بتاريخ 29-04-2020، صدر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية[1] المرسوم عدد 12 لسنة 2020 المتمّم للفصل 141 من مجلة الإجراءات الجزائية والذي أجاز لأول مرة في تاريخ العدالة الجزائية التونسية عقد المحكمة لجلساتها باعتماد وسائل التواصل عن بعد المؤمنة والتي تضمن التواصل بين هيئة المحكمة المنتصبة بمقرها والمتهم المودع بالسجن.ويبدو هذا النص هاما في تصوره الإجرائي كما في مضمونه.

 

الإطار القانوني: إبتعاد عن الإستثناء وبحث عن الديمومة

استندت السلط في المملكة  المغربية للفصل الثالث من مرسوم الطوارئ الصحية[2] لترسي محاكمة عن بُعد نظمها اتفاق بين النيابة العامة والمجلس الأعلى للقضاء وإدارة السجون. كما أدخل لبنان آليات معينة للمحاكمة عن بعد بقرارات لوزارة العدل أو تعاميم لمجلس القضاء الأعلى والنيابة العامة التمييزية.

خالفت تونس في تجربتها هذا التّوجه وسنّت مرسوماً خاصاً بتلك المحاكمة. ويستجيب هنا الإختيار التونسي مع مقتضيات الفصلين 65 من الدستور الذي يفرض أن تنظم الإجراءات أمام المحاكم بقانون والفصل 110 منه والذي يحجر "سنّ إجراءات استثنائية". كما أنه يضمن استمرارية اعتماد هذه التقنية بعد انحسار الجائحة وهو ما يبدو أن نص المرسوم يهدف له.

 

إجراءات المحاكمة عن بُعد: تحرٍّ جليّ لشروط المحاكمة العادلة

  1. يُمكّن المرسوم المحكمة أو المتهم أو النيابة العمومية من المبادرة باقتراح اعتماد المحاكمة عن بعد. وتعدّ موافقة المتهم شرطا أوّليا للمضي قدما في إجراءاتها وان كان يمكن في حالة الخطر الملم أو لغاية التوقّي من الأمراض السارية عدم التوقف عليها. ويبدو هنا تكريس موافقة المتهم كشرط مبدئي على المحاكمة عن بعد ضمانة هامة لحقه في المحاكمة العادلة فيما يبدو الاستثناء المكرس مبررا ولا يمس بها.
  2. يوجب المرسوم على المحكمة التي تعتزم إجراء تلك المحاكمة أن تصدر قرارا معللا في ذلك يعلم به بوسيلة تترك أثرا كتابيا مدير المؤسسة السجنية والمتهم ومحاميه في أجل لا يقل عن خمسة أيام من تاريخ انعقادها ويترك لمحامي المتهم خيارا في أن يرافع عن موكله بالفضاء السجني أين هو أو بمقر المحكمة. ويظهر هنا اشتراط الإجراءات الكتابية المعللة أولا وتمكين المحامي من حق غير مقيد بأي شرط من الحضور مع موكله بالفضاء السجني ضمانة هامة لنزاهة الإجراءات.

تبدو عند هذا الحد التجربة التونسية للمحاكمة عن بعد واعدة  في تصورها. و يذكر فيما تعلق بتنفيذها أن وزيرة العدل ثريا الجريبي كانت قد تعهدت بتوفير كل الإمكانيات المادية اللازمة لإنجاحها. وبيّنت أنها ستنطلق بمحكمة تونس بداية الشهر الخامس من سنة 2020 لتشمل بعد ثلاثة أسابيع فقط ماني محاكم أخرى وأربع مؤسسات سجنية ولتنتهي بأن تعمم على مختلف المحاكم خلال شهرين ونصف من بدايتها[3]. ويؤمل أن تؤدي المحاكمات عن بعد في الممارسة لتطور هام في عمل المحاكم يمكن أن يراكم عليه لتصور إصلاحات هيكلية للعدالة يكون فيها الإعتماد على الرقمي عنوانا لحركة تحديث طال انتظارها. وتنشر المفكرة القانونية نص المرسوم لتمكين قرائها من الاطلاع عليه ومن إبداء ما لهم من ملاحظات حوله.

 

 

 


[1]   تسمية الجريدة الرسمية بتونس .

[2]  ينص  الفصل الثالث  من المرسوم بقانون  الذي  يتعلق بـسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها" على الرغم من جميع الأحكام التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل، تقوم الحكومة، خلال فترة إعلان حالة الطوارئ، باتخاذ جميع التدابير اللازمة التي تقتضيها هذه الحالة، وذلك بموجب مراسيم ومقررات تنظيمية وإدارية، أو بواسطة مناشير وبلاغات،من أجل التدخل الفوري والعاجل للحيلولة دون تفاقم الحالة الوبائية للمرض، وتعبئة جميع الوسائل المتاحة لحماية حياة الأشخاص وضمان سلامتهم.لا تحول التدابير المتخذة المذكورة دون ضمان استمرارية المرافق العمومية الحيوية، وتأمين الخدمات التي تقدمها للمرتفقين"

[3]  بلاغ مكتب تنفيذي جمعية القضاة التونسيين بتاريخ 27-04-2020