بعد سنوات من السبات العميق، عادت القضايا الإقتصادية والمالية إلى واجهة النقاش العام، مدفوعة بسبب رئيسي وهو تأثير الأزمة على الجميع واستحالة تجاهلها. هذا التعطّش للفهم تغذّيه عشرات المقالات والسجالات المتلفزة. وعلى الرغم من إيجابيته، لا ينبغي أن يجرّنا إلى الوقوع في الفخّ المعاكس المتمثل في الاعتقاد بالطبيعة التّقنية البحتة لفهم المأزق الخطير الذي تمرّ به البلاد. هذه اللحظة تاريخية بكل ما للكلمة من معنى، والخيارات سياسية في جوهرها. وعلى كل مواطن لبناني أن يعي هذه القضايا، بما هو أبعد من تعقيدات التحليلات الاقتصادية والمالية. وكذلك على كل مسؤول سياسي تحمّل مسؤوليته، حتى تأخذ هذه الكلمة معناها الكامل.

يمكن تلخيص هذه التحدّيات في بديل بسيط للغاية: إمّا أن يتخذ لبنان جماعياً خيار إجراء تطهير وتعقيم مالي جذري يقوم على توزيع عادل للخسائر، وهو الخيار الوحيد القادر على إعادة الحياة إلى الاقتصاد والمجتمع، وتحقيق الطموح بجعله مركزاً عالمياً للابتكار والتنافسية؛ أو الغرق في حلقة مفرغة من التضخّم المفرط وانخفاض قيمة العملة والبطالة والهجرة.

استمرّت المنظومة السياسية على مدار سنوات في تأخير الاستحقاق الناجم عن الأزمة، وفوّتت فرص الاستفادة من تدفّقات السيولة الاستثنائية، والذي لم ينجم عنه سوى زيادة الكلفة الاجتماعية لصالح طبقة من المحظيين مرتبطة بالأوليغارشية المتحكّمة بالسلطة. واليوم، ومع كلّ يوم يمرّ، تزيد الخسائر بشكل كبير. وقد حان وقت اتخاذ القرارات التي ستكون مؤلمة للغاية، لأن التحدّي لم يعُدّ لإنقاذ جيلنا بل لإعطاء فرصة للأجيال المقبلة.

يجب إدراك حقيقة مُحدّدة وهي أنّ المعادلة ليست لعبة من ربح ومن خسر.

في السيناريو الأوّل، أي الخروج من الأزمة من الأعلى، يتم توزيع الخسائر فوراً، وتكون الأولوية بإلقاء الثقل على فئات محدّدة تضمّ حاملي سندات اليوروبوند ومساهمي المصارف أولاً، ومن ثمّ كبار المودعين، وكذلك المستفيدين من نظام الزبائنية. وفي حال تمّت إدارة التطهير المالي بشكل جيّد من قبل الدولة بما يعيد الثقة في مؤسّساتها، من المرجّح أن تستفيد هذه الفئات نفسها من الانتعاش الذي ينتظر أن ينتج عنها. في السيناريو الثاني، تسمح محاولات جدولة الخسائر بالهروب من تحمّلها أو تحمّل جزء منها (مثلاً كأن يتمّ الدفع لحاملي سندات اليوروبوندز وإعطاؤهم الأولوية على غيرهم، أو السماح للمودعين الكبار بنقل رؤوس أموالهم إلى الخارج، كما حصل سابقاً  مع ودائع ائتمانية بقيمة 1.6 مليار دولار)، في حين، يترك باقي السكان ينزفون ببطء وبثبات، ما يمهّد الطريق لعمليات الانقضاض على سلسلة كاملة من الأصول. لا شكّ أن الاضطراب والانهيار اللاحقين بالدولة، في ذلك السيناريو، سيؤديان إلى تعقيد أي احتمال للانتعاش.

 

لبنان لا يواجه أزمة بل مجموعة أزمات حادّة وشديدة

لا بدّ قبل كل شيء فهم طبيعة الأزمة. فرغم أنّ الجميع تأثّروا بفقدان القوّة الشّرائية لليرة التي انخفضت بأكثر من 60% أو بحجب مدّخراتهم في البنك عنهم، من المهمّ معرفة السبب الحقيقي وراء الإنهيار الكبير في قيمة العملة والنقص في السيولة.

