تعدّدت الجمعيات التي تعمل على قضايا النساء في لبنان، وبرز معها تعدّد في الأيديولوجيات والمرجعيات والخطابات والمقاربات ومنهجيات العمل. ومما لا شك فيه، أنّ هذا التعدّد قد أنتج اختلافات بين هذه الجمعيات حول نقاط إصلاحية عدّة كانت قد طرحت للنقاش العام. ومع غلبة المجموعات النسائية العلمانية على الخطاب العام فيما يتّصل بقضايا النساء، تسلّط "المفكرة" هنا الضوء على عمل ومقاربة جمعية فاعلة في هذا المجال وهي جمعية "إصلاح ذات البين" التي قابلنا رئيستها الأستاذة مهى فتحة وهي جمعية "تحت مظلّة" دار الفتوى تعمل على قضايا تخص المرأة (والأسرة) من منطلق ديني إسلامي.

 

الإصلاح القانوني: بين "الواقعية" والدولة المدنية

كثُرت الجمعيات العلمانيّة التي تعمل على إقرار قوانين مدنية تخصّ المرأة وغالباً ما تكون هذه القوانين تخصّها كفرد وغالباً ما تكون مرجعيّة هذه الجمعيات القوانين والاتفاقيات الدولية التي صادق لبنان عليها. أمّا جمعية "إصلاح ذات البين" فتعمل على تقديم اقتراحات لتعديل القوانين الشرعية السنّية، ولكنّ هدفها الأساسي هو تأمين وتعزيز الاستقرار العائلي عبر توعية المقبلين على الزواج والوساطة بين الزوجين في حال نشوء خلافات، وهو الجانب الأكثر وضوحاً في كتيّباتها[1]. وعليه، يبرز اختلاف المقاربة للأحوال الشخصية بين الجمعية والتيار النّسوي العلماني بشكل واضح. فبينما يربط التيار النّسوي العلماني الأحوال الشخصية بالحقوق الفردية ويرى أنّه يقتضي "تحرير" المرأة عبر تشريعات مدنية، تركّز جمعية "إصلاح ذات البين" على مفهوم الأسرة بشكل خاص، وعلى ارتباط فهمهم وعملهم على قضايا المرأة بإطار النظام الأسري.

كما يتّضح التباين في أساليب الإصلاح المتّبعة بين "إصلاح ذات البين" والتيار العلماني. ففيما توجّه الجمعيات النسوية العلمانية خطابها وطاقاتها نحو الدولة اللبنانية بشكل أساسي لحثها على تفعيل واجبها بتنظيم شؤون مواطنيها، علماً أنّ بعضها يرفض حتى التعاطي والعمل مع مؤسسات الطوائف، تركّز جمعية "إصلاح ذات البين" نطاق عملها على منظومة الطائفة السنّية ومؤسساتها، بهدف تحسينها من الداخل، من دون أن يعني ذلك عدم مشاركة الجمعية في النقاشات البرلمانية عند الاقتضاء. وفسّرت الجمعية الدينية تموضعها ضمن إطار "الواقعية": "نحن عم منقول يا بنات، يا جمعيتنا، خليكم بالمحل يلي عم تقدروا تنفعوا فيه، حتكونوا برّا ما رح يكون فيكم تنفعوا". في هذا الإطار، نشير إلى تشابه هذه المقاربة "الواقعية" مع تلك التي اعتمدتها حراكات أخرى داخل الطائفة السنيّة سابقاً، لا سيما حراك "شبكة حقوق العائلة" الذي نجح في رفع سن الحضانة إضافةً إلى مطالب أخرى عام 2012 حيث توجّهت النساء "مباشرة وحصراً إلى السلطة الطائفية السنّية وقوانينها في موازاة تغييب الدولة"[2]. فالجمعية الإسلامية تعمل على أساس تقبّل ما وصفته بواقع طائفي تعتبر أنه لن يتغيّر قريباً مستندة إلى المادة 9 من الدستور[3] (وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ المادة 9 تضمن حق التعددية القانونية الطائفية تحديداً وليس "الواقع الطائفي" ككل). إلّا أنّ هذا التقبّل لا يعني انعدام أي مقاربة نقدية للواقع، فلم تخلُ المقابلة مثلاً من عبارات كـ"الطائفية مصيبة". وبذلك، يقتضي تقبّل هذا الواقع والعمل والإصلاح داخل الطائفة السنّية بدلاً من محاولات الإصلاح على صعيد الدولة المركزية. وتبرز هذه المقاربة "الواقعية" في عبارات مثل "مش المهم شو بدنا، نحن واقعيين". فمثلاً، استهلّت مهى فتحة العديد من حججها بـ"طالما هنالك المادة 9 من الدستور تحمي الطوائف..."، مما يعني أنّ عمل الجمعية يأتي ضمن الحدود التي رسمها "الدستور"، وأنّ الإصلاح ممكن داخل المساحة المتاحة له، أي الطائفة السنّية.

