في إطار الإعداد لهذا العدد، استمعنا إلى عدد من الخبراء في مجال الإقتصاد والنقد لفهم وتفكيك الأزمة المصرفية التي يعيشها لبنان. ومن أجل فهم أفضل لدور فوائد الدين العام المرتفعة في الأزمة الحالية، لجأنا إلى دة. نسرين سلطي وهي أستاذة في الجامعة الأميركية في بيروت وباحثة، وتشمل مجالات اختصاصها اللامساواة والإقتصاد السياسي. وكانت سلطي كتبت عن دوامة الدين العام في لبنان ودورها في تعزيز اللامساواة وذلك قبل شهر من اندلاع إنتفاضة 17 تشرين الأول 2019، محذرةً من الوضع الذي وصفته بالقنبلة الموقوتة (المحرر). 

 

المفكرة: كيف تطوّرت معدّلات الفوائد على الدين العام منذ انتهاء الحرب اللبنانية حتى اليوم؟ وما المقاربة المعتمدة عند تحديد هذه المعدلات؟

سلطي: تشكّل معدلات الفوائد جزءاً أساسياً من السياسة الإقتصادية المعتمدة بعد الحرب. أولاً، هناك فوائد نابعة من السياسة المالية التي نتّبعها، أي الفوائد التي تُفرَض مقابل استدانة الدولة. إذا أجرينا جردة على كل ديون الدولة، يتبيّن أنّ الدولة كانت استدانت تاريخياً بشكل أساسي من جهات داخلية، ولا يزال هذا الوضع سارياً حتى اليوم". خلال الفترة الأولى بعد الحرب كانت نسبة الدين الداخلي، أي من أشخاص أو مؤسسات داخل لبنان، أعلى. وإذ تقلّصت فيما بعد نسبة الدين الداخلي، فإنه لا يزال يحتلّ النسبة الأكبر من الدين. فكيف تدخل الفوائد ضمن المعادلة المالية؟ ارتكز إقتصاد لبنان بالدرجة الأولى على الدّين من أجل تمويل نفقات الدولة بدلاً من الضرائب. فدخلنا في دوامة دين وعلقنا داخلها لأنه من الأساس أتى هذا القرار بفوائد عالية جداً.

نظرياً في علم الإقتصاد، عندما تريد جهة ما إقراض جهة أخرى، تكون الفوائد مبنيّة على قاعدة العرض والطلب. وهي قاعدة تنطبق عندما تتوفّر سوق حرة وهذه ليست الحال حين يتحكّم أفراد بهذه السوق بطريقة أو بأخرى. في لبنان، في فترة التسعينيات، استدانت الدولة من خلال جهة واحدة وهي وزارة المالية. أمّا الجهة المقرضة فهي قطاع المصارف التي غالباً ما تنجح في تنسيق مواقفها وتوحيدها. وما يزيد الريبة، صلات القرابة بين العديد من المصارف وأهل السلطة بعد الحرب. هناك بعض الأشخاص في المجالس الإدارية للمصارف تابعون أو ثمة صلة قرابة بينهم وبين أحد السياسيين أو يشغلون شخصياً مناصب سياسية قوية. ووسط التباس سعر الفوائد وفق قاعدة العرض والطلب، يبرز الخوف من تضارب المصالح ومن أن الفوائد التي فُرضت على الدين العام بعد الحرب كانت مرتفعة جداً.

هناك وجهة نظر برزت في فترة ما بعد الحرب تقول إنّ الفوائد مرتفعة لأنه من سيُقرض دولة خارجة من حرب. تستند وجهة النظر هذه إلى دراسات تشير إلى أنّ الدول التي تعيش حرباً أهلية وتصل إلى فترة سلام تبقى معرّضة أكثر من سواها لاندلاع حرب جديدة فيها. وعليه، تكون قيمة الفوائد مرتفعة لتعكس المجازفة التي تأخذها الجهات المقرضة.