 

أزمة على مستوى ميزان المدفوعات

الأزمة هي أولاً وقبل أي شيء آخر، على مستوى ميزان المدفوعات. وهذا يعني أنّ الاحتياجات التمويلية للاقتصاد لم تعُدْ كافية. فقد بلغ العجز في ميزان المدفوعات 9.1 مليار دولار في العام 2019، ونحو 22.3 مليار دولار خلال الفترة المُمتدّة بين العامين 2011 و2019، بعدما حقّق فوائض بلغت 27.5 مليار دولار بين العامين 1993 و2010.

تُترجم الاحتياجات الهيكلية للتمويل بعجز قياسي في الحساب الجاري بلغ 22% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2018 (بلغ ذروته في العام 2014 حين سجّل 25% من الناتج المحلي الإجمالي). وبين العامين 2002 و2018، بلغ العجز في الحساب الجاري نحو 7.1 مليار دولار كمعدّل وسطي سنوي، وتمّت تغطيته بتدفّقات رأسمالية من الخارج بلغت نحو 5.3 مليار دولار كمعدّل وسطي. أمّا الفرق بين الرقمين فهو مجمل ما دفعه المصرف المركزي للحفاظ على سعر الصرف. لكن استمرّت التدفّقات الرأسمالية بالانخفاض إلى أن جفّت بالكامل تقريباً، على الرغم من كلّ محاولات المصرف المركزي إعادة تنشيط ضخّ الدولار. وفي غياب تدفّقات العملات الأجنبية الجديدة أو الطازجة، لم يعد لبنان قادراً على تأمين وارداته أو الدفع للدائنين الأجانب أو الدفاع عن سعر صرف الليرة.

 

أزمة على مستوى سعر الصرف

يعدّ الانخفاض السريع في قيمة العملة الوطنية أحد أكثر أعراض الأزمة وضوحاً. فبعدما كان سعرها ثابتاً عند 1500 ليرة مقابل الدولار لسنوات، فقدت هذه العملة أكثر من 60% من قيمتها في السوق الفعلية. ويشكّل هذا الإنهيار النتيجة المباشرة لعجز المصرف المركزي عن تحريك ما يملكه من أصول لضخّ العملات الأجنبية في سوق القطع، وبالتالي دعم العملة المحلّية التي تعدّ واحدة من أكثر العملات المقيّمة بأعلى من قيمتها الفعلية في العالم. وهذه هي النتيجة المباشرة لأزمة ميزان المدفوعات، إذ من المفترض أن تعكس قيمة العملة توازناً بين العرض والطلب، تحدّده قدرة الاقتصاد على توليد العملات الأجنبية، بدليل انفجار الطلب على الدولار بمجرد توقّف أو تجفيف تدفّقات العملات الأجنبية.

 

أزمة ديون

يعدّ هذا الجانب من الأزمة الأكثر شهرة. وقد طغا على الأزمتين الأساسيتين المذكورتين أعلاه لسنوات طويلة. لكن تمّ التذرّع بـ "مرونة" النّموذج الاقتصادي اللبناني في كثير من الأحيان للتصدّي للتحذيرات من عدم استدامة الدين العام وعجز الموازنة. فلم تؤخذ الجهود المبذولة لتعديل المالية العامّة على محمل الجدّ. في الواقع، أمكن إعادة تمويل الديون مهما تزايدت، طالما استمرّ تدفّق الرساميل من الخارج في تغذية البلاد. وكانت التكلفة باهظة على الاقتصاد، إذ استنزفت خدمة الدين العام نحو 38% من إيرادات الدولة (بما فيها ما يسمّى بإيرادات "الخزينة" وفقاً لتصنيف وزارة المالية)، وأدّى التمويل السهل والريعي إلى تدمير الاستثمارات المنتجة. وبمجرد تراجع هذه التدفّقات توقّفت هذه الآلية. بعبارات أدقّ، بات المصرف المركزي يستنفد احتياطاته لتمويل الخزينة. والواقع، أنّه لولا التمويل الذي وفّره مصرف لبنان، لكانت الخزينة أعلنت إفلاسها في الربع الثالث من العام 2018.