 

"إصلاح ذات البين": ذراع لدار الفتوى أم حركة للإصلاح من الداخل؟

بالرغم من الإرتباط الوثيق بين جمعية "إصلاح ذات البين" وراعيها الديني "دار الفتوى"، يلحظ في خطاب رئيسة الجمعية أنّ هذه العلاقة لم تخلُ من الإشكاليات. فهذا الارتباط العضوي مع المؤسسات الدينية السنّية لا يحمي الجمعية من الضغوطات أو المقاومات ضدها. خلال مقابلتنا مع رئيسة الجمعية، شعرنا أنّ الدعم الذي نالته الجمعية من دار الفتوى والمحاكم الشرعية لا يخلو من التخوّف منها ولو بدرجة معيّنة. وفي هذا الإطار، روت لنا فتحة عن التخوّف الذي واجهته جمعيتها في المراحل الأولى من عملها لدى المحاكم الشرعية، مما دفع بالجمعية إلى صياغة ميثاق لها يحدد مسؤولياتها ونطاق عملها للتخفيف من مخاوف القضاة والمحامين في المحاكم الشرعية. ولكن بعض العبارات مثل "عارضونا كتير عليها هيدي" عند التحدث عن قضية حضانة عملت عليها وأثارت جدلاً داخل المحاكم الشرعية، فضلاً عن التريّث والتردّد عند سؤالنا لها عن أي مقاومة من قبل المحامين والقضاة في المحاكم الشرعية اليوم، كلها أمور قد تؤشّر إلى أنّ التوجّس من الداخل ضد "إصلاح ذات البين" لا يزال قائماً. كما وأشارت الأستاذة مهى فتحة إلى أنّه وبالرغم من تبعية الجمعية لدار الفتوى فهي لا تحصل على أي دعم مالي منها، مما يشكل دليلاً على الحذر في مقاربة دار الفتوى تجاه الجمعية النسائية. من جهة عملها القانوني، يتبيّن خلال المقابلة أنّ الفاعلين في دار الفتوى يرفضون أي عضوية لامرأة (من الجمعية وخارجها) في لجنة تعديل القوانين (أي لجنة وضع قانون أحوال شخصية في الطائفة السنّية) وقد حُصر دور الجمعية في تقديم اقتراحات غير ملزمة للجنة، فيبقى إطار عملها القانوني محدوداً.

