظيم وضبط تدفّق رأس المال من وإلى الخارج، بهدف الحفاظ على استقرارٍ ما في ميزان المدفوعات (the balance of payments) - وبالتالي في العملة الوطنية - وبُغية الحد من التقلبات المالية الناجمة عن طفرات رأس المال المفاجئة في القطاع المالي (hot money flows). فهذه التقلّبات من شأنها أن تهدّد الاستقرار النقدي والمالي في البلاد وتؤدي بدورها إلى اندلاعِ أزمةٍ اقتصادية شاملة، كما سبق أن أشرنا في مقالة سابقة تناولنا فيه تاريخ وتطوّر صندوق النقد الدولي.

 

إذاً يجب التمييز بين إجراءات الـ"كابيتال كنترول" من جهة والقيود المفروضة على الودائع في الداخل والتي تحدد سقفاً للسحوبات النقدية خلال فترة محددة (يومياً أو أسبوعياً أو شهرياً) من جهة أخرى. فبينما تُعنى الأولى أساساً بتنظيم ميزان المدفوعات والحدّ من تدفّق رأس المال من وإلى الخارج، تهدف الأخيرة إلى تفادي انهيار القطاع المصرفي في الداخل نتيجة تهافت جماعي على المصارف (bank run) في خضم أزمة سيولة خانقة وحالة انعدام للثقة ستؤديان حتماً إلى إفلاس القطاع بأكمله إذا ما استجاب لمطالب سحب الودائع. فالمصارف تحافظ على احتياطي يساوي نسبة جزئية من مجمل الودائع لسداد مطالب السحب اليومية المعهودة، ولكن في حال تهافت جماعي على الودائع، لا تملك المال الكافي لتسديد المبالغ المطلوبة، وبالتالي تصبح مهددة بالإفلاس.

 

المسار الدولي للـ"كابيتال كنترول": من الأساسيات الاقتصادية إلى المحرّمات وأخيراً إلى الضرورات المؤقتة

كما يشير الباحثان الاقتصاديان آتيش غوش ومهفاش قرشي، اُعتبرت تدابير الـ"كابيتال كنترول" ركناً بنيويّاً للمنظومة المالية الدولية في مرحلة التأسيس لصندوق النقد الدولي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وقد رأى جون مينارد كينز، وهو المهندس الأكبر لهذه المنظومة في تصوّرها المثالي الأول قبل أن تُجرّ باتجاه النموذج الأميركي المبني على الهيمنة المطلقة للسوق، أن ظاهرتي حرية التجارة وحرية تدفّق رأس المال كانتا متضاربتين، لأن التقلبات الناجمة عن طفرات رأس المال كان من شأنها أن تؤدي بدورها إلى نداءات لوضع سياسات الحماية الاقتصادية (protectionism)، أي فرض القيود والضرائب على الواردات بحجة الدفاع عن الاقتصاد الوطني. وبالفعل، يشير الاقتصادي البارز والحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد جوزيف ستغلتز إلى أنّ الدول المتقدمة اقتصادياً انتهجت إجراءات الـ"كابيتال كنترول" في مراحل نموها كوسيلة للدفاع عن الاستقرار النقدي في وجه التقلّبات والمضاربات المالية، ريثما تنضج مؤسساتها القانونية والمالية بحيث تكون قادرة على استيعاب صدمات تدفق رأس المال والتكيّف مع تقلّباتها.

 

لكن، وكما أشرنا في مقالتنا السابقة، أتت مرحلة "توافق واشنطن" في الثمانينيّات والتسعينيّات لتقلب الأمور وتفرض وصفة السوق الحرة المطلقة على الدول النامية في الجنوب العالمي. حرّمت هذه الوصفة تدابيرَ الـ"كابيتال كنترول" بشكل شبه مطلق - رغم أنّ الدول المتقدّمة ذاتها كانت قد اعتمدت هذه التدابير في فترة نموّها - بحجة أنها تمثّل عائقاً أمام عمل القطاع الخاص وأداةً توّظفها الأنظمة المستبدة بهدف التستّر على فشل سياساتها الاقتصادية.

