يشكّل الإثبات أبرز العوائق أمام وصول ضحايا الجرائم إلى العدالة ومحاسبة المرتكبين. وتتفاقم صعوبة الإثبات في الجرائم الجنسية بشتى أشكالها. تشير الإحصاءات في فرنسا إلى أنه خلال سنة 2017 سجّل عدد ضحايا الإغتصاب 250 ألف حالة، لجأت 9% منها فقط إلى القضاء، وقد أدّت 10% منها فقط إلى إدانة المغتصب[1]، أي ما يعادل حوالي ألفي إدانة من أصل 250 ألف حالة إغتصاب، وهي نسبة متدنّية جداً لا تتعدى 1%. وفي العام الماضي، إنتشر عالمياً هاشتاغ#whyIdidntReport  على وسائل التواصل الإجتماعي، سردت من خلاله ضحايا الجرائم الجنسية سبب عدم لجوئهنّ إلى القضاء[2].

 

التوسّع في مجال إثبات الإعتداء الجنسي: أي أسباب موجبة؟

ترتكب الجرائم الجنسيّة عادة في السرّ من دون شهود. وهي تتطلب بطبيعتها جرأة كبيرة من الضحية للإعلان عنها، ولاسيّما عندما تكون الضحية بوضعيّة هشة، كالأطفال والقاصرين مثلاً، أو عندما يكون المعتدي من أفراد العائلة[3]. ففي الكثير من الأحيان، يستغلّ المعتدي مكانته الإجتماعية أو العائلية بخاصة بالنسبة للقاصر للإعتداء عليه/ا في أكثر الأمكنة أماناً بالنسبة إليها. وحتى عندما تتمكّن الضحية من اللجوء إلى القضاء، سواء من تلقاء نفسها أو بعد علاج نفسي، فإنها تقع في عقبة إثبات الإعتداء للمحكمة. وبالطبع، تأتي صعوبة الإثبات من عوامل عدة، لا سيما عدم وجود أعراض جسدية في بعض الحالات. ولعل أبرز مثال على ذلك هي قضايا التحرّش بالأطفال التي قد لا تصل إلى المجامعة، وإنما تولّد أثراً كارثياً على صحة الطفل النفسية. يضاف إلى ذلك مرور وقت على الجريمة وتلاشي الأدلّة الطبيّة والجسديّة. من جهة أخرى، غالباً ما يكون من الصعب جداً على الضحايا التحدّث عن تجربتهم المؤلمة. ففي الكثير من الأحيان، يعتري الضحية شعور بالذنب وتنطوي على نفسها، وبالتالي قد يتطّلب الحديث عن هذه التجربة سنوات طويلة من العلاج والمتابعة النفسية. ففي قضية جاكي كايسرميتز ([4]Jacky Kaisermertz)، وهو مدرّس أدين بجرائم جنسية تجاه عدد من تلامذته، سأل أحد محامي الدفاع مراهقة تبلغ 11 سنة من العمر: "لماذا لم تهرعي إلى طلب المساعدة بعد الإغتصاب؟"، فأجابت "لأنك تخجل إلى درجة أنّك لا تستطيع حتى الانتقال من سريرك[5]!".

تؤدّي هذه الصعوبات عملياً إلى تلاشي عناصر الإثبات. وبذلك، تضع إشكالية الإثبات في الجرائم الجنسية القاضي أمام إعتبارين: فمن جهة، عليه حماية حق المتهم وضمان حقه في محاكمة عادلة وتكريس قرينة البراءة، ومن جهة أخرى، عليه التفكير في سبل حماية ضحايا الجرائم التي هي بطبيعتها، صعبة الإثبات.

إزاء شبه استحالة الإستحصال على أدلة مادّية دامغة للجرائم الجنسية، ما هو دور القاضي في حماية المجتمع والضحايا من الجرائم الجنسية؟ وكيف تبلور هذا الدور في الإجتهاد والقانون الفرنسي؟

 

القضاء الفرنسي يوسّع رقعة الإثبات

حتّمت هذه القضايا على القضاء الفرنسي تطوير دوره  لردع هذه الجرائم وتشجيع الضحايا على اللجوء إلى المحاكم. وبالفعل، بات القضاة يطوّرون ويوسّعون دائرة الإثبات من خلال الخروج تدريجياً عن صرامة القواعد القانونية التقنيّة للإثبات والتوجّه نحو ليونة أكبر، تلاؤماً مع طبيعة الجريمة وأثرها النفسي على الضحية.

