يقول أحد نواب حاكم مصرف لبنان غسان عيّاش (1990-1993) في كتابه "وراء أسوار مصرف لبنان، نائب حاكم يتذكر" في فصل خصصه لنبذة عن حاكم مصرف لبنان (1985-1991) إدمون نعيم، إنّ الأخير كان يفخر أنه "أيام شبابه" هزم بطل لبنان في المصارعة إدمون الزعنّي. حادثة، وإن كانت عرضية، لكنها تحمل رمزيّة تؤشر إلى مسار حياة قضاها نعيم يصارع انتصاراً للقانون والدستور والفقراء والجامعة اللبنانية ودولة المؤسسات، انسجاماً مع انتمائه للوطن والإنسانية بفكر إيديولوجي متجذّر. إنسانية غرستها فيه والدته: "أمي علّمتنا أن نؤمن بالمساواة وبأنّ جميع الناس متساوون"، كما كان يفصح في أكثر من مناسبة. والإيديولوجية ليست غريبة عن رجل شارك في تأسيس الحزب التقدمي الإشتراكي إلى جانب صديقه ورفيقه كمال جنبلاط. تأثير رصده نائب الحاكم الأول حسين كنعان في شهادة عنه بالقول "كانت نزعته تميل نحو اليسار". لكن مستشار نعيم أيام حاكميته، رئيس مجلس إدارة طيران الشرق الأوسط حالياً محمد الحوت يعيد الأمور إلى نصابها بشهادته: "صحيح أنّه كان من مؤسسي الحزب وصديق كمال جنبلاط ولكنه لم يسعَ إلى تطبيق مبادئ إشتراكية، وهو يعرف أنّ لبنان مبني على الاقتصاد الحر". كانت خلفيته قانونية في الأساس كاختصاص (دكتوراه في القانون)، وإيمان بأن القانون ضمانة المواطنين والوطن ومؤسساته. هذا ليس غريباً عن صاحب أكبر مكتبة قانونية في الشرق الأوسط (40 ألف كتاب) باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية والألمانية، وهبها إثر وفاته في 2006 إلى وزارة الثقافة اللبنانية. ظلّ الرجل كل حياته، منذ تولّيه عمادة كلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية إلى ترؤسه الجامعة ومن ثم تولّيه حاكمية مصرف لبنان، انتهاء بوصوله إلى المجلس النيابي في عام 2005، يمسك بكتابه المفضّل "القانون"، ولا يقبل بأي مسار خارجه.

قوّته الجسدية عينها، إلى جانب رؤيته لماهية مركزه كرئيس للجامعة اللبنانية في أوج تنطّحها لدورها الريادي في البلاد (1970-1976)، دفعته مراراً للنزول شخصياً لفض النزاعات جسدياً بين طلاب الجامعة الوطنية في عز النضال الطلابي والنقابي والسياسي في لبنان.

لم يكنْ نعيم يخفي كرهه للسياسيين وأصحاب السلطة ومن بينهم أصحاب سلطة رأس المال. لكن مجابهته لهم لم تخرج عن سقف القانون، خصوصاً في فترة تولّيه حاكمية مصرف لبنان في أكثر الفترات حساسية في البلاد. تجلّى حرصه على المال العام وتطبيق القانون أكثر فأكثر في إثر انقسام السلطة التنفيذية في لبنان إلى حكومتين، حكومة الرئيس الحص في بيروت، وحكومة العماد ميشال عون في بعبدا، فمنع انقسام النقد ومصرف لبنان وأعطى كل ذي حق حقه. يقول عارفوه من أصدقاء ومصرفيين زامنوه أنه في كل ذلك كان يقرأ في القانون، وخصوصاً قانون النقد والتسليف ويتمسّك بصلاحيات مصرف لبنان واستقلاليته، برغم تعرّضه لضغوط جمّة.

يقول صديق له زامنه في العمل المصرفي وطلب عدم ذكر اسمه لـ"المفكرة القانونية" إنّ "نعيم لم يطلق الكثير من الوعود لدى تسلمه الحاكمية. قال فقط إنّه سيسعى مع زملائه في المصرف لتحقيق الغاية من إنشاء مصرف لبنان وهي المساهمة في إعادة الإستقرار إلى الإقتصاد والأوضاع المالية". وباشر مهماته بدراسة معمّقة لقانون النقد والتسليف وحاول إدخال تعديلات عليه في مجلس النواب من شأنها تعزيز صلاحيات الحاكم ونوابه ولجنة الرقابة على المصارف.