من جهة القضايا المتعلقة بالمرأة والأسرة، لا نرى تلاؤماً تاماً وكليّاً بين آراء الجمعية وآراء دار الفتوى، علماً أن المواقف العلنية للجمعية تشير إلى عكس ذلك. وفي هذا الإطار، أيّدت فتحة، بحذر شديد، وجود حاجة إلى قانون ضد العنف الأسري رغم معارضة دار الفتوى للقانون منذ بيان المفتي محمد رشيد قباني الذي صدر في حزيران 2011. في هذا الإطار، يتبيّن أنّ فتحة تؤيّد تدخّل الدولة في مسألة العنف الأسري. لكنْ يجدر الملاحظة أنّ هذا التأييد جاء بحذر شديد وبعد إعطاء أمثلة عن نساء اقترفن خدعات لتصوير أزواجهنّ كمعنّفين، وهي بذلك تعود إلى الفرضية القديمة القائمة على مخاطر القانون على وحدة الأسرة. كما تشدد فتحة على الحاجة إلى إنشاء صندوق إجتماعي لضحايا العنف الأسري، وأيضاً على "خلل" في القانون الحالي الذي يجب تعديله، وهو عدم إعطاء أهمية كافية لتأهيل المعنّف بعد السجن. "هونيك (وهي تعني سجن رومية) مصنع للمجرمين، بيفوت يمكن بشيك بلا رصيد أو شي بسيط بيضهر خبير بكل شي".

أما في ما يتعلق بزواج القاصرات، فقد عبّرت جمعية "إصلاح ذات البين" عن رفضها لهذه الظاهرة وأيّدت الحاجة إلى قانون يحدد السن الأدنى للزواج ومعاقبة من يسمح بحصول زواج القاصرات. فذكرت فتحة أنّه  "بالطائفة السنّية لما حددوا سن الحضانة 12، قالوا إنو بهيدا السن بيقدر الولد يدرس لحالو. طيب، وحدة بتقدر تفتح بيت لحالها قبل الـ18 أو تجيب ولد؟ حتى طبياً سن الإنجاب مثلاً بين الـ20 والـ30 أفضل لتحمي المرأة". أكثر من ذلك، بيّنت المقابلة أنّ الجمعية الإسلامية تؤيّد معاقبة رجل الدين الذي يقوم بتزويج قاصرة "لازم اللي بيعملهم عقد عرفي (للقاصرات) يتعاقب ويتضاعف العقاب، هنّي شو بحطولهم  100 ألف أو 200 ألف، لأ لازم ينحبس حتّى". في ما يخص الإستثناءات التي تأتي في القانون، ترى الجمعية أنّه يجب ترك صلاحية الاستثناءات في يد السلطات الدينية وتعتبر هذه المقاربة ناتجة فقط عن حسّ الواقعية ومضمون المادة 9 من الدستور، من دون أي تبرير آخر: "طالما في المادة 9 من الدستور بتحمي الطوائف أنا برأيي إذا بدو يصير في استثناء، أنو يعطى الاستثناء من القاضي الشرعي أو القاضي المذهبي أو الروحي". وقد شدّدت فتحة على ضرورة إحالة الفتاة إلى طبيب نسائي وأخصّائي نفسي قبل أن يعطي القاضي الشرعي إذن الاستثناء. أضِفْ إلى ذلك، أن الجمعية لم تعبر عن أي رغبة في وضع الإستثناءات في القانون، بل اعتبرت أنه "إذا ولا بد بدو يصير في استثناء" أن تتم العملية بـ"واقعية".

 

"جوّا"و"برّا": المساحة العلمانية مقابل المساحة الدينية

يتجلّى "الإنشطار" الموجود اليوم بين التيارين المدني والديني في خطاب الجمعية عبر عبارتي "جوّا" (مشيرة إلى الطائفة السنّية) و"برّا" (مشيرة إلى النظام القانوني العام). وفي حين يربط التيار العلماني قضايا النساء بنقاش عام حول الحقوق والحريات في ظل النظام الطائفي والتوتر بين التيارات المدنية والدينية، انحصر النقاش مع جمعية "إصلاح ذات البين" في القضايا التي تعمل عليها مباشرة. وغالباً ما يعطي التيار النسوي العلماني للمساحة العلمانية حصرية للقانون والخطاب القانوني مقابل مساحة دينية تحكمها قيم "غير قانونية" على نحو ينكر القوانين الشرعية ويجرّد "المساحة" الدينية من أي جانب قانوني، مع ما يستتبع ذلك من حجب للتعددية القانونية حيث قد يخضع المواطنون لأنظمة قانونية عدّة.

