"أنا كتير مبسوطة لأني مش رايحة أقبض حقي بالنفقة وبس... لأني كمان حسيت إنه النفقة بتردّلي شوي من اعتباري وكرامتي اللي امتهنت... النفقة صح خطوة أولى من خطوات إني أحصل على بقية حقوقي وحقوق أولادي لأنه طلعت بوجهي وهو دار وجهه عني وعن ولاده... خلّيه يحسّ إني أخدت حقي وإني مش لحالي في قانون بالبلد يحميني... الصندوق قوّاني وفشّلي غلّي... سنين إلي مقهورة بالعذاب، خلّي المصاريف تتراكم عليه ويضل مديون للدولة ومتخبي من سيارات الشرطة الّي في الشارع ويحس بالعذاب والقهر الّي قهرني ياه".

 

المساءلة والحماية وجهان لا يغيبان عن نافذة الوصول للعدالة للفئات التي تستفيد من صندوق النفقة الفلسطيني. وقد أنشئ هذا الصندوق انطلاقاً من منظومة حقوق الإنسان، كمؤسسة عامة ذات استقلال مالي وإداري بموجب قانون رقم (6) لعام 2005. ويهدف إلى تعزيز دور الدولة في حماية حقوق الفئات المهمشة كالأطفال والنساء وكبار السن وغير القادرين على الكسب من الأقارب. فيهدف إلى تعزيز دور الدولة في مساءلة الفارّين من تنفيذ أحكام النفقة، إذ أنّ للصندوق القوّة القانونية والصفة الإلزامية لمتابعة هذه الملفات لتحصيل المبالغ من المحكوم عليهم واسترداد أموالهم التي تعتبر أموالاً عامة لها صفة الامتياز، وذلك بموجب قانون يلزم المحكوم عليهم بالاعتراف بمسؤولياتهم تجاه حقوق زوجاتهم وأطفالهم وأقاربهم من آباء وأمهات وذوي الإعاقة أو غير القادرين على الكسب المستحقين للنفقة. ويقوم الصندوق بملاحقة الفارّين من وجه العدالة من خلال تفعيل سلسلة من الإجراءات القانونية كبناء شراكات فاعلة على سبيل المثال لا الحصر مع الأطراف ذات العلاقة لتنفيذ أوامر حبس، ومنع سفر، وحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة. ويعمل أيضاً على تغطية الحالات التي يتعذّر فيها تنفيذ الأحكام الصادرة عن محاكم الأحوال الشخصية، والمتعلقة بالنفقة، ليحلّ بذلك محلّ المحكوم عليه في الدفع لمستحقي النفقة.

 

الحماية بمعناها الشمولي

تتعلّق مسائل النفقة بشريحة هامة من المجتمع هي في أمسّ الحاجة إلى الدعم المالي. وقد خصّها المشرّع بمعاملة مميزة من حيث شمولها بالنفاذ المعجّل، أي أنّ تنفيذ قرارات محاكم الأحوال الشخصية فيما يخصّ النفقة يجب أن تتم بأقصى سرعة، وبدون الأخذ بالإجراءات العادية التي قد تطيل أمد التقاضي أمام محاكم التنفيذ.

ولإحداث التوازن ما بين وجهي المساءلة والحماية، يقوم الصندوق بدور حيوي في اتخاذ إجراءات صارمة ضد الفارين من تنفيذ أحكام النفقة لتنفيذ أوامر الحبس، ومنع السفر، والحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة بالشراكة مع الأطراف ذات العلاقة كالمحاكم ذات الاختصاص، والشرطة، وسلطة النقد، ووزارة الداخلية، ووزارة الاقتصاد، ووزارة المواصلات، وسلطة الأراضي، ووزارة الحكم المحلي وغيرها. ويبني الصندوق هذه الشراكة انطلاقاً من رؤيته لقضايا النفقة كقضايا ذات أولوية تستوجب توفير القدرات المادية والبشرية لملاحقة المحكوم عليهم بالنفقة وحماية وضمان حقوق الفئات المستحقة للنفقة تحقيقاً لمبدأ العدالة، وتكافؤ الفرص.