 

وما لبثت تجربتا شرق آسيا وروسيا في التسعينيّات أن أثبتتا مدى خطورة هذه الوصفة، إذ أدّت في تلك البلدان إلى انهيار مالي واقتصادي شامل ومؤلم للغاية، كما سبق أن بيّنا. فقد اضطرت بعد ذلك المؤسسات المالية الدولية أن تعدّل موقفها تجاه هذه التدابير ردّاً على كوارث التسعينيّات وبصورة خاصة بعد الأزمة العالمية عام 2008 التي أطاحت بالمسلّمات الاقتصادية وكسرت الأرثوذوكسيات المعهودة. وتَمثّلَ هذا التحوّل لدى صندوق النقد الدولي في تقريره الصّادر عام 2012 الذي حدد "الرؤية المؤسساتية الجديدة" للصندوق تجاه الـ"كابيتال كنترول". ومن أبرز عناوين هذه الرؤية الجديدة ما يأتي:

 

  • أنّ اللبرلة المطلقة في الأسواق المالية في الدول النامية قد تشكل خطراً على الاقتصاد إذا لم تتم بصورة تدريجية ومتناغمة مع نضوج المؤسسات الوطنية المعنيّة،
  • أنّ إزالة الضوابط على تدفّق رأس المال يجب أن تتم في الظروف الملائمة وفي تسلسل ملائم، أي بالتوازي مع تطوير الآليات التنظيمية والقدرات المؤسساتية الداخلية، تجنّباً لمخاطر الانفتاح غير المنظّم،
  • أنّه لا يوجد افتراض مسبق مفاده أنّ اللبرلة المطلقة تشكل هدفاً ملائماً لجميع البلدان في جميع الظروف، أيّ أنّه لا توجد "وصفات" جاهزة وقابلة للتطبيق في مختلف الأحوال،
  • أنّ قرارَ فرض إجراءات "كابيتال كنترول" مؤقتة في ظروف ملائمة لا يتضارب مع اتّباع استراتيجية عامة تهدف إلى اللبرلة والانفتاح.

 

ولا يفوتنا في هذا السياق التذكير بأنّ العديد من الدول النامية الكبرى كالصين والهند ما زالت تنتهج تدابير الـ"كابيتال كونترول" بهدف ضمان استقرارها المالي ريثما تُطوّر مؤسساتها الاقتصادية الداخلية، الأمر الذي لم يعد يُنظر إليه كأمرٍ مشبوه كما كان الحال سابقاً في زمن هيمنة توافق واشنطن.

 

"كابيتال كنترول" في زمن الأزمات: تجربة آيسلندا نموذجاً

يُلاحظ في هذا الصدد أنّ الحديث عن الـ"كابيتال كنترول" غالباً ما يتمحور حول البلدان النامية المنتقلة من سوق مالي مقيّد (أي خاضع لتدابير الـ"كابيتال كنترول") إلى سوقٍ أكثر انفتاحاً بهدف النيل من الإفادة الموعودة من عملية اللبرلة هذه، الأمر الذي لا ينطبق على لبنان كونه ذاهباً في الاتجاه المعاكس، أي في اتجاه فرض الضوابط على سوق مالية اتّسمت تاريخياً بالانفتاح.

 

إلّا أنّه بعد الأزمة المالية العالمية التي انفجرت عام 2008، برز حديثٌ متجدّد حول إمكانية فرض الـ"كابيتال كنترول" كإجراء مؤقت للحدّ من الضغوطات الناجمة عن تقلّبات في تدفّق رأس المال في زمن الأزمات ولتخفيف وطأتها، سواءً في الاقتصادات النامية أو المتقدمة. وبالفعل، نجد تأييداً لسياسة من هذا النوع في تقرير صندوق النقد الذي سبق وأشرنا إليه، حيث يؤكد التقرير أنّ سياسة فرض الضوابط على تدفقات رأس المال من وإلى الخارج قد تشكل آلية من جملة آليات تهدف إلى إعادة الاستقرار المالي والنقدي في ظروف متأزمة، شرط أن تكون الضوابط مؤقتة والتنفيذ شفافاً.  

 

تُمثل تجربة آيسلندا خيرَ مثالٍ على هذه الظاهرة، إذ فرض بنكها المركزي تدابير "كابيتال كنترول" في فترة ما بين 2008 و2017 بهدف تجنّب الانهيار الكامل في قطاعها المصرفي، رغم كون أسواقها المالية قد اتسمت تاريخياً باللبرلة وغياب القيود. فكانت أصول المصارف الآيسلندية تساوي أكثر من عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة خيالية قد تكون الأكبر في تاريخ الدول الحديثة. وبعد اندلاع الأزمة المالية عام 2008، سرعان ما تم إعلان إفلاس المصارف الثلاثة الأكبر في البلاد، نتيجة عجزها عن الحصول على السيولة المطلوبة لسداد ديونها قصيرة المدى عقب تجميد الأسواق المالية الدولية في أوج الأزمة. فرأى البنك المركزي أنّ خطر تدفق رأس المال إلى خارج البلاد كان يهدد بانهيار كبير في سعر صرف العملة الوطنية (الكرونا) التي كانت أصلاً في مسار انزلاق غير منضبط، واعتبر أنّ انهيار الكرونا كان من المرجّح أن يشكّل شرارةً لموجة إفلاس كاسحة في القطاع الخاص، نظراً لتراكم الديون المقوّمة بالعملات الأجنبية، مع تداعيات مأساوية للاقتصاد الوطني. تفادياً لهذه المخاطر، فُرضت ضوابط على تدفقات رأس المال بطريقة منظّمة وفق التشريعات القائمة، ومن ثم تمّ العمل على إزالتها تدريجياً مع عودة الاستقرار المالي إلى البلاد، إلى أن تمّت إزالة آخر الإجراءات في عام 2017، أي بعد مرور تسع سنوات من اندلاع الأزمة.