وإذ يتبيّن أنّ هذا التوسّع ما زال غير كاف ـ بناء على إحصاءات عام 2017 المذكورة آنفاً ـ يبقى ذلك تطوراً مهماً جداً يقتضي أن يُحتذى به، لاسيّما في لبنان. فقد عرف القانون الفرنسي "تجنيداً" جزائياً ضد الجرائم الجنسية تجسّد من خلال ليونة التقنية القانونية في مجال الجرائم الجنسية، وقد ظهر ذلك على ثلاثة أصعدة:

 

1- وضع أنظمة قانونية خاصة لتجريم أفعال الاعتداء الجنسي كالبيدوفيليا والإغتصاب وذلك دليل على يقين المشترع بضرورة تأمين ضمانات إضافية لضحايا هذه الجرائم وحصر شروط ثبوت الفعل الجرمي، مع ما يستتبعه ذلك من سهولة أكبر في الإدانة:

عرفت فرنسا تكاثر بنود تجرّم الجرائم الجنسية لدرجة إنشاء نمط خاص للجرائم الجنسية ومنها قوانين حماية كرامة القاصر. فمن خلال قانون 2010 طرحت نظرة أكثر مرونة إلى البيدوفيليا. غالباً ما يتطلّب تجريم فعل البيدوفيليا إثبات عدة عناصر منها إنعدام موافقة القاصر. إلّا أنه، ونظراً إلى صعوبة إثبات هذا الأمر، اعتبر قانون 2010 أنّ سلطة المجرم على القاصر موجودة بحكم فارق العمر وتشكل قرينة على انعدام موافقة القاصر على أفعال المجرم، ممّا يسّهل إثبات الاعتداء[6].

وفي حين أنّ هذا البند يبدو مخالفاً لمبادئ القانون الجزائي ومنها مبدأ المساواة في المخالفات والعقوبات، إلّا أنه ضروري وموازٍ للحماية التي يمنحها للقاصر، بخاصة أنه هو جاء بعدما استدرك المشترع الفرنسي خطورة الجرائم الجنسية وطابعها النفسي الذي يتطلب الإبتعاد عن الدقّة التقنية القانونية ونظام الإثبات لصالح ظروف الضحية النفسية.

 

2- إيلاء أهمية كبرى للتقييم النفسي  

بهدف تحسين قدرة القضاء على محاربة الجرائم الجنسية، أولى القانون الفرنسي أهميّة بارزة لتقييم الخبير سواء كان نفسياً أو طبيّاً. فالاعتداءات الجنسية المجرّمة في المادة 706 – 47 من القانون الفرنسي تخضع لتقييم إلزامي من قبل خبير نفسي قبل البحث في أصل النزاع. وقد شددت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان على أهميّة مرحلة التحقيق الإبتدائي لاسيما لناحية ما يعرف بـ"إجراء الخبرة" أي إجراء تقييم نفسي فيما يخّص الجرائم الجنسية، وذلك بغض النظر عن غياب العناصر المادية التي تجسّد التداعيات على الضحيّة[7]:

"لدى الـدول واجب إيجـابي، بموجب المادتين 3 و8 من الاتفاقية (الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان)، باعتماد أحكام القانون الجنائي التي تعاقب على الاغتصاب بشكل فعّال وبتطبيقها في الممارسة العمليّة من خلال التحقيـق والمقاضـاة".[8]

وفي حين يتم الإعتماد غالباً على التقييم الطبّي الجسدي لتحقيق قناعة القاضي، يتوجّب على القاضي في غياب العناصر المادية الأخذ بأقوال الضحية[9]، وسردها للوقائع، وتصرّفاتها على أثر الجريمة، وسبب تأخّرها في اللجوء إلى القضاء. هكذا يكوّن القاضي قناعته الشخصية بناء على مجموعة أدلة يكون التقييم النفسي الخبير موضوعها الأساسي.

وغالباً ما يقدّم التقييم الذي يجريه الخبير النفسي للمجرم دليلاً على السلوك الإجرامي. ففي قرار للغرفة الجزائية لمحكمة التمييز بتاريخ 7 آذار 2009 استنبط القاضي من الإدمان على الكحول إضافة إلى التقييم النفسي قابلية المتهم لاتخاذ مسلك إجرامي. في قرار آخر لمحكمة التمييز بتاريخ 9 أيار/مايو 2018 لجأ القاضي في غياب الإثبات المادي إلى التقييم النفسي الذي ظهّر طبيعة المتهم الجرمية[10]. أما في قرار لمحكمة التمييز في 28 أيار 2018، فدارت المسألة حول رجل في الخمسين من العمر تعهّد بأن يقدّم مساعدات مادية لفتاة لم تتجاوز الثانية عشرة. فاعتمد القاضي على بعض الحقائق من أجل إدانة المجرم منها إهداء الفتاة هاتف سامسونغ غالاكسي يتخطّى الحاجات الأوّلية للفتاة وتوجيه رسائل إلكترونية إليها ادّعى فيها أنّها "حبّه الكبير وزوجته"، من أجل إدانته.