مع الوقت، تبيّن أنّ الفوائد التي شهدناها خلال أنصاف وأواخر التسعينيّات غير مقنعة. فنسبتها أعلى بكثير من أيّ تقدير موضوعي للمجازفة والتوقّعات، بخاصة أنّ الدولة اللبنانية لم تكن آنذاك مثقلة بدين كبير وأنّ الديون كانت تهدف آنذاك إلى تمويل مشاريع البنى التحتية الأساسية وهي مشاريع تحقق للدولة مردوداً هاماً خلال المرحلة التي تعقب بناءها.

وعليه، علقنا آنذاك في نسبة فوائد مرتفعة جداً لا تبرّرها القواعد المتعلّقة بنسبة المجازفة. وبعد دخول دوامة كهذه، يصبح صعباً الخروج منها من دون تغيير جذري. واصلنا الإستدانة بهذه الفوائد إلى حين أدركنا ابتداءً من سنة 1998 أنّ خدمة الديون السابقة فاقت نسبة عجز الموازنة، أي أنّ الدين الجديد الذي يصدر لتغطية العجز انصبّ كلّه في خدمة الدين، لا في إنفاق استثماري. ووصولنا إلى هذه النقطة يظهر أنّ إيرادات الدولة غير كافية لتقليص الدين، ما يعني أننا وصلنا سريعاً إلى مرحلة الدين غير المستدام. هذا المأزق هو الذي أدّى إلى مؤتمرات دولية لمساعدة لبنان مثل باريس 1 و2 و3. كانت الفكرة أن نكسر الدوامة: وعليه، بدل أن نتديّن بالليرة اللبنانية أصبحنا نتديّن بالدولار، ولم يعد من الضروري الإنحصار بالسوق المحلية بل أصبح يمكننا اللجوء إلى السوق العالمي للدين. فالمنظومة المالية بقيت نفسها ولكن قيمة الفوائد على الدين الخارجي أدنى بكثير. كان يُؤمل آنذاك أن تنخفض كلفة الدين العام تدريجياً تبعاً للاستدانة بفوائد أدنى. ومن هذه الديون، ما يعرف اليوم بالـ"يوروبوند"، وهو المصطلح المستخدم للإشارة إلى إصدارات الديونdebt issuances) ) بعملات أجنبية مع مستثمرين دوليين وليس فقط محليين، علماً أنّ هذه السندات تكون قابلة للبيع في أسواق ثانوية. بالطبع، سندات الخزينة بالليرة اللبنانية هي الأخرى قابلة للبيع، ولكن السوق الثانوي لهذه السندات يبقى محدوداً جداً نظراً إلى قلّة الطلب عليها خارج لبنان، وذلك بخلاف سندات اليوروبوند والتي يتمّ تداولها في السوق المالية العالمية. وتالياً، يتم تقييم هذه السندات نتيجة العرض والطلب في السوق العالمية: "مثلاً معروف أن القسيمة يجب أن تعود ب 100 دولار في آذار 2020، ولكن تم التداول بها قبل شهر من هذا الاستحقاق بحوالي 65 دولار تبعاً لمخاوف عدم قدرة لبنان على دفعها. وعليه، تصبح قيمة هذه السندات مرآة لتقييم السوق العالمي لقدرتنا على تسديد الدين بحيث يشير السعر الحالي إلى أنّه ليس هناك ثقة بأنّ الدين سيسدد.