 

من البديهي القول إن التدابير التي تبنّتها آيسلندا في هذه الفترة وُضعت ضمن إطار قانوني تنظيمي موحّد، على عكس ما نراه الآن في لبنان حيث تفتقر الإجراءات المتّبعة إلى أي أساس قانوني وتُفرض بطريقة استنسابية وتعسّفية، بحيث يستطيع كبار المسؤولين في الطبقة الأوليغارشية الحاكمة تهريب مبالغ باهظة إلى الخارج، بما يؤثر على حقوق سائر المودعين الذين لم يتمكّنوا من ذلك. وتجدر الإشارة هنا إلى الإصرار الواضح في تقرير صندوق النقد بتناوله لهذه المسألة على ضرورة تطبيق إجراءات الـ"كابيتال كنترول" المحتملة بطريقة شفافة، منظمة، مؤقتة، وغير تمييزية كحد أدنى.

 

وانطلاقاً من هذه الملاحظات، نرى أنّه لا بد من فرض تدابير "كابيتال كنترول" في الفترة المقبلة في لبنان، تجنّباً للمزيد من تدفق رأس المال إلى الخارج، مما يفاقم الضغوطات على سعر الصرف المتهاوي بلا هوادة وعلى القطاع المصرفي المهَدد بالإفلاس بسبب غياب السيولة وتراكم الديون المقوّمة بالدولار. لكنّ الوضع القائم المتّسم بالاستنسابية والفوضوية والغياب المطلق للتنظيم القانوني لم يعد يحتمل، سواءً من زاوية الظلم الذي يحمله على عامة الناس الذين يُهانون يومياً في المصارف، أو من زاوية الضرر الذي يجلبه للاقتصاد ككل. بالتالي يجب التشريع لوضع إطار قانوني تنظيمي لهذه التدابير يتماهى مع المعايير الدولية في هذا المجال، ولا سيما مع شروط القضاء على الاستنسابية والالتزام بنظام شفّاف ونزيه. 

 

القيود على الودائع في أزمة منطقة اليورو

أما بالنسبة للقيود المفروضة على الودائع، فهذه الظاهرة تفتقر إلى تاريخ مؤسساتي طويل كالذي تتمتع به تدابير الـ"كابيتال كنترول" التي كانت تُعتبر عنصراً بنيويّاً في المنظومة المالية الدولية والتي تُطبّق اليوم في العديد من دول العالم. وعليه، من الصعب أن نحدّد معايير دولية واضحة في هذا المجال، نظراً لندرتها. إلّا أنه ظهرت تجارب مشابِهة عديدة بعد اندلاع الأزمة العالمية عام 2008 وأزمة اليورو التي تبعتها، ونستطيع أن نستخلص من هذه التجارب بعض الممارسات الحسنة التي بوسعنا أن نتبنّاها كمرجعٍ في تصوّرنا للمرحلة المقبلة في لبنان.

التجارب الأبرز في هذا المجال هي تجربتا اليونان وقبرص. فقد اضطرت الحكومات المتعاقبة في كلتا الدولتين أن تفرض إجراءات طارئة تقيّد السحوبات من الودائع ضمن إطار قانوني تنظيمي وُضع بهدف اجتناب عدوى الإفلاس في القطاع المصرفي المتشابك (contagion).

 

في آذار 2013، وقف القطاع المصرفي القبرصي أمام أرجحية موجة إفلاس كاسحة، نتيجة استثماراته في الاقتصاد اليوناني الذي كان بدوره على حافة الانهيار. وخوفاً من العدوى والانهيار الشامل، فرضت الحكومةُ القبرصية عن طريق سلسلة تشريعات طارئة جملة إجراءات تضمّنت تحديد سقف يومي على السحوبات من الودائع والمعاملات على بطاقات الائتمان، ريثما تعود السيولة والثقة في المؤسسات المالية الكبرى في البلاد. واستمرت هذه الإجراءات لمدة سنتين، إذ رُفعت آخر التدابير في نيسان عام 2015، وفقاً لإطار قانوني تبنّته الحكومة بغية إزالة الضوابط تدريجياً وبتسلسل ملائم مع عودة الاستقرار والثقة في القطاع.