كان المصرف المركزي يحمل نحو 40% من ديون الدولة في العام 2019، في مقابل 20% تحملها المصارف بعدما كانت حصّتها تبلغ 77% في العام 2007. على مدى سنوات، وللحفاظ على ربحيّتها، خصّصت المصارف ودائعها لتمويل العقارات، فيما تولّى مصرف لبنان تمويل الدولة متكبّداً خسائر تضاف إلى العجز العام، كونه الملاذ الأخير للدولة، وبالتالي يتحمّل دافعو الضرائب خسائره.

 

أزمة على مستوى الموازنة

تعاني موازنة الدولة من عجز هيكلي غير مستدام بالنظر إلى نسبته من حجم الاقتصاد. فتمويل هذه العجوزات يفترض أنّ الدولة ستستدين، لكن مستوى الدين وخدمته (أي الفائدة المترتبة عليه) باتا يغذّيان العجز وبالتالي الديون. إنه تأثير كرة الثلج لديون مفرطة لم يعُدْ بالإمكان إيقافها. قبل اندلاع الأزمة، قدّرت "كلّنا إرادة" أن تكون نسبة تعديل الموازنة الأولية (من دون خدمة الدين) من أجل استعادة ديناميكية مستدامة للديون، بحدود 5%. ومع ذلك، يعدّ هذا التعديل، من حيث الحجم، مستحيلاً. ومن هنا كانت النتيجة التي تم التوصل إليها قبل أشهر بأن الطريقة الوحيدة لإيقاف الحلقة المفرغة للعجز والديون تكمن في معالجة خدمة الدين. خصوصاً أن الأرقام المعلنة عن الدين مقيّمة بأقل مما هي عليه فعلياً، بسبب نقل عبء الدين إلى المصرف المركزي، ما يخفي بالتالي جزءاً كبيراً من تكلفته.

يفترض تخفيض خدمة الدين، إعادة هيكلته. لقد حُجب هذا الخيار عمداً خلال النقاش حول إصلاحات الموازنة، التي ركّزت على جوانب مهمّة أخرى ولكنها غير كافية بشكل واضح. تنطلق أزمة الموازنة من كون تحصيل الإيرادات غير كافٍ وغير عادل، فيما الإنفاق العامّ غير فعّال ولا يتضمّن أي رؤية اقتصادية واجتماعية متماسكة، فضلاً عن تنامي الهدر والفساد. تعمل موازنة الدولة بشكل عامّ على إعادة توزيع الدخل بشكل عكسي بدلاً من أن يكون تنازلياً، فهي الأداة الرئيسية لتزويد شبكات الزبائنية والمسؤولة من خلال عدم فعالية الإنفاق العام عن نقص الاستثمار في البنية التحتية الاقتصادية (الكهرباء والطرق والاتصالات والصرف الصحي والنفايات، الخ...) والاجتماعية (التعليم والصحة، الخ...) والتي تعدّ أبرز ركائز الاقتصاد المنتج.

المثال الأكثر استخداماً هو الدعم المقدّم إلى مؤسّسة كهرباء لبنان، التي ترعى بدورها شبكات من المصالح (عقود شراء الوقود وعقود صيانة محطّات الطاقة وعقود البواخر ومحطّات الطاقة الجديدة، وغيرها) بتكلفة كبيرة على الموازنة العامة في ظل سجل حافل من عدم الكفاءة في توفير خدمة عامة أساسية.

 

أزمة مصرفية

يعتمد النموذج الاقتصادي في القطاع المصرفي على إقراض الودائع للحكومة والمصرف المركزي. وحالياً، هناك نحو 67% من أصول المصارف معرّضة لمخاطر سيادية (13% في الخزينة، 54% في مصرف لبنان، في مقابل 20% في القطاع الخاص). وهو ما يعبّر أيضاً عن هشاشة هيكلية ازدادت خطورتها في السنوات الأخيرة. ففي العام 2007، كان الانكشاف على المخاطر السيادية يطال 46% من الأصول (26% في الخزينة و24% في الدولة، في مقابل 22% في القطاع الخاص). هذا الإنكشاف معروف منذ فترة طويلة. لكن لم يتم الكشف عنه إلا خلال أزمة السيولة الأخيرة، خصوصاً أن استمرار تدفّق الأموال الطازجة من الخارج لتغذية النظام ساهم في إخفاء عجوزاته. نشأت أزمة السيولة بسبب ندرة التدفّقات الرأسمالية وأدّت إلى ظهور أزمة ملاءة مالية. فبالإضافة إلى التعرّض إلى المخاطر السيادية، يجب أخذ مطالبات القطاع الخاص في الاعتبار المتضرّر بشدّة من الأزمة الاقتصادية، فانفجرت حصة الديون المعدومة.