مع بداية تسلّمه مهامه في مصرف لبنان، حارب نعيم على جبهتين: المصارف التي لم تَكُن تَكِن الكثير من الود لمصرف لبنان منذ لحظة إنشائه في 1962، ووزارة الوصاية الممثلة بوزارة المالية، حيث وصل أحد اشتباكات صرف الأموال بينهما إلى لجنة الإستشارات والقضايا في وزارة العدل.

والقارئ لسيرة إدمون نعيم كحاكم لمصرف لبنان لا يمكنه إلّا أن يتخيّل أنّ الرجل قضى ست سنوات وهو يقاتل على جبهات عدة: ضد السلطة تمسّكاً منه بالحفاظ على المال العالم وصرف الأموال واستقلالية مصرف لبنان، وفيها خاض معارك مع الحكومتين من 1988 إلى 1990، وأخرى مع وزارة المالية أيام الوزير كميل شمعون ومن خلفه الحكومة، وثالثة مع وزير الداخلية الياس الخازن الذي كان واجهة اعتداء السلطة على نعيم. ووصفت علاقته بالمصارف بـ"غير الودية"، حيث واجه مضارباتها بالليرة اللبنانية وسعر الصرف تجاه الدولار مستعملة أموال المودعين. وبين كل هذه المعارك كان يفعل ما بوسع مصرف لبنان للمحافظة على سلامة النقد، انطلاقاً من كونها أحد مهامه الأساسية.  

 

حاكم برؤية إنمائية

إثر تسلمه مركزه  بقرار من مجلس الوزراء في 12 كانون الثاني 1985 في عهد رئيس الجمهورية آنذاك أمين الجميل، سرعان ما تنطّح الحاكم نعيم، متسلّحاً بالإرتياح الذي تبدّى مع مباشرته مهامه في المصرف المركزي، للقيام بدور المستشار الاقتصادي والمالي والنقدي للدولة ولمجلس الوزراء خصوصاً عبر طرحه بعض الرؤى الإقتصادية الإنمائية التي كانت غريبة عن اهتمامات الممسكين بالسلطة في حينها. ركّز على ضرورة كسر الطوق عن لبنان، بمعنى الحصول على المساعدات التي تدعم مركزه المالي والنقدي وتموّل بعض المشاريع الإنمائية ومن ثم فتح أبواب التصدير على مصراعيها وفكّ الحصار. وبحسب رأيه يشمل ذلك أيضاً التوصّل إلى تمكين الجنوب من تصدير إنتاجه الصناعي والزراعي وإعادة وصله بالدورة الاقتصادية اللبنانية .وقد سعى إلى سيطرة الدولة على المرافئ ومرافق الدولة بما يكفل خفض سعر الدولار وفق رأيه بنسبة 20% وأكثر، إذ يزوّد الخزينة بنحو 3 مليارات ليرة لبنانية سنوياً، ليغطّي 30% من نسبة العجز. وكان يطالب بفرض رسوم عالية على الكماليّات.

لكن رؤيته هذه لم تصطدم بالصعوبات على الصعيدين السياسي والأمني فقط، بل شهدت ولايته أسوأ مؤشرات الإنهيار الإقتصادي والنقدي أيضاً. فقد ارتفعت نسبة الدولرة في هذه الفترة في ودائع القطاع المصرفي اللبناني من 29.5% في 1983 إلى 92.3% في نهاية 1987، نتيجة تدهور سعر القطع وهروب المودعين من الليرة، وكانت حدة هذه الظاهرة بدأت تظهر منذ 1984. كما قُدّر معدل التضخم الوسطي لمجمل مرحلة (1983-1988) ما يعادل 65% سنوياً بينما بلغ في فترة 1986-1988 وحدها حدود الـ200%.

وفي 1987 زاد مؤشر الأسعار حسب الاتحاد العمّالي العام 730.9% عنه في العام 1986. وهبطت قيمة الحد الأدنى للأجور إلى ما يعادل 19 دولاراً. في المقابل قفز سعر صرف الدولار من 11.72 ليرة مقابل الدولار في 14 كانون الثاني 1985 (عشية تسلّم نعيم الحاكمية) إلى 842.00 ليرة في نهاية 1990، ليبلغ الإرتفاع 221 ضعفاً.