 

وبالتوازي، في حزيران 2015، انتهت مهلة تمديد الاتفاقية التي حكمت مشروع إقراض دولة اليونان من قبل الثلاثي (صندوق النقد الدولي والمفوضية الأوروبية والمصرف المركزي الأوروبي)، من دون أن تصل الأطراف المعنيّة إلى اتفاقية جديدة لتحلّ مكانها، الأمر الذي دفع الحكومة اليونانية إلى إغلاق مصارفها لمدة 20 يوماً وفرض ضوابط على السحوبات بعد إعادة فتحها، اجتناباً لانهيار القطاع المصرفي نتيجة تهافت جماعي على المصارف. وأزيلت هذه الضوابط تدريجياً مع عودة السيولة والثقة الاقتصادية إلى البلاد، إذ تمّ إرخاء الضوابط المتبعة بدءاً من أيلول 2015، أي بعد مرور ثلاثة أشهر على فرضها، حتى تم إزالة آخر التدابير في أيلول 2018، أي بعد ثلاث سنوات.

 

سوف نتناول القوانين التي وضعتها الحكومات القبرصية واليونانية في تحليل مفصّل في مقالة أخرى، ونكتفي هنا بالإشارة إلى بعض الخصائص اللافتة التي نرى أنّ لها دلالة خاصة فيما يتعلّق بوضع لبنان الحالي.

  • أولاً، أنّ التدابير فُرضت وفقاً لتشريعات الدولة، ولم تضعها المصارف المحلّية من تلقاء نفسها.
  • ثانياً، أنّ التشريعات المعنيّة هي التي حدّدت السقوف والضوابط المفروضة، أيّ أنّها لم تترك مجالاً للاستنسابية التي نراها الآن في لبنان، حيث يتمّ التمييز بين المودعين على أساس معارفهم الشخصية والسياسية أو حجم ودائعهم.
  • ثالثاً، أنّ التشريعات هي أيضاً التي حدّدت حالات الاستثناء من القيود المفروضة (مثلاً فيما يتعلق بضرورة دفع أقساط المدارس أو المودعين الأجانب) ولوازمها الخاصة، ووضعت آليات لتقديم طلبات للاستثناء من الضوابط في الحالات الخاصة التي لم يتطرّق لها القانون مباشرة، من خلال هيئة مختصّة في المصرف المركزي في حالة قبرص، مثلاً.
  • رابعاً، أنّ الإجراءات المعنية أتت ضمن إطار إصلاحي شامل هدف إلى استعادة السيولة والثقة للقطاع المصرفي الوطني، ما تُرجمَ في تسلسُل السياسات المتّبعة والشكل التدريجي الذي أخذته عملية إزالة القيود.
  • خامسا وختاماً، أنّ الإجراءات اتّسمت بشفافية وتكامل واضحين. وأهمية هذه المسألة تكمن ليس فقط في ضرورة الشفافية لضمان النزاهة والمعاملة المتساوية بين المواطنين، بل أيضاً لأن استعادة الثقة هي من الشروط الجوهرية للتعافي الاقتصادي والمالي، علماً بأنّ حالة الضبابية والهلع القائمة والناجمة عن غياب أي إطار واضح للضوابط العشوائية والتعسّفية المفروضة من شأنها أن تزيد من توترات المودعين وتفاقم أزمة التهافت على المصارف.

 

نستخلص من هذه النقاط أنّ لبنان اليوم أمام حاجة ملحّة لوضع إطار قانوني تنظيمي لتدابير الـ"كابيتال كنترول" والقيود على الودائع القائمة والمخالفة للقانون. فلا بدّ من القضاء على الممارسات الاستنسابية والتعسّفية التي اتّسمت بها هذه التدابير، والتي أدّت بدورها إلى تعرّض المودعين اللبنانيين ومن دول الجوار للإهانة اليومية. ونستقي نقطتين إضافيتين من استعراض التجارب أعلاه: أولاً، أنّ أزمات لبنان ليست فريدة من نوعها، بل لها سوابق تاريخية متعدّدة من شأنها أن تفيدنا في تحديد وتقييم الخيارات المتاحة في المرحلة المقبلة؛ وثانياً، أنّ هناك ضوءاً في آخر النفق، إذ مرّت دول عديدة بمراحل عسيرة مشابهة واستطاعت أن تخرج منها بزوال التدابير الاستثنائية التي يعاني اللبنانيون من وطأتها اليوم.

المطلوب الآن المضي فوراً باتجاه الإصلاح الجذري والفعّال، مع التركيز المطلق على ضرورة حماية الطبقات العاملة والمتوسطة والفئات الاجتماعية المهمّشة، بدل الانخراط في خطاب التقسيم الذي لا يخدم سوى مصالح الطبقة الأوليغارشية الحاكمة التي أوصلت البلاد إلى ما هو عليه.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 64 | نيسان 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

قبح النظام في مرآة المصارف