تتجلّى أزمة السيولة في القيود المفروضة على المودعين والمدينين. في الأوقات العادية، يكون الأمر متروكاً للمصرف المركزي، بوصفه الملاذ الأخير، للتدخّل وضخّ السيولة اللازمة لإعادة تشغيل دائرة الإئتمان أو منح القروض. في حالة لبنان، يعدّ هذا التدخّل مستحيلاً، لأن الأزمة هي قبل كل شيء أزمة سيولة بالعملات الأجنبية، في حين لا يطبع مصرف لبنان الدولارات. والأسوأ من ذلك، أن المصارف وضعت ما يقارب 75 مليار دولار في المصرف المركزي، وهو ما يمثل 65% من ودائعها بالعملة الأجنبية، فيما مصرف لبنان غير قادر على سدادها، لأن التزاماته بالعملات الأجنبية أعلى من هذه المبالغ (تعود هذه الأرقام إلى نهاية أيلول 2019، وقد تغيّرت منذ ذلك الحين). لا يقلّ عجز المصرف المركزي بالعملات الأجنبية عن 20 مليار دولار، وهو ما يشكّل أكثر من 35% من الناتج المحلّي الإجمالي وفقاً لتقديرات متحفّظة للغاية. عملياً هذه إحدى خصوصيات الأزمة اللبنانية، التي تعكس انكشاف البلاد أمام الخارج، على الرغم من أن جزءاً كبيراً من الديون يمكن تسويته داخلياً. لكن طالما لم تتم إعادة هيكلة هذه الديون لن يتمكّن الاقتصاد اللبناني من العمل بشكل جيّد مجدّداً، خصوصاً أنه مع كلّ يوم يمرّ من دون إيجاد حلّ للأزمة، يتوسّع هذا "الثقب". والجدير ذكره، أنّه قبل بدء الهندسات المالية التي صمّمت لـ"كسب الوقت"، كان هذا العجز يبلغ 5 مليارات دولار فقط، وهو رقم كبير بالمقارنة مع المعايير المفترض اتباعها. فمن حيث المبدأ بمجرّد اقتراب احتياطات النقد الأجنبي في المصرف المركزي من النفاذ، يجب وضع سياسات لحماية احتياطات العملات الأجنبية فوراً من خلال تخفيف تبديل العملات، على أن يترافق ذلك مع شبكات أمان اجتماعي للتخفيف من تأثير التدهور السريع في القوة الشرائية.

 

أزمة اقتصادية واجتماعية

أثّر تجفيف السيولة بالعملات الأجنبية على الاقتصاد، وذلك بعدما كانت على مدار سنوات الوقود الرئيسي لنموذج الريع الخارجي، وهو ما يعني أنّ الانهيار سيكون كبيراً. في الواقع، لا يعود تاريخ تجفيف السيولة إلى 17 تشرين الأول الماضي، بل إلى ما قبل ذلك بأشهر. وقد تمظهر ذلك بداية في تخفيض القروض الممنوحة إلى القطاع الخاص، ما أثّر على القروض العقارية ولاحقاً على القروض التجارية (انخفضت القروض إلى القطاع الخاص بنسبة 6.28% بين 2016 وأيلول 2019 في حين ارتفعت الموازنة العمومية الموحّدة للمصارف بنسبة 28.3% خلال هذه الفترة). وبعد اندلاع الأزمة، تُرجم ذلك بوقف تامّ لجميع القروض وهو ما كان له تأثير فوري في خنق قطاعات كاملة من الاقتصاد، سواء الخدمات أو التجارة أو الزراعة أو الصناعة. كذلك سجّلت حالات إفلاس وتسريح من الوظائف وخفض أجور هائلة. فوفقاً لدراسة أجرتها Infopro، تم تسريح 220 ألف شخص، فيما قامت نصف الشركات التي شملها الاستطلاع بخفض الأجور بنسبة 40%، فيما خفضت ثلث الشركات كتلة الرواتب بنسبة 60% وأفلس نحو 12% من الشركات.

