أدخل اتفاق الطائف تعديلا مهما في رئاسة مجلس النواب إذ كان رئيس المجلس قبل 1990 ينتخب لسنة واحدة فقط قابلة للتجديد بينما نصت المادة 44 الجديدة على التالي: "في كل مرة يجدد المجلس انتخابه يجتمع برئاسة أكبر أعضائه سناً (...) ويعمد إلى انتخاب الرئيس ونائب الرئيس لمدة ولاية المجلس".

بالحقيقية جاء هذا التعديل كي يواكب التجارب البرلمانية في غالبية دول العالم التي جعلت ولاية رؤساء المجالس التشريعية تستمر طيلة ولاية المجالس نفسها. وكان الدستور اللبناني سنة 1926 قد تبنى التجديد السنوي لرئيس المجلس عملا بتجربة الجمهورية الثالثة في فرنسا التي نصت المادة 11 من قانونها الدستوري الصادر في 16 تموز 1875 على أن ولاية رئيس مجلس النواب تدوم طيلة العقد العادي على أن تستمر في حال تم فتح عقد إستثنائي في الفترة المتبقية من السنة الجارية.

وخلال سنوات الحرب تعالت أصوات من منطلق طائفي مطالبة بتحصين موقع رئاسة مجلس النواب عبر جعل ولايته تستمر طيلة ولاية مجلس النواب. فقد اقترحت حركة أمل في اللجنة الفرعية التي تم تشكيلها عقب مؤتمر "الحوار الوطني" في جنيف بتاريخ 10 تشرين الثاني 1983 انتخاب رئيس المجلس لأربع سنوات. فرفض ممثل الرئيس الراحل كميل شمعون هذا الاقتراح مطالبا الابقاء على التجديد السنوي بينما قدم ممثل الرئيس الراحل صائب سلام اقتراحا يقول بانتخاب رئيس مجلس النواب لنصف ولاية المجلس فقط. وبالفعل استعاد مؤتمر لوزان في 20 اذار 1984 هذا الإقتراح مكرسا إياه في "مشروع الاصلاحات" بحيث نص البند الخامس من الفقرة المخصصة للنظام السياسي على التالي: "ينتخب رئيس مجلس النواب ونائبه وأعضاء مكتب المجلس لمدة سنتين قابلة للتجديد".

إلا أن إصرار حركة أمل ورئيس مجلس النواب حينها حسين الحسيني على انتخاب الرئيس لولاية المجلس دفعت بالمجتمعين في مدينة الطائف سنة 1989 إلى تبني تسوية اقترحها حسين الحسيني بحيث تستمر ولاية الرئيس طيلة ولاية مجلس النواب لكن بالمقابل يحق لمجلس النواب "ولمرة واحدة، بعد عامين من انتخاب رئيسه ونائب رئيسه، وفي أول جلسة يعقدها، أن ينزع الثقة من رئيسه، أو نائبه بأكثرية الثلثين من مجموع أعضائه بناء على عريضة يوقعها عشرة نواب على الأقل" (الفقرة الأخيرة من المادة 44). وهكذا تم تكريس حق مجلس النواب بتنحية رئيسه بعد مرور سنتين على انتخابه أي في منتصف ولاية مجلس النواب (ما يعني ضمنا أن الدستور يعتبر أن مجلس النواب ينتخب لولاية من أربع سنوات.

وقد شرح رئيس المجلس حسين الحسيني حينها فلسفة هذه المادة قائلا في جلسة 21 آب 1990: "إن جميع المجالس التي كانت تعتمد مدة السنة أقلعت عن ذلك، واعتمدت مدة تساوي مدة ولاية المجلس، دون أن تضع هذا الشرط لمدة سنتين، أو حق للمجلس بعد سنتين في نزع الثقة (...) أنا شخصيا من اقترح هذا النص في الطائف، فليس هناك نص مشابه في أي دولة من الدول. أنا من اقترح هذا النص ليكون ضمانة للمجلس النيابي في أن تكون الرقابة مستمرة على رئاسة المجلس كما على غيرها".

والغريب أنه إضافة للشروط الصعبة جدا من أجل تنحية رئيس مجلس النواب والتي تفرض التصويت بغالبية مشددة (الثلثان) وفقط في جلسة وحيدة ولمرة واحدة بعد سنتين من انتخاب رئيسه، نلاحظ أن النظام الداخلي الحالي الذي أقر في سنة 1994 جاء خاليا من أي نص ينظم التطبيق العملي للفقرة الأخيرة من المادة 44 بحيث لا توجد آلية واضحة تفرض تدابير دقيقة لمواكبة اجراءات التنحية.

إن التذكير بهذه المادة المنسية هو ضروري جدا اليوم، فيما لبنان يتهيأ لتغيير نظامه السياسي. فمجلس النواب الحالي بدأت ولايته في 21 أيار 2018 في حين أن رئيس مجلس النواب انتخب في 23 أيار 2018 أي أن أي مسعى لتفعيل الفقرة الاخيرة من المادة 44 يجب أن يتم في أول جلسة مقبلة سيعقدها مجلس النواب كون الفترة التي نص عليها الدستور (سنتان) قد انقضت بتاريخ 23 أيار 2020.