وعليه، ينطلق الصندوق من فهم معمّق للحماية بمعناها الشمولي. فهذه الحماية تجاوزت حدود دفع قيمة أحكام النفقة لمستحقّيها بشكل شهري، لترتقي إلى تقديم سلّة خدمات متكاملة اقتصادية وقانونية ونفسية واجتماعية تلبّي الاحتياجات العمليّة للمستفيدين بهدف تجنيبهم ذلّ الحاجة والعوز. كما يتيح الصندوق لهم رفع أصواتهم وتمثيلهم في خطط وسياسات وبرامج وأنشطة المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، وبخاصة من خلال بناء شراكات فاعلة مع وزارة الصحة ووزارة الشؤون الاجتماعية ومؤسسات مجتمع مدني والقطاع الخاص والأفراد، على نحو يمكّنهم من توسيع خياراتهم.

 

الصندوق في مواجهة صعوبة تنفيذ أحكام النفقة

لا تتجاوز نسبة تنفيذ أحكام النفقة الصادرة عن المحاكم المختصّة في أحسن أحوالها 18%، بمعنى أنّ هناك 82% من أحكام النفقة غير منفّذة، علماً أنّ المستفيدين منها هم في غالبيتهم أطفال. فالمسار المعتمد إلى العدالة مليء بالمصائد المعقدة والمتشابكة في ظل سيطرة أبوية تحكم قبضتها على الفئات المستضعفة في حدود الحيز الخاص، لتمتد إلى سياسات وتشريعات مجحفة تزداد وطأة تأثيراتها في ظل سيطرة احتلالية كولونيالية تحكم قبضتها على سيادة القانون وتجرد الدولة من التحكّم بأدوات إنفاذ القانون، تحديداً للمحكوم عليهم الذين يقطنون في مناطق ج[1] والمحكوم عليهم من حملة الهوية الإسرائيلية الذين لا يخضعون لسيادة دولة فلسطين (خارج نطاق القانون)، والمتزوجون من نساء يحملن هوية فلسطينية أو العكس.

يضاف إلى هذا المسار اللولبي والشائك تعقيدات تتعلق بقلّة الكوادر البشرية والإمكانات المادية التي تسهّل من اتخاذ الإجراءات لتنفيذ أحكام المحاكم بشكل خاص، إجراءات المحاكم الطويلة التي لا تراعي خصوصية قضايا النساء والأسرة، النظرة الدونية للعاملين في المحاكم، ارتفاع أتعاب المحامين وغياب تقديم المساعدة القانونية في مسائل الأحوال الشخصية وتنفيذها، بالإضافة إلى ضعف أدوات تنفيذ قرارات المحاكم في ظل غياب سجل مدني يضم معلومات ديموغرافية عن المواطنين وملكياتهم المنقولة وغير المنقولة لدى المؤسسات الرسمية بما يضمن مراقبة الفارين من وجهة العدالة وسهولة الوصول إليهم ومحاكمتهم طبقاً لأحكام القانون.

المصائد اللولبية التي تعرّي وتجرّد الفئات المهمشة من التمتع بالأمان القانوني والاقتصادي والنفسي، تضع صندوق النفقة أمام مسؤوليات جديدة كمؤسسة عامة تعكس الإرادة السياسية والتزامات دولة فلسطين بالحماية للفئات المهمشة وفقاً للاتفاقيات الدولية أبرزها اتفاقية "سيداو" وقرار مجلس الأمن 1325.

 

نحو إعادة توازن القوة؟

يسعى الصندوق إلى زعزعة العلاقات غير المتوازنة في الحيّز الخاص ما بين الفئات المسيطرة والفئات المهمّشة والتي لا تملك المال والقرار نتيجة لإقصائها بفعل الثقافة الذكورية التي تعززها سياسات الدولة.