بالاستناد إلى منظار مالي بحت للوضع، من الواضح أن تخفيض الاستيراد، تحت تأثير تجفيف السيولة، يقلّل من الاحتياجات المالية للاقتصاد. لكنه ينطوي على آثار اقتصادية واجتماعية كبيرة، لأن جميع القطاعات التي استمرّت بفضل ميل اللبنانيين إلى الإنفاق، بما يتجاوز قدراتهم على ذلك، ستقلل من أنشطتها أو تختفي، علماً أن هذه القطاعات تشكّل جزءاً كبيراً من الاقتصاد البناني وتحديداً رأس المال والوظائف. في الواقع، هذا التغيير الشرس في أنماط الاستهلاك ليس أمراً يسهل قبوله من الجميع وبالتالي من يملك خيار المغادرة سيغادر.

هذا التعديل يعني أيضاً المراهنة على انتعاش الاقتصاد عن طريق استبدال الاستيراد بالإنتاج المحلي. لكن هذا النوع من الانتقال لا يحدث بين ليلة وضحاها، خصوصاً أنّ القروض متوقفة بشكل عشوائي في ظل غياب أي سياسة عامة. على سبيل المثال، ستعاني القطاعات الإنتاجية النادرة مثل الصناعات الزراعية في الأشهر المقبلة من القيود المفروضة على استيراد المواد الخام والسلع الوسيطة اللازمة التي تدخل في عملية الإنتاج. لكن حتى لو بقيت القروض مُتاحة، يحتاج لبنان إلى تجديد مخزون أصوله الإنتاجية التي تأثّرت على مدار سنوات من مزاحمة الإستثمارات لصالح تعزيز المضاربات العقارية والمصرفية، وكذلك المحافظة على رأسماله البشري، خصوصاً أن أقلّ من نصف السكّان العاملين لبنانيون، ومن المحتمل أن يغادر جزء كبير من القوى العاملة الأجنبية نتيجة صعوبة عثورهم على العملات الأجنبية لتحويلها إلى أسرهم في الخارج. في المقابل، يعمل جزء كبير من اللبنانيين، الذين لديهم وظائف، في القطاع العام مع إنتاجية منخفضة للغاية، لأن هذه الوظائف مماثلة للبطالة المقنّعة، فهي إلى جانب طابعها الزبائني، تعدّ بمثابة دعم حكومي. أخيراً، تتأثّر الإنتاجية الإجمالية للسكّان الناشطين بانخفاض مستوى التعليم واستمرار الهجرة. منذ نهاية الحرب، وكمعدّل وسطي، يهاجر نصف الفوج الجديد الذي يبلغ سن العمل. وتسارعت هذه الحركة في السنوات الأخيرة، بحيث بلغ صافي الرحلات المغادرة نحو 61.294 في الأشهر الـ11 الأولى من العام 2019 في مقابل 41.766 خلال الفترة نفسها من العام السابق وفقاً للدولية للمعلومات، وهو ما يشكّل زيادة بنسبة 42%. وفقاً للبنك الدولي، انخفض مؤشّر رأس المال البشري في لبنان، بين العامين 2012 و2017، من 0.56 إلى 0.54، وهو أقل من المتوسّط الإقليمي ومن المعدّل في البلدان ذات شريحة الدخل المماثلة. بالنسبة للأداء التربوي في لبنان، فهو يستند إلى أسطورة أكثر منها إلى حقيقة. فوفقاً لتقرير PISA في العام 2018، بلغ متوسّط الأداء في المواد العلمية للتلاميذ الذين تبلغ أعمارهم 15 عاماً نحو 384 نقطة في لبنان بالمقارنة مع 489 نقطة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ووفقاً للبنك الدولي، أنهى 52% فقط من التلاميذ الذكور الدراسة الثانوية في العام 2012 في مقابل 66% للفتيات.