فضلاً عن ذلك، تجدر الإشارة إلى سوق ثانٍ من الاقتراض والفوائد وهي الفوائد المحلية على الودائع في المصارف والتي لا يمكن فهمها من دون النظر في الفوائد التي يمنحها المصرف المركزي للمصارف مقابل اقتراضه منها. وترتبط هذه الفوائد بالفوائد على الدين العام وأيضاً بالسياسة النقدية التي اتّبعها المصرف المركزي منذ أنصاف التسعينيّات والتي تقتضي بتثبيت سعر صرف الليرة. فلتثبيت سعر الليرة، يجب أن يكون لدى المصرف المركزي مخزون كافٍ من الدولار. ولهذه الغاية، يعرض المصرف المركزي على القطاع المصرفي فوائد مرتفعة على الدولار، فالمصارف بدورها، ومن أجل جلب الإيداعات للإستفادة من الفوائد المتاحة لها مقابل الدولار، تعرض فوائد على ودائع الدولار أعلى من البلاد المجاورة ومن السوقين الأوروبي والدولي. كما تعرض فوائد مرتفعة على ودائع الليرة بهدف إغراء المغتربين اللبنانيين لتحويل أموالهم بالعملة الأجنبية إلى الليرة. وبالتالي تجتذب الدولار وتزيد الطلب على الليرة اللبنانية. ويلحظ أنّ هذه الفوائد أيضاً، التي يعرضها المصرف المركزي على المصارف تحدَّد حسب حاجة السياسة النقدية إلى الدولار، وتُعتمد بالتنسيق مع المصارف على الفوائد التابعة التي تعرضها هي على المودعين، والتي هي أيضاً تتيح نسبة ارباح طائلة للمصارف.

"جردة" الفوائد على الدين العام من جهة والفوائد للمودعين في المصارف من جهة أخرى تبرز الآتي: صحيح أنّ معدّل الفوائد على الودائع مرتفع جداً ولكن لا يزال أدنى بكثير من معدل الفوائد التي تتمتع بها المصارف. بذلك التنسيق، تجني المصارف ربحاً سهلاً يتمثل في الفارق بين فوائد الدين وفوائد إيداعاتها بالدولار لدى المصرف المركزي من جهة، والفوائد على الودائع من جهة أخرى. هكذا تخلّى القطاع المصرفي عن دوره التقليدي من زاويتين: الأولى، انعدام المنافسة في هذا القطاع الذي حلّ بدون أن يحتاج أي مصرف إلى تقليص هذا الفرق بين نسب الفوائد من أجل كسب حصة أكبر من السوق، والثانية، تحرّر المصارف من عبء البحث عن فرص منتجة تستثمر فيها الودائع لديها.

 

المفكرة: ما هي تداعيات مقاربة الفوائد هذه وإلى أيّ حد أدّت إلى الأزمة الإقتصادية التي نعيشها اليوم؟

سلطي: في ظل إمكانية إقراض الدولة بفوائد هائلة أصبح القطاع المصرفي محوريّاً في ما يتصل بشقّين من السياسة الإقتصادية. الشق الأول مالي حيث الدولة لا تصلها إيرادات كافية فتستدين من المصارف لغايات تلبية حاجتها للإنفاق، والشق الثاني نقدي ويرتبط بأولويات المصرف المركزي بتثبيت سعر صرف الليرة. فأصول (assets) المصارف حددتها بشكل أساسي الفوائد المرتفعة على الدين العام، بحيث أنّ المصارف إنجرّت إلى تركيز أصولها في إقراض الدولة والمصرف المركزي بدلاً من أن تؤمّن قيمة أصولها وتخفّض مخاطرها بتنويعها، على أن يكون الفارق بين فوائد الدين والفوائد على الودائع مهماً بل ضخماً تمكيناً لها من حصد أرباح بالقدر نفسه.