وشهدت هذه المرحلة، المنتصف الثاني من الثمانينيات تطورات مهمة وخطيرة على الساحة اللبنانية تمثلت في اغتيال رئيس الحكومة آنذاك رشيد كرامي في 1 حزيران 1987، ومن ثم فشل المساعي الدولية والإقليمية والمحلية والإقليمية في الوصول إلى انتخاب رئيس للجمهورية. وفي تلك المرحلة، ومع انتهاء فترة رئاسته، أعلن  رئيس الجمهورية آنذاك من القصر الجمهوري في  22 أيلول 1988عن تشكيل حكومة عسكرية برئاسة قائد الجيش العماد ميشال عون على أن يكون أعضاء المجلس العسكري وزراء في الحكومة العسكرية فما كان من الوزراء المسلمين إلاّ الإستقالة. وعليه انقسمت السلطة التنفيذية إلى حكومتين كلٌّ منهما ذات طابع طائفي حاد ، الأولى بقيادة العماد ميشال عون في المنطقة الشرقيّة، والثانية برئاسة سليم الحص الذي قد عاد عن استقالته في المنطقة الغربية.وانزلقت البلاد إلى جولة جديدة من المعارك والقصف والنزاعات، وطال عمر الحكومتين والتوتر الأمني سنتين شهدت حروب الجنرال عون والقوات السورية وحلفائها (حرب التحرير) ثم بين عون والقوات اللبنانية (حرب الإلغاء) وبين حزب لله وحركة أمل (حرب إقليم التفاح). ونتج عن هذه الحروب والمعارك مقتل المئات وتهجير المئات وتدمير أجزاء من العاصمة وما كان يعرف بالمنطقة الشرقية، ونال مصرف لبنان حصته من الشظايا والقذائف.   

وهذا التدهور غير المسبوق في الأوضاع الأمنية تزامناً مع ولايته، إضافة إلى سيطرة بعض قوى الأمر الواقع أمنياً وسياسياً، أشعر نعيم بمخاطر تتهدّده فكان أول حاكم لمصرف لبنان يسكن في مبنى البنك المركزي، ولا يغادره لنحو خمس سنوات إلاّ في ما ندر. وما زالت صوره على أغلفة بعض وسائل الإعلام الأجنبية ووراءه أكياس الرمل التي حصّن بها مكتبه، محفوظة في الأرشيف ومنشورة في الكتب أو الوثائق التي تؤرخ لتلك المرحلة وقد عنونتها مجلة Investor Institutional في عددها في كانون الأول 1990 بـ  The Banker in The Bunker (أو "المصرفي في الحصن").

 

منع المصارف من المضاربة

حاول الحاكم عبر المجلس المركزي لمصرف لبنان التخطيط لإعادة تكوين الإحتياطي الخارجي والحد من تسليف الخزينة اللبنانية إستثنائياً وتشجيع الإكتتاب بسندات الخزينة وطرحه للجمهور وإعادة التوازن بين حجم الودائع وحجم التسليفات والحد من المضاربة بالليرة عبر تجنّب طبع العملة من دون تغطية الذهب أو العملة الأجنبية.

كما وجّه نصائح إلى الحكومة بالإمتناع عن الإنفاق غير المنتج، ورفْعِ الدعم عن المحروقات للحدّ من التضخم، وإعادة السيطرة على المرافئ الشرعيّة، وإغلاق غير الشرعيّة منها، والتوقّف عن تحويل 80% من فروقات القطع إلى حساب الخزينة اللبنانية، حيث اعتبر نعيم أنها حسابات دفترية (أي موجودة على الدفاتر فقط) وليست ناتجة عن نمو فعلي وإقتصادي. فجّرت خريطة نعيم في مرحلتيها أزمتين في وجهه: الأولى مع المصارف والثانية مع وزارة المالية.

على جبهة القطاع المصرفي، اعتبرت المصارف أنّ فتح الإكتتاب بسندات الخزينة للجمهور يحول دون احتكارها لأموال المودعين من جهة ومن جهة أخرى سحب السيولة من بين أياديها منعاً للمضاربة بها، خصوصاً بعدما فرض عليها الحاكم الإكتتاب بـ20% من ودائعها بسندات الخزينة بالليرة اللبنانية.

