في ظلّ الأزمة المالية التي عرفها العالم بعد 2008، ذهب عدد من البلدان، ومنها اليونان وقبرص، إلى فرض العديد من إجراءات الـ"كابيتال كونترول" على المودعين في المصارف. وقد وُضعت هذه الإجراءات عبر نصوص قانونية تخلّلتها العديد من الإستثناءات التي ترعى الحالات الخاصة. نرى أنّه من المفيد إبراز أهمّ الإجراءات والإستثناءات التي لحظهما القانونان القبرصي واليوناني، لاستلهام دروس قد تساعد في معالجة الأزمة اللبنانية.

 

التجربة القبرصيّة

فرضت قبرص إجراءات "كابيتال كونترول" على مودعيها إبتداءً من تاريخ إعادة فتح البنوك أبوابها بتاريخ 28/03/2013 بفضل قانون فرض تدابير تقييديّة، أُتبع بمرسومين تطبيقيّن، أوّلهما متعلّق بالمصارف والمؤسسات المالية القبرصية، وثانيهما بالمصارف الأجنبيّة.

حدّد القانون سقفاً لسحوبات جميع المودعين اليوميّة بمبلغ 300 يورو، مع إمكانيّة تراكم المبالغ اليوميّة وسحبها في أي وقت لاحق. غير أنّ التشريع أدخل على هذا المبدأ العديد من الإستثناءات، أوّلها المتعلّقة بدفع الأجور من قبل أصحاب العمل، أو إمكانيّة سحب مبالغ من قبل أصحاب العمل لتسديد مبالغ متعلّقة بنشاط عملهم الاعتيادي، تحت شرط إبراز مستندات تثبت هذه الحاجة. في هذه الحالة، لا يوجد قيد على السحوبات التي تقلّ عن 5000 يورو، بينما يكون سحب مبالغ أعلى وقفاً على مراجعة اللجنة المنشأة من قبل القانون لمراجعة تطبيق الإستثناءات من قبل المصارف. وقد لحظ التشريع إستثناءات على هذه التدابير بالنسبة إلى المبالغ الجديدة المحوّلة من الخارج، أي ما أصبحنا نعرفه بـ:Fresh money، كما إستثنت البعثات الدبلوماسيّة.

وفيما منع القانون التحويلات إلى خارج قبرص، سمح بدفع مصاريف الدراسة من قبل أهل الطلّاب بشرط إبراز السندات الثبوتيّة، بسقف 5000 يورو لكل فصل دراسي. كما منعت فتح حسابات جديدة، بإستثناء الأشخاص الذين ليس لديهم أي حساب في أي مصرف أو مؤسّسة مالية في البلد. كما منع القانون إخراج أكثر من 1000 يورو نقداً من قبرص (إلا في حال موافقة اللجنة المشار إليها أعلاه).

 

التجربة اليونانيّة

فرضت اليونان، التي تضرّرت أكثر من الأزمة، تدابير أكثر شدّة على موديعها، بعد تسكير لمؤسساتها المالية دام 20 يوماً. فحدّت السحوبات بمبلغ 60 يورو يومياً لكلّ شخص ولكلّ مؤسسة ماليّة، مع إمكانية التراكم شرط عدم تجاوز 1800 يورو في الشهر الواحد.

نظّم التشريع اليوناني إستثناءات عديدة لهذه القيود. أوّل هذه الإستثناءات إمكانيّة سحب حتى 5% من التمويل الإنتخابي للدولة state electoral funding. كما سمح القانون بسحب مبالغ أكبر لدفع المصاريف الطبيّة وفواتير المستشفيات (شرط إبراز مستندات ثبوتيّة). كما استثنيت المنظمات الدوليّة والبعثات الدبلوماسيّة من هذه الإجراءات.

ومن الحالات الإستثنائيّة التي لحظها التشريع اليوناني، حالة المؤسسات الدينيّة. فقد لحظ القانون أنه لا يمكن للأبرشيات أن تسحب أكثر من 10000 يورو في الشهر ومن مؤسسة ماليّة واحدة. كما يعطي القانون لجنة الموافقة على المعاملات المصرفية صلاحيّة الموافقة على سحوبات إضافية بالنسبة لأصحاب العمل.

إلى جانب تقييد السحوبات، لحظ القانون العديد من الإجراءات الأخرى، منها منع التحويلات إلى الخارج، إلّا بحدود 2000 يورو لكلّ شخص لسفرة واحدة، وبإستثناء المقيمين بشكل دائم في الخارج. كما يسمح القانون تحويل حتى 5000 يورو في كلّ فصل دراسي لتسديد مصاريف الدراسة.

كما منع القانون، على غرار التشريع القبرصي فتح حسابات جديدة، بإستثناء الأشخاص الذين ليس لديهم أي حساب في أي مصرف أو مؤسّسة مالية في كلّ البلد. غير أن القانون اليوناني لحظ 22 إستثناء آخر لقاعدة منع فتح حسابات جديدة، منها  فتح حساب بهدف دفع الرواتب payroll payment، أو لدفع تعويضات نهاية الخدمة newly awarded pensions.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 64 | نيسان 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

قبح النظام في مرآة المصارف