بتاريخ 15 حزيران 2019، عقد كل من عبدالله سلام وماري-جو أبي ناصيف زواجاً مدنياً في قصر سرسق في بيروت. وقد صادق على العقد الكاتب العدل جوزف بشارة. تميّز هذا الزواج بأنّه الأول من نوعه منذ توقفت وزارة الداخلية عن تسجيل الزيجات المدنية المعقودة في لبنان بقرار من الوزير السابق نهاد المشنوق، بعد أن سجّلت عدداً من هذه الزيجات قبل ذلك. كما تميّز لجهة أنّه أول زواج مدني على الأراضي اللبنانية يتم عقده بشكل احتفالي ولجهة أنّ الزوجين حقوقيان عملا في قضايا الأحوال الشخصية. وبذلك، أتى هذا الزواج – مع السجال القانوني الذي أعاد إحياءه -  ليتوجّ عملهما البحثي ونضالهما الحقوقي.

 

المفكرة: في حال تم رفض طلب تسجيل زواجكما، ما هي خطواتكم التالية؟ هل تفكرون في اللجوء إلى القضاء؟

الزوجان: أولاً، لا يوجد أي رفض خطّي أو حتى شفهي لطلب تسجيل عقد زواجنا. وزارة الداخلية تعتمد سياسة السكوت المطلق والتهرّب من المسؤولية. لقد عقدنا زواجنا في 15 حزيران 2019، وفي 18 حزيران تم تسجيل العقد في سجل الواردات في وزارة الداخلية وتم منحه رقماً وختماً كما تم توقيعه من الوزارة. يمكن أن تجدوا ختم وزارة الداخلية على عقد زواجنا المدني. وبالتالي، سنداً للمادة 21 من القرار 60 ل.ر.، على وزارة الداخلية أن تسجّل عقد الزواج خلال 24 ساعة. حتى اليوم، لم تقم الوزارة حتى بنقل عقد زواجنا من سجل الواردات إلى سجل التنفيذ الذي على أساسه يتم إصدار إفادات الزواج، علماً أن هذه المعاملة هي معاملة إدارية بحت ولا يحق لوزارة الداخلية النظر في قانونية الزواج.

هنالك إذاً مخالفة إدارية إضافة إلى التعدّي على حقوق مدنية ودستورية من قبل وزارة الداخلية. وطبعاً، سنتّخذ الخطوات القانونية المتاحة لإيقاف هذه المخالفة وهذا التعدّي. وهذه الخطوات ستكون أمام القضاء اللبناني بطبيعة الحال، ويمكن أن نتوجّه إلى القضاء المدني أو القضاء الإداري. ولن نكتفي بالقضاء اللبناني بل سنرفع شكوى دولية ضد وزارة الداخلية وتحديداً أمام مكتب المفوّض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة.

العقد الذي وقعناه قانوني وصحيح وساري المفعول مما يعني أننا متزوجان قانوناً في لبنان، والمخالفة التي ترتكبها وزارة الداخلية هي مخالفة تتمثل بحجب الإفادات وهي مستقلة عن العقد ولا تكوّنه. بالتالي لا نرى أية حاجة لإنشاء أي عقد أو أي زواج آخر.

 

المفكرة: هل أنتم على تواصل مع الأزواج الذين عقدوا زواجاً مدنياً على الأراضي اللبنانية قبلكم؟ هل هنالك أي تنسيق بينكم؟

الزوجان: ليس التعدّي الذي ارتكبته وزارة الداخلية علينا فقط كعبدالله وماري-جو، ولا على اللبنانيين الذين مارسوا حقهم في الزواج المدني على الأراضي اللبنانية ولم تكمل وزارة الداخلية تسجيل زيجاتهم المدنية، إنما هو تعدّ على جميع اللبنانين. فالمسألة تتعلق بحقوق دستورية وقانونية إذ يحق لكلّ لبناني ممارسة حقه الدستوري في شطب إشارة الطائفة من السجلّات الرسمية. وبالتالي، فإن كل اللبنانيين الذين عمدوا إلى شطب الإشارة إلى الطائفة، ووصل عددهم إلى 10 آلاف لبناني، لا يمكنهم إلّا عقد زواج مدني لأن أي عقد زواج آخر لا مفاعيل قانونية له. لذلك، رغبنا أولاً بتوضيح أنّ المجموعة المعنيّة بالدرجة الأولى لا تقتصر على اللبنانيين الذين حاولوا الزواج مدنياً في لبنان، لأنهم تزوّجوا وعقودهم سارية المفعول. لكن المشكلة تكمن في تسجيل الزيجات. بالتالي فالمجموعة المعنية تشمل كل اللبنانيين الذين شطبوا طائفتهم وبشكل أوسع جميع اللبنانيين الذين يتمتعون بحق شطب الطائفة عن سجلاتهم وهم معنيّون بأن يطبق القانون.