وفي محاولة من مصرف لبنان لضبطِ الأمور، والحدّ من المضاربة على الليرة، حظّر على المصارف المقيمة تلقّي ودائع أو تقديم تسليفات أو فتح حسابات بالليرة اللبنانية للمصارف غير المقيمة والمؤسسات المالية والصيرفية غير المقيمة، وذكّرها بحظر التسليفات بالليرة اللبنانية لغير المقيمين، ودعاها إلى تصفية التسليفات كافة لغير المقيمين خلال مدة تنتهي في 31 كانون الأول 1986 تحت طائلة إحالتها إلى الهيئة المصرفية العليا.

 

تكريس استقلالية مصرف لبنان

حصلت المشكلة الثانية عام 1985 مع وزير المالية آنذاك كميل شمعون على خلفية رفض نعيم تحويل فروقات القطع الناتجة عما اعتبره شمعون أرباحاً، إلى الخزينة اللبنانية. ردّ الحاكم نعيم أنه لا يمكن اعتبار هذه الفروقات أرباحاً فعلية لتطلب الدولة تحويل 80% منها، فالفروقات كانت في مُعظمها أرباحاً دفتريّة، أي ناجمة عن زيادة وهميّة للسعر بالليرة اللبنانيّة نتيجة تضخّم مالي وليس نتيجة ارتفاع حقيقي للقيمة. وتسلّح نعيم بحقه في رفض تسليف الخزينة "إذا كان ذلك يضر بالعملة الوطنية"، منطلقاً من كرهه للتجارة وأن يكون مصرف لبنان جزءاً من المضاربة التي ترتدّ سلباً على حياة الناس. في المقابل، اعتبرت وزارة المال أنّ قرار نعيم غير قانوني.

ويقول أحد أصدقاء نعيم من المصرفيين الذين واكبوه في تلك المرحلة لـ"المفكرة"، إنّ الحاكم اعتبر أنّ المضاربة بسعر الليرة والتي مارستها المصارف وبعض المؤثرين بأوضاع لبنان في تلك الحقبة هي التي تسببت بانهيار الطبقة الوسطى وأفقدتها مقدّراتها، والتي كانت ركيزة أساسية للمجتمع اللبناني.

دخل على خط الأزمة مفوّض الحكومة لدى المصرف المركزي الذي أيّد الحاكم من حيث الضّرر اللاحق بالنظام النقدي في حال تمويل الخزينة عن طريق تحويل الأرباح الدفتريّة، لكن المصرف مُلزم بتحويلها تبَعاَ للقانون. واستمرتِ المُراسلات بين الوزارة والمصرف حتى شهر أيار عندما قام المجلس المركزي لمصرف لبنان بإصدار قرار ينص على تحويل 80% من الأرباح الفعليّة لا الدفتريّة إلى الخزينة، مما استفزّ وزارة المال التي طلبت من مفّوّض الحكومة تعليق القرار. لكن نصّ قانون النقد والتسليف كان هذه المرّة إلى جانب المجلس المركزي. فتعليق القرار بحسب القانون يسمح للحكومة بالتشاوُر مع المصرف حول القرار لا إلغاءه،  لكنّ البتّ بالاعتراض يبقى من صلاحيّات المجلس المركزي.

هذا وأبلغ الحاكم إدمون نعيم رئيس الحكومة رشيد كرامي أواخر العام 1985 أنه لن يموّل أيّ صفقة لشراء النفط ومشتقاته بالدولار، وإنما بالليرة اللبنانية ما يعني أن تقترض وزارة المال من مصرف لبنان بالليرة ثم تشتري دولاراً لتدفع به فاتورة النفط. وصل الجدال بين الوزارة والمصرف إلى طريق مسدود، فاقترح نعيم الاستعانة بحاكم بنك فرنسا المركزي أو البنك المركزي السعودي أو أيّ حاكم آخر يتم الإتِّفاق عليه من الطرفين.

لكنّ وزراة المال، بتأييد من رئيس مجلس الوزراء رشيد كرامي، ارتأت إحالة الملف إلى وزارة العدل حيث قامت هيئة التشريع والاستشارات بتقديم مُطالعة مُطوّلة حول الموضوع صدرت في 27 تشرين الثاني 1985.