 

3- تمديد مهلة مرور الزمن فيما يخصّ الجرائم الجنسية

تعتبر إطالة مهلة مرور الزمن على دعاوى الجرائم الجنسية بموجب قانون 9 آذار 2011 من أبرز الإصلاحات في هذا المجال. مثلاً، أصبحت مهلة مرور الزمن في دعاوى البيدوفيليا 20 سنة[11]. وهذه المدة الطويلة قد تؤدّي إلى انعدام العناصر المادية للجرم ولكنّ الدمج ما بين مدة مرور الزمن والأهمية التصاعدية لمرحلة التحقيق الأوّلي يؤدّي إلى نتيجة إيجابية من حيث تجريم هذه الاعتداءات الجنسية. فالمدة الطويلة تسمح للضحية من جهة أن تتخطى حالة الخوف والإنكار وأن تتجرّأ على اللجوء إلى القضاء لتحصيل حقّها. من جهة أخرى، تسمح الأهمية الطاغية لمرحلة التحقيق في الدعاوى الجزائية للضحية أن تدعم أقوالها بخبرة نفسية أو طبية.

بالرغم من أنّ التقنيّة القانونية هي أساس الأمانة القانونية، قد تشهد هذه التقنية تلطيفاً في مجالات القانون التي تتطلب مقاربة اجتماعية للضحية. فالقانون الجزائي ليس مجرّد نظام قوانين مستقل عن العناصر الاجتماعية والنفسية للضحية، بل عليه أن يأخذ في الاعتبار الوضع النفسي للضحية ويراعي ظروفها بخاصة في حالات الجرائم الجنسية.

هذا التوجّه الجزائي في فرنسا خوّل الضحية تحصيل حقوقها والاعتراف بالاعتداء الذي واجهته. فقد ازدادت حظوظ نجاح دعاوى الجرائم الجنسية أمام المحاكم حتى في غياب عناصر مادية، وذلك يؤدي إلى التوجّه نحو الاعتراف بقوة التقييم النفسي الثبوتي. بمعنى أنّ القانون يخرج تدريجياً عن قواعده التقليدية بهدف ردع الجرائم الجنسية وحماية الضحايا.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 63 |  آذار 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

أربع جبهات للنساء ضدّ التمييز والعنف

 


[1] تقرير لعضو الجمعية الوطنية الفرنسية ماري بيار ريكسين، 23 شباط/فبراير 2018.

[2] https://www.health.com/mind-and-body/why-i-didnt-report-hashtag-trending

[3] Agressions sexuelles, la réponse judiciaire, Gilles Antonowicz, p.18 à 22

[4] محكمة النقض الفرنسية، 6 أيار/مايو 1997.

[5] « Pourquoi n’êtes- vous pas descendu chercher du secours après le viol?, demande un avocat de la défense à une jeune adolescente de 11 ans.

-Parce que vous avez tellement honte que vous ne pouvez même pas bouger de votre lit! dit-elle. »

[6] Preuve et conviction du juge en matière sexuelle, Francois Desprez, p.49

[7] Code de procédure pénale art.706-47 Les personnes poursuivies pour l'une des infractions mentionnées à l'article 706-47 du présent code doivent être soumises, avant tout jugement au fond, à une expertise médicale. L'expert est interrogé sur l'opportunité d'une injonction de soins.

[8] المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، م. ك. ضد بلغاريا،4 كانون الأول/ديسمبر 2003،عريضة رقم 39272/98.  

[9] Chambre criminelle 4 avril 2007 « en matière de crimes sexuels, commis en principe sans témoin, la parole de la victime s'oppose à celle de l'agresseur désigné »

[10] …que les deux expertises psychiatriques auxquelles il a été soumis ont exclu que les infractions soient en relation avec un trouble ou une maladie mentale mais ont conclu qu'elles ont pu être favorisées par sa personnalité, décrite comme inauthentique, égocentrique, narcissique, psychorigide, avec une incapacité à se remettre en cause, une défaillance du sens moral, une absence d'empathie et une tendance constante à se présenter comme une victime ; que les experts ont souligné que ses contestations évoquaient « une dimension perverse » pour le premier et « un signe inquiétant d'aplomb pervers » pour le second…

[11] Preuve et conviction du juge en matière sexuelle, Francois Desprez, p.54