 

كيف وصلنا إلى هنا؟

لم تحلّ الأزمة صدفة، بل أتت نتيجة للسياسات العامّة والميل الجماعي نحو الإيمان بأسطورة المعجزة اللبنانية التي تقوم على كون هذه البلاد لا تنتج شيئاً ولكن على الرغم من ذلك تتدفّق إليها عوائد مالية باستمرار.

في الواقع، الأزمة هي نتيجة خيارات جماعية، سواء فُرِضت فرضا أم نتجت عن عملية ديمقراطية، وهذا موضوع نقاش آخر، ولو أنّ القراءة السياسية لهيكلية السلطة في لبنان تظهر بوضوح غلبة الاتجاه الأوّل أي فرض الخيارات الجماعية. في الواقع، تهيمن طبقة أوليغارشية على النظام، وهي مؤلّفة من قادة المجتمع الذين يحافظون على سلطتهم من خلال نظام معقّد للاستيلاء على الموارد العامّة وإعادة توزيعها. وفي هذا السياق، يتبيّن أن الموارد العامة ضعيفة، وتستمر قدراتها الإنتاجية بالضعف، وهي تعتمد بشكل أساسي على الريع الذي يتأتى بشكل أساسي من التحويلات الرأسمالية الضخمة التي يرسلها اللبنانيون (وغيرهم) المقيمون في الخارج، وفي الاقتصاد تحتسب كديون للخارج.

بين العام 1997، تاريخ تثبيت سعر الصرف، والعام 2018، تم إنفاق 16 مليار دولار فقط من الموازنة العامّة على الاستثمارات، في مقابل 76 مليار دولار على خدمة الدين، أي على عوائد رأس المال، أو بمعنى آخر الريع والمضاربة.

وتتمثّل الأدوات الرئيسية لهذه السياسة العامّة بسياسة سعر الصرف الثابت وهيكلية سعر مرتفع للفائدة والسرّية المصرفية والضرائب الزهيدة على دخل رأس المال ودعم أسعار العقارات والتخفيض أو حتى إلغاء الرسوم الجمركية لتوفير استهلاك رخيص.

ويمكن تلخيص التأثير التراكمي لهذه الخيارات في السياسة العامّة بطريقتين: تدمير القدرة التنافسية الشاملة للاقتصاد اللبناني والزيادة الهائلة في انعدام المساواة الاجتماعية من خلال التحويلات الضخمة في الدخل والثروة. وفي هذا السياق، تشير ليديا أسود في دراسة حول انعدام المساواة إلى أن نحو 3 آلاف شخص يحقّقون دخلاً يساوي دخل نحو 50% من اللبنانيين.

يعدّ إفلاس النموذج، الذي رسا منذ انتهاء الحرب الأهلية، الأكبر منذ نهاية التسعينيات. واتُخذ خياران للحفاظ عليه على الرغم من كل الصعوبات والتحدّيات وذلك من خلال الديون بالدولار والحفاظ على سعر الصرف. وكان لكلّ منهما تأثير في توسيع العجوزات الهيكلية التي تفاقمت منذ ذلك الحين.

تعطّل هذا النموذج مرّات عدّة، لكن تم إنقاذه في كلّ مرة من خلال حقن السيولة الخارجية الاستثنائية، خصوصاً في العام 2002، أثناء مؤتمر باريس 2 ودعم المجتمع الدولي للبنان، أو بعد العام 2008 عندما تخلّى العديد من اللبنانيين المهاجرين عن المراكز المالية الدولية في عقب الأزمة المالية العالمية ووظّفوا أموالهم في لبنان الذي كان يقدّم فوائد طائلة. لكن منذ العام 2011، توقّفت مضخّة الدولار عن العمل وبدأ العجز بالارتفاع.

لإعادة تنشيط النموذج، ضاعف حاكم المصرف المركزي الهندسات المالية المكلفة والمبهمة، لكن من دون جدوى. أمّا  آخر محاولة لإنقاذ هذا النموذج غير المستدام فكانت خلال مؤتمر سيدر الذي نظّم في باريس في نيسان 2018، حين تمّ الاستناد إلى وعد بتقديم قروض مدعومة مقابل إجراء إصلاحات هيكلية وتعديلات طموحة في الموازنة، لكن مرة أخرى مع تجاهل حقيقة جوهر المشكلة، أي العجز الهيكلي في ميزان المدفوعات. وقد اتّسمت هذه الخطّة بعيب أصلي، وهو الاعتماد على قدرة السلطة القائمة على إصلاح نفسها، والذي كان بطبيعة الحال رهاناً خاسراً.