ثانياً إننا على تواصل مع أزواج آخرين، فإنني (يقول عبدالله) أعرف خلود سكرية ونضال درويش شخصياً ونحن على علاقة قوية لأنّي كنت من المجموعة القانونية التي ساندت الزواج المدني الأول الذي أبرم في لبنان كما أنني حضرت حفل زفافهم، ونحن دوماً على تواصل.

 

المفكرة: غالباً ما تلجأ المراجع الطائفية إلى المادة 9 لإنكار صحة الزواج المدني. ما هي قراءتكما لهذه المادة؟

الزوجان: أولاً، إنّ قانونية الزواج المدني المعقود في لبنان هي مسألة محسومة وثابتة. فالهيئة الإستشارية العليا في وزارة العدل حسمت الجدل في عام 2013، وذلك بإجماع القضاة. وقد تكرّست قانونية هذا الزواج عندما سجّلت وزارة الداخلية عدداً من عقود الزواج التي عقدت في لبنان. وقد أكدت الهيئة على أنّ القانون الذي يرعى وينظم عقود الزواج المدني من ناحية المفاعيل الشخصية أو المالية هو القانون الذي يحدده الطرفان في العقد. كما أكدت على اعتبار كتّاب العدل المرجع المختص لختم هذه العقود المدنية وتصديقها. وأكدت على أنّ القضاء العادي المدني هو القضاء المختص للبت في النزاعات الناشئة عن عقود الزواج المدني التي عقدت في لبنان أو خارجه. هذه مسألة بالغة الأهمية لوجود ممارسة وحسم من قبل مؤسسات الدولة ولا بد أن تحترم وزارة الداخلية ذلك. فلا يمكن أن تكون الممارسة إستنسابية وتعسفية كما هي الحال الآن. فالقوانين لم تتغير، إنما المسألة الوحيدة التي تغيّرت هي وزير الداخلية وإستلام نهاد المشنوق الوزارة، ومن ثم جاءت ريا الحسن وأكملت مسيرة المشنوق.

ثانياً، تبدأ المادة 9 بتكريس حرية الإعتقاد المطلقة وهذا الحق الوحيد الذي منحه المشترع الصفة المطلقة، فلا حق آخر إن كان في المادة 9 أو في غيرها من مواد الدستور تتمتع بالصفة المطلقة (absolue). هذه الصفة المطلقة تعني أنّ لهذا الحق قيمة عليا ولا يوجد أي حق أو مصلحة أخرى يمكنها أن توازيه أو تطغى عليه. وبما أنّ حرية المعتقد مطلقة، بالتالي لا يمكن لأحد أن يكره على عقد زواج يخالف اعتقاده فلا يمكن إكراه مواطنين لبنانيين على عقد وزاج ديني في حين أنّ ذلك يخالف معتقداتهم. إضافة إلى ذلك، ما تذكره المادة 9 لاحقاً هو مجرد إحترام الأديان والمذاهب وإحترام نظام الأحوال الشخصية. واستعمال كلمة "إحترام" ملفت فالدولة اللبنانية لم تسلّم سيادتها ولم تتخلَّ عنها لحساب الطوائف التي تتمتع بصلاحية محددة، ترتبط حصراً بالمواطنين المسجّلين إدارياً ضمن الطائفة المذكورة. بالتالي بما أننا، أنا وماري-جو، مواطنان شطبنا قيدنا الطائفي عن السجلات الرسمية فلا يكون للطوائف حقوق علينا. فالطائفة السنّية لا تتدخل بزواج شخصين من الطائفة المارونية، ولا تتدخل بكركي بتسجيل زواج الدروز. ويقتضي العمل بالمبدأ نفسه بالنسبة للأشخاص الذين شطبوا قيدهم الطائفي ووقعوا عقد زواج مدنياً. فليس للطوائف أي علاقة في متابعة سير تسجيل الزواج. الدستور يكفل حقوق الجماعات أي الطوائف كما أنه يكفل حقوق الأفراد. حقوق الطوائف التي تشملها المادة 9 كانت لتشكل إشكالية في حالتين: الأولى، طرح الزواج المدني الإلزامي، والثانية، أن نكون مواطنين لبنانيين مسجّلين في سجلات الطوائف ونعقد زواجاً مدنياً، إذ يمكن عندئذ الحديث عن تضارب الصلاحيات أو السلطة. إلّا أنّنا وبشطب إشارة الطائفة فإن ما ذكرته المادة 9 حول إحترام حقوق الطوائف لناحية تنظيمها للأحوال الشخصية لا يعنينا.