ووسط الانشطار، تجدر الإشارة أيضاً إلى الطابع "المدني" الذي تجده فتحة في المساحة الدينية، وبشكل خاص داخل الطائفة السنّية. "أنا بعتقد أنو قوانيننا مدنية" متحدثة عن عقد الزواج السنّي "المدني" لجهة إمكانية الاتفاق فيه على أية شروط ترضي الزوجين وأعطت بعض الأمثلة عن كيف يمكن للعقد أن يحفظ رغبات الزوجة بشكل خاص. وصرّحت "هيدا منو عقد stable (ثابت)، طالما فيك تغير فيه هيدا عقد مدني".

وعند سؤالنا لفتحة عن الأسباب وراء الانحصار داخل نطاق الطائفة السنّية وعدم الإنضمام إلى تيارات نسوية تعمل على صعيد الدولة، كان الجواب واضحاً: جمعيتها غير مرغوب فيها من قبل هذه التيارات: "إذا بدنا نفوت بيدشرونا". أكثر من ذلك، يتضح أنّ "للمساحتين" مفهوم ضيّق للنسوية، فمقابل شبه احتكار التيار العلماني للنسوية، يتضح من جهة أخرى حذر لدى التيار الديني من هذا المفهوم حيث تتحاشى جمعية "إصلاح ذات البين" هذا المصطلح: "أنا بدافع عن النسوان بس بدون ما يقولو نسوية، ما بدي إسم" في إشارة إلى السمعة السلبية للنسويات بأنهن يؤيّدن "فصل المرأة عن الرجل وتدمير العائلة".

 

مستقبل العمل النسوي في لبنان: ما هي حظوظ المساحات المشتركة؟

في المقالة البحثية "النسوية العلمانية والنسوية الدينية: مستقبل انفصال؟"، ترى الباحثتان دون لولن ومارتا ترزبيتوسكا أنه لا يكفي للتيارات النسوية عدم معارضة مقاربة التيارات النسوية الأخرى بل يجب عليها تقبّل بعضها البعض والاعتراف بشرعية بعضها من أجل تعزيز المواطنية في المجتمعات الديمقراطية[4]. ومع هاتين الباحثتين، نسأل على ضوء هذه المقابلة من دون التقليل إطلاقاً من حجم التحدّيات: هل يبقى الإصلاح النسوي رهينة "النزاع" بين المساحات العلمانية والدينية، أم يتحرر عبر اعتراف التيارات النسوية بشرعية المقاربات، وإن تباينت بدرجة أو بأخرى فيما بينها؟

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 63 |  آذار 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

أربع جبهات للنساء ضدّ التمييز والعنف

 


[1] ورد في كراسة "إصلاح ذات البين": "أهداف الجمعية: العمل على تحقيق الإستقرار الأسري: وحماية الأسرة من كل ما يتهددها، توعية الشباب وتثقيفهم في موضوع اختيار الزوج، وتقديم الإرشادات الأسرية للمقبلين على الزواج من أجل زواج ناجح، وتعزيز ثقافة التعاون والترابط داخل الأسرة".

[2] سامر غمرون، " كيف تتغيّر قوانين الأحوال الشخصية في لبنان؟ بعض الملاحظات انطلاقاً من التجربة السنّية"، العدد 62 من مجلة "المفكرة القانونية".

[3] المادة 9 من الدستور التي أعطت الطوائف الصلاحية لتنظيم نفسها في مجال الأحوال الشخصية: "حریة الاعتقاد مطلقة والدولة بتأدیتها فروض الإجلال لله تعالى تحترم جمیع الأدیان والمذاهب وتكفل حریة إقامة الشعائر الدینیة تحت حمایتها على أن لا یكون في ذلك إخلال في النظام العام وهي تضمن أیضا للأهلین على اختلاف مللهم احترام نظام الأحوال الشخصیة والمصالح الدینیة".

[4] Dawn Llewellyn and Marta Trzebiatowska. “Secular and Religious Feminisms: A Future of Disconnection?” Feminist Theology 21, no. 3 (2013): 244–58. https://doi.org/10.1177/0966735013484220.