إعتمدت الهيئة التحليل الكامل للحاكم حول النتائج الكارثية لهذا التحويل، لكنها خلُصت إلى وجوب تحويل الأموال إلى الخزينة كما أصرّت وزارة المالية. وأوصت الهيئة بسلسلة إجراءات تلتقي في معظمها مع اقتراحات الحاكم من بينها رفع الدعم عن المحروقات التي كان يدعو إليها (وكان يطالب بحصرها بدعم الفيول للكهرباء فقط).

ورفض نعيم الأخذ بالجزء المُتعلّق بتوصية الهيئة بتحويل أموال الفروقات إلى الخزينة وهو أساس استشارتها. وأرسل كتاباً آخر إلى وزارة المالية يُعلّل فيه من جديد وبإسهاب أسباب رفضه، وأشرك الرأي العام بالموضوع وتمكّن من فرض إرادته مما دفع الحكومة إلى الإستناد على مصادر أخرى. ومنذ تلك الحادثة، توقف تحويل فروقات إعادة التخمين للموجودات، وهو ما اعتُبر انتصاراً لإرادة الحاكم وفلسفة مصرف لبنان الإقتصادية، وسجلت سابقة في تاريخ لبنان المالي ونموذجاً فريداً لاستقلالية مصرف لبنان عن الدولة.

 

أداء نعيم في ظل حكومتين

شهد الحكم في العام 1988 انقساماً مؤسساتياً حاداً بعد انتهاء ولاية الرئيس الأسبق أمين الجميّل. ففيما كلّف هذا الأخير العماد ميشال عون ترؤس حكومة انتقالية، تمسّك رئيس الحكومة الأسبق سليم الحصّ بشرعية الحكومة التي كان يرأسها بالوكالة بعيد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رشيد كرامي. وقد شكل هذا الإنقسام هاجساً على الصعيد المالي وبخاصة لجهة إمكانية تطوره إلى انقسام في مصرف لبنان أو في سائر مؤسسات الدولة. لكن نعيم حسم العلاقة مع الحكومتين باعتبار الأولى (الحص) شرعية والثانية (عون) دستورية. وقد دفع هذا الحزم كثيرين إلى توصيف الحاكمية في تلك المرحلة بأنها الحكومة الثالثة، فيما نحا البعض إلى تسميتها الحكومة الفصل، كون حاكم مصرف لبنان قبض على قرار توقيع صرف الأموال إيجاباً أو سلباً للحكومتين.

ويتبدّى من توثيق تلك المرحلة بشهادات ومواد إعلامية وكذلك من زملاء لنعيم التقتهم "المفكرة"، أن أياً من رئيسي الحكومتين لم يكن راضياً بشكل دائم عن الحاكم إدمون نعيم. فقد اتهمه الجنرال عون يومها بحصار "المنطقة الشرقية"، فيما نُقل عن الرئيس الحص قوله "إذا بده إدمون نعيم يستنسب شو بيصرف وشو ما بيصرف يعطيني حاكمية مصرف لبنان وياخد رئاسة الحكومة". لكن الرئيس الحص، في الوقت نفسه، كان يحترم مناقبية الحاكم ويشهد بنزاهته.

وتمكّن نعيم من إدارة الأزمة بعيداً عن التشنّجات السياسية والانفعالات الطائفية التي بلغت ذروتها حينها. كما حدد مصرف لبنان أولويات تُرجمت بالمحافظة على وحدة النقد اللبناني، ووحدة المصرف المركزي، والتخفيف من الأضرار والأخطار الفادحة التي لحقت بمصالح الناس. وعليه قام  بتسليف الدولة لتصحيح الأجور في القطاع العام، والقيام بالمناقصات واستدراج العروض، والتطلع إلى المصلحة الوطنية العليا وتأمين الطلبات للحكومتين وفق المنطق .

معركة واحدة انتهت إلى تقييد إحدى صلاحيات مصرف لبنان تمثلت باقتناع نعيم ببيع جزء من الذهب واستعمال المال لشراء عملات أجنبية قوية واستثمارها لتأتي بمردود يساهم في مصاريفها ودفع ديونها، على أن يوضع قانون يمنع التصرف بهذه العملات نهائياً. يومها، أي قبل صدور القانون 42/86 بتاريخ 24/9/1986، كان يحق لمصرف لبنان اتخاذ قرار ببيع الذهب ولكن نعيم والمجلس المركزي للمصرف ارتأيا استشارة مجلس النواب نظراً لسيادية القرار. ويومها صدر قانون في مجلس النواب يحصر قرار تسييل الذهب بالبرلمان. 