 

كيف نخرج من الأزمة؟

ثمة اليوم إجماع بين الخبراء الماليين والاقتصاديين (على الأقل من ليس لديهم مصلحة) حول الحاجة المطلقة لإعادة هيكلة ديون الدولة اللبنانية والمصرف المركزي والقطاع المصرفي من أجل تجنّب أحد السيناريوهات الأكثر شيوعاً والتي تعتبر الأسوأ بين الحالات: فنزويلا التي استنفدت احتياطاتها بالعملات الأجنبية بدلاً من إعادة هيكلة ديونها وانتهى الأمر بتخلّفها عن السداد. لكن بعد وصولها إلى هذه المرحلة من انقطاع الذخيرة للدفاع عن اقتصادها، دخلت في دوّامة التضخّم المُفرط (وصل إلى 350 ألف %) وانهيار قيمة العملة والبطالة والهجرة. لا شكّ أن هذه المقارنة خطرة، لأن فنزويلا تعتمد على اقتصاد بترولي يخضع لحظر صارم، لكن الفكرة تكمن في تسليط الضوء على تكلفة التقاعس عن القيام بأي عمل.

الشرط الأول للخروج من الأزمة هو دراسة السيناريوهات المحتملة. تتناول بعض المقترحات التي طرحت علناً أو في دوائر مصغّرة، إعادة هيكلة جزء من ديون الدولة، سواء المقيّم بالليرة اللبنانية فقط أو جزء من سندات اليوروبوندز أيضاً، إلّا أنّ أيّاً منها لا يتناول عجز المصرف المركزي، خصوصاً أنّ النتيجة واضحة: عدم توقّف دوّامة الدين العام واستمرار معاناة الاقتصاد الحقيقي. في حين أن السيناريو الوحيد الذي يجعل من الممكن، بعد بذل الكثير من الجهود، تحقيق انتعاش اقتصادي اجتماعي بموارد مالية جيّدة، هو السيناريو الذي يهدف إلى تثبيت الدين على مستوى 70%60- من الناتج المحلّي الإجمالي وتسوية مسألة صافي الاحتياطات بالعملات الأجنبية لدي المصرف المركزي.

يجب أن تتضمّن خطّة الإنقاذ تدابير عدّة:

  1. وضع ضوابط قانونية لرأس المال بما يتماشى مع إدارة استراتيجية لاحتياطات العملات الأجنبية.
  2. إعادة هيكلة الدين العام وديون القطاع المصرفي والمصرف المركزي.
  3. وضع شبكات الأمان الاجتماعي اللازمة للتخفيف من آثار الأزمة على الأكثر فقراً، وقبل كل شيء للحؤول دون استنفاد رأس المال البشري اللبناني الضعيف بالأساس إلى حدّ كبير.
  4. تأمين السيولة اللازمة للحدّ الأدنى من النشاط الاقتصادي في البداية، وفي أسرع وقت ممكن لتمويل الاستثمارات العامّة والخاصة من أجل إنعاش النموّ الذي يعتمد على القطاعات التنافسية.
  5. تنفيذ الإصلاحات الهيكلية لاستعادة الثقة في الدولة ومؤسساتها.

 

في كلّ الحالات، سيمرّ لبنان بمرحلة من الركود الصعب. فالاقتصاد اليوناني انخفض إلى النصف على الرغم من الدعم الذي تلقّاه من الاتحاد الأوروبي. والسؤال الوحيد الذي يهمّ حالياً هو المجتمع الذي نريده في نهاية هذا النفق. هذا هو الوقت الذي تكون فيه اللحظة تاريخية، لأن الإجابة تفترض مسبقاً عقداً اجتماعياً جديداً وتحوّلاً سياسياً، إذ من الواضح أن النظام السياسي الذي أدّى إلى تدمير البلاد غير قادر على إنقاذها.

 

*ترجمة فيفيان عقيقي

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 64 | نيسان 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

قبح النظام في مرآة المصارف