عادة، تحقق المصارف أرباحها من إقراض القطاع الخاص وخاصة القطاعات الإنتاجية منه. لكن انعدمت هذه المقاربة في لبنان وأصبح مستحيلاً لأي مشروع إقتصادي أن ينتج مردوداً يضاهي الفوائد على الدين العام، وعليه، خنق نظام الفوائد القطاعات المنتجة مع ما يستتبع ذلك لجهة تقليص فرص العمل. لدينا فائض هائل في اليد العاملة، حيث يدخل حوالي 50 ألف شاب وشابة إلى سوق العمل سنوياً بينما لا نؤمن لهم إلّا عدداً ضئيلاً من الوظلئف الجديدة سنوياً. وفي ظل انعدام فرص العمل اللائقة نتيجة خنق القطاع الخاص في سوق الاقتراض وتثبيت سعر صرف الليرة على قيمة تدعم الاستيراد وتعيق التصدير (وتحدّ بذلك من قدرة الإنتاج المحلي)، تمّ الإتّكال على الهجرة، وخصوصاً عند الشباب. واستمرّت السياسة النقدية لأنها استفادت من التحويلات من الخارج من قبل اليد العاملة المهاجرة، فكانت السياسات النقدية إذاً تدفع الشباب إلى الهجرة. وتجدر الإشارة إلى أنّه لا يمكن التحكّم باستمرار تدّفق الأموال من الخارج طالما أنّها تخضع لعوامل عدة خارجة عن إرادتنا، ومنها سعر النفط والركود في الأسواق كالخليج. وعليه، أحد الأسباب الرئيسية للأزمة اليوم هو التأثير السلبي لهذه العوامل حيث لم يعد مدخول العملات الأجنبية كافياً لاستدامة السياسة النقدية المعتمَدة.

ما وصلنا إليه هو اليوم عبارة عن تراكم ثلاث أزمات: الأزمة الأولى هي انخفاض قيمة العملات الأجنبية المتدفقة إلى لبنان منذ حوالي أربع سنوات، بحيث لم تعد تلبّي احتياجات النظام النقدي السائد وتحديداً تثبيت سعر صرف الليرة، ولا احتياجات الإستيراد كوننا لا ننتج، ولا خدمة الدين بالعملات الأجنبية. وبالرغم من أنّ فوائد الدين بالعملات الأجنبية أدنى من فوائد الدين بالليرة، فإن معدلاتها شهدت ارتفاعاً منذ العام 2000. ويؤدّي عدم توفّر العملات الأجنبية إلى أزمتين إضافيتين: من جهة، أزمة مالية قوامها تراجع ثقة الجهات الدولية المقرضة للبنان في قدرته على تسديد ديونه، مما سيؤدي إلى ارتفاع الفوائد على أيّ دين مستقبلي. من جهة أخرى، أزمة ثقة تزعزع استقرار سعر صرف الليرة بعد انتشار الخوف على قدرة السوق المحلي على الحفاظ على استقرار سعر الصرف وانهيار الثقة في القطاع المصرفي.

يمكن اعتبار "الخطيئة الأولى" أن نقترض محليّاً بفوائد خيالية. وبالرغم من أنّه تسنّت لنا فرص عدّة لنغيّر المسار ونعوّض عن هذه "الأخطاء" عبر اعتماد سياسات بديلة، فإننا لم نقم بذلك. وكل القروض والخطط الإنقاذية السابقة اشترطت إصلاحات لم نحاول حتى الشروع بها. نظامنا الضريبي وإدارته مذريان، ولم نباشر يوماً في إصلاحه (إلّا بإقرار ومن ثم برفع نسب ضرائب تراجعية مثل الضريبة على القيمة المضافة والضرائب على الاتصالات).

من المؤكد أنّ الفوائد أدّت دوراً هاماً في نشوب الأزمة ولكنها تبقى جزءاً من سياسات مالية ونقدية أكبر. فقد سمح النظام المالي النقدي للمصارف أن تحقق أرباحاً هائلة على حساب القطاع الخاص وسائر القطاعات المنتجة. واستمرارنا باعتماد هذه السياسات بالرغم من كل تداعياتها أدّى إلى تحوّل الإقتصاد إلى ريعي،  والإقتصاد الريعي يستلزم كمية دولار أكبر كوننا نستورد جميع احتياجاتنا. الأزمة التي تحصل الآن كان يمكن أن تنفجر في السنوات الماضية، ولكن حصلت اليوم بسب تفاقم أزمة الثقة بين الناس والقطاع المصرفي على الصعيد المحلي، وبين الدولة والجهات الدائنة على صعيد دولي.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 64 | نيسان 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

قبح النظام في مرآة المصارف