 

سحل الحاكم

تمترُس حاكم مصرف لبنان في مكتبه ومبنى المجلس لم يحمِه من الإعتداء عليه، في ظل الوضع الأمني الفالت في البلاد. وسجلت سابقة سكن الحاكم في المصرف لمدة خمس سنوات متتالية هي معظم ولايته التي امتدت ست سنوات. وقد سكن في مكتبه في الطابق السادس قبل أن يُبنى له غرفة نوم مع صالة وزاوية مطبخ صغير ومرحاض على سطح المصرف بسقف بسماكة 40 سنتيمتراً مسلحة بالحديد القوي.

تعززت مخاوف نعيم الأمنية باستهداف المصرف المركزي بالقصف بالقذائف أكثر من مرة، ووضع سيارات مفخخة بالقرب من مبناه، وتوّجت بالإعتداء على نعيم شخصياً عبر محاولة خطفه في ولاية وزير الداخلية الياس الخازن في آذار 1990. يومها، وفق ما هو موثق في كتاب "تاريخ المصارف"، رفض نعيم تحويل أموال طباعة جوازات السفر لصالح وزارة الداخلية. وتقول مصادر مصرفية لـ"المفكرة" عن هذه الحادثة "أن الكلفة كانت مضخمة. سراً، أجرى نعيم مناقصة أخرى وبمواصفات أفضل فتبيّن أنّ الكلفة أقل بكثير مما هو مطلوب، فرفض تحويل المال". وكتب عياش الذي يوثق للحادثة في كتابه "وراء أسوار مصرف لبنان" أنّ الحاكم كان موافقاً على تحويل مال جوازات السفر لكن الإقتراح سقط في اجتماع المجلس المركزي الذي لدى الحاكم صوت واحد فيه، لكن الخازن، حمّل نعيم قرار الرفض.  

ويضيف عياش أن الحاكم كان في اجتماع المجلس المركزي في مصرف لبنان (كان ممنوعاً على أي كان الدخول إلى قاعة اجتماع المجلس المركزي)، حين ورده اتصال من رئيس الجمهورية الياس الهراوي. خرج نعيم ليرد على الاتصال ليجد ضابطاً أمنياً موفداً من وزير الداخلية: "معالي وزير الداخلية عازمك ع فنجان قهوة". رد نعيم رافضاً بذريعة عدم تمكّنه من الخروج من المصرف وقال "إذا في شي ضروري أهلا وسهلا فيه يتفضّل يشرب قهوة عندي". عندها، أطلق الضابط رصاصتين في الهواء وبدأ مع عناصره الذين فاق عددهم 15 عنصراً، بجرّ نعيم نحو المصعد. وقاوم نعيم بكل قوته ولم يتمكّنوا من إدخاله المصعد إلّا بعد تمزيق قميصه وإصابته ببعض الجروح وسحبه من قدميه فيما كان رأسه على الأرض. وفي مدخل مصرف لبنان حيث كان عنصر الشرطة حسين البروش قد سبقهم إلى المكان بعدما رآهم يزجون الحاكم بالقوة في المصعد، سأله "شو يا حاكم؟"، رد نعيم قائلاً "ما تخلّيهم ياخدوني من هون". انتصر البروش لواجبه في حماية مصرف لبنان وحاكمه على التراتبية الأمنية في سلكه، حيث أن الضابط خاطف الحاكم أعلى منه رتبة. فكّر قليلاً ثم أطلق النار على الواجهة الزجاجية السميكة للمصرف. انهار الزجاج كحبات البرد على الجميع. أُربك الضابط وعناصره وبدأوا يتفقدون أنفسهم من الجروح. هنا استغل الحاكم إنشغال خاطفيه وأسرع ليدخل خزنة مصرف لبنان حيث لا يمكن لأحد أن يدخل طابقها عندما يقفل الباب، ونجا.  

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 64 | نيسان 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

قبح النظام في مرآة المصارف