ثالثاً، يجدر التنويه بعدد من المواد الدستورية إلى جانب المادة 9 من الدستور التي ارتكزت عليها هيئة الإستشارات العليا في وزارة العدل عندما حسمت قانونية الزواج المدني منها أنّ الدستور اللبناني أدرج صراحة في أحكامه الأساسية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. يضاف إلى ذلك أنّ القانون الذي ينظم الأحوال الشخصية للأشخاص الذين لا ينتمون إدارياً إلى طائفة هو القرار رقم 60 ل.ر. وهو قانون تشريعي وحيد لا يوجد غيره في هذا الشأن وهو ينص على خضوع شاطبي الإشارة إلى القانون المدني بالأمور المتعلقة بأحوالهم الشخصية.   

 

المفكرة: ما هو البعد الأيديولوجي الذي تطرحه حركتكم في حال وجوده؟ هل تشكل سنداً لمبادئ حرية المعتقد؟ أم الحريات الفردية؟ أم تأتي أكثر في إطار تعزيز المواطنة؟

الزوجان: إنّ عقد الزواج الذي أبرمناه، وهو قانوني صحيح وساري المفعول وملزم، وليس مجرد خطوة رمزية أو رسالة أو مجرد موقف أيديولوجي. ولكن من ناحية أبعاد هذه الخطوة فإن الهدف منها هو المساهمة في تحقيق دولة مدنية وترجمة أحكام الدستور اللبناني إلى واقع. الدولة المدنية هي دولة تحفظ حقوق الأفراد والجماعات، وهي دولة مواطنين متساوين وأحرار. طبعاً الهدف هو تعزيز المواطنة التي نعتبرها مرتبطة وغير منفصلة عن فكرة الحريات الفردية التي تشمل حرية المعتقد وحرية الضمير وهي تشمل أيضاً مفهوم المساواة. نشدد على فكرة المساواة لأن الزواج المدني على عكس الزواج الديني في لبنان يضمن المساواة بين المرأة والرجل، بينما لا تؤمّن القوانين الطائفية للأحوال الشخصية والمحاكم الدينية، شرعية كانت أم روحية، الحدّ الأدنى من المساواة للمرأة وهذا الأمر موثّق في حالات عدّة.

من المؤسف والمعيب أن تقوم أول إمرأة وزيرة للداخلية بعرقلة تطبيق هذا القانون. فهذه العرقلة لا تعتبر مخالفة قانونية وحسب، بل تشكّل تعدّياً على حقوق المرأة وعلى الحق في المساواة.

 

المفكرة: تميّز زواجكما بمشهدية العرس اللبناني التقليدي، بعكس سائر الزيجات المدنية. لماذا؟ كيف أتت هذه الفكرة وما هي الإضافة التي قدمتها لهذه القضية؟ 

الزوجان: أحببنا الاحتفال بعقد زواجنا بين أهلنا وأصدقائنا، وأن نكرّس إلتزامنا المتبادل علناً ليتمكّن الجميع من مشاركتنا حبنا وفرحتنا. نحن فخورون بخيارنا بممارسة حقوقنا المدنية ونتمنى أن تكون مشهدية العرس قد أظهرت الجانب الإنساني والوجداني لزواجنا، وساهمت في كسر جدار التخويف.

 

نشر هذا المقال في العدد | 63 |  آذار 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

أربع جبهات للنساء ضدّ التمييز والعنف