نافذتا الصندوق للمساءلة والحماية أعادتا الاعتبار لكرامة الفئات التي تستفيد من صندوق النفقة وعززتا من مكانتها وأشعرت النساء تحديداً بالقوّة نتيجةً لتدخّل سلطة خارجية من الحيّز العام تمثلت بصندوق النفقة، في الحيّز الخاص للمكلّفين وإلزامهم بدفع النفقة بالطرق والوسائل القانونية، بعدما كنّ عجزن عن تحصيلها لأسباب عدة، منها عزوف المحكوم عليهم عن الدفع تهرباً من نتيجة الحكم، أو سفرهم للخارج أو عدم وجود عناوين معروفة أو واضحة لهم. فالإجراء القانوني يعني ممارسة صلاحية السلطة القانونية عليهم، ومهما تكن ردة فعل الفرد تجاه السلطة، فمن المحتمل أن تزداد ردة فعل المكلّفين بدفع النفقة عندما يتعرّضون لضغوط من الحيّز العام، ويصبحون أكثر غضباً وأكثر استنكاراً لتدخل سلطة خارجية من الحيّز العام في حياتهم الخاصة.

حقق إلزام وملاحقة المكلّفين من قبل الصندوق للنساء نوعاً من النفوذ على أزواجهن السابقين أو الحاليين، بعدما كنّ مستضعفات ورهن مزاجهم الشخصي وتهرّبهم من مسؤولياتهم تجاههن وأبنائهن، رغم معرفتهم بالواقع النفسي والاجتماعي والاقتصادي الذي تحيا في ظله المطلّقات والمهجورات كما أبناؤهن. هذا بالإضافة إلى أنّه حقق نوعاً من الانتصار وردّ الاعتبار لهنّ ولكرامتهنّ، على محيطهنّ الاجتماعي الذي ينظر إليهنّ كفئة يُنظر لها دائماً بأنها موصومة وأنهن السبب دوماً في وقوع الطلاق أو الهجران في مجتمعنا الفلسطيني كما في العديد من المجتمعات العربية أو أنهنّ فريسات يسهل الإيقاع بهنّ نتيجة العبء المضاعف الذي ألقي على عاتقهن لإعالة أطفالهنّ وتلبية احتياجاتهم الأساسية ولو بالحد الأدنى. ناهيك عن غياب شبكة الدعم الاجتماعي من قبل عدد من المؤسسات التنموية والاجتماعية التي لا تتضمّن أجنداتها أي رؤية لدعم مثل هذه الفئة من النساء المهمّشات والمقهورات تحت ذريعة أنّ أزواجهن الحاليين أو السابقين ما زالوا على قيد الحياة.

تحصيل النساء لحقوقهن وحقوق أطفالهن في النفقة، أكسبهنّ الاحترام والاعتبار، ووضعهنّ في مستوى أعلى من المساواة مع أزواجهنّ الحاليين أو السابقين، بعد معرفتهنّ بأن لديهنّ حقوقاً قانونية ومصادر اقتصادية ومعرفية أشعرتهنّ بقوة داخلية استخدمنها كشكل من أشكال الصفقة والتفاوض والاستراتيجيات لتغيير واقع ظروف حياتهنّ، وتحدّي المعيقات التي تواجههنّ، من أجل خيارات أفضل في الحياة. وبالنسبة للمستفيدات، تم استخدام هذه المصادر كورقة تفاوضية للحصول على ورقة الطلاق.

 

إنجازات الصندوق

حقق الصندوق إنجازات عديدة باعتباره تجربة فلسطينية ذات امتياز تنافس التجارب العربية الأخرى. ومن أبرز هذه الإنجازات، تحقيق استدامته نتيجة للأثر المالي لموارد الصندوق ارتباطاً بالقرار بقانون رقم (12) لعام 2015 المعدّل لقانون صندوق النفقة الذي وسّع من نطاق موارد الصندوق، بحيث تضاعف إجمالي إيرادات الصندوق حوالي خمس مرّات عن الفترة السابقة لتعديل القانون. فالصندوق يعتمد بشكل رئيسي حسب القانون المؤسس والقرار بقانون المعدّل له على الموارد المالية المتأتّية من رسوم عقود الزواج وحجج الطلاق التي حددها القانون برسوم بقيمة خمسة وعشرين ديناراً أردنياً أو ما يعادلها بالعملة المتداولة قانوناً تستوفى عن كل عقد زواج أمام المحاكم المختصّة والممثليات الفلسطينية في الخارج وعن كل حجّة طلاق أمام المحاكم المختصة والممثليات الفلسطينية في الخارج. هذه الاستقلالية للصندوق تحرّره من تبعية الإجراءات البيروقراطية المعقدة، بحيث تضمن دفع قيمة أحكام النفقة لمستحقيها بشكل مستدام يضمن فيه الحفاظ على كرامتهم ومنع تعرضهم للاستغلال بسبب عوزهم.

وقد بذل الصندوق جهداً كبيراً للوصول إلى مستحقّي النفقة من خلال نسج العديد من العلاقات مع وسائل الإعلام الإلكترونية، المكتوبة والمسموعة لنشر المعرفة بخدمات الصندوق، هذا إلى جانب التشبيك مع المؤسسات ذات العلاقة والجمعيات والمؤسسات القاعدية لعقد سلسلة من الورش التوعوية في مختلف محافظات الوطن. ونتيجة لذلك ارتفع عدد المستفيدين من الصندوق خلال العام 2018 إلى 11869 بينما بلغ عددهم عام 2012 ما مجموعه 2352.

ونتيجة لسلسلة الإجراءات القانونية التي بلورها الصندوق في سبيل ملاحقة الفارين من وجه العدالة نجح في استرداد ما مجموعه (777,674) شيقل، بنسبة ارتفاع في التحصيل 4.7% عن عام 2017. وبتحصيل 13.7% من مجمل الملفّات. مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الملفات التي تصل إلى الصندوق هي ملفات متعذرة التنفيذ حيث أظهرت الإحصائيات بأنّ 47% من المحكوم عليهم يقيمون خارج الوطن، وخارج منطقة الاختصاص، وفي القدس والداخل.

 

سبل لتطوير أداء الصندوق مستقبلاً

يتطلّب تطوير أداء الصندوق وتحسين أوضاع المستفيدين منه، المزيد من بناء الشراكات الفاعلة للمساهمة في بناء تشريعات وسياسات كتطوير سجل مدني ضمن نظام وطني متكامل يمكّن من مساءلة المتهرّبين من تنفيذ أحكام المحاكم وعلى وجه الخصوص أحكام النفقة.

ونتطلّع إلى بناء شراكات أخرى لتقديم المساعدة القانونية للمدافعة والمرافعة لضمان وحماية حقوق الفئات المهمّشة، وبخاصة النساء اللواتي يقعن ضحايا للمصائد اللولبية التي تصعّب عليهنّ النفاذ إلى العدالة. هذا بالإضافة إلى سعينا الدؤوب لتقديم سلة متنوعة من الخدمات تلبّي الاحتياجات العمليّة للنساء بطريقة تمكينية من شأنها تلبية احتياجاتهن الاستراتيجية وتعزيز مشاركتهن الفاعلة والندّية في الحياة العامة وتوسيع آفاق المستقبل أمامهنّ وصولاً إلى رسم ملامح الوطن الذي نريد رغماً عن الاحتلال وسيطرة الثقافة الأبوية.


 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 63 |  آذار 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

أربع جبهات للنساء ضدّ التمييز والعنف

 

 


[1] تشمل المنطقة ج حوالي 60% من الضفة الغربية، حيث تتولى السلطات الفلسطينية تقديم الخدمات الطبية والتعليمية، فيما تسيطر قوات الاحتلال الإسرائيلي بشكل شبه حصري على إنفاذ القانون والتنظيم والبناء والأمن والإدارة.