بتاريخ أمس (الخميس 21 أيار 2020)، صدر قرار قضائي بالحجز على أموال النائب هادي حبيش ضمانا لدين مرجّح لصالح الدولة اللبنانية وبناء على طلبها. القرار صدر عن رئيس دائرة تنفيذ بيروت القاضي فيصل مكي على خلفية الإعتداء الذي ارتكبه حبيش ضد النائبة العامة الإستئنافية في جبل لبنان القاضية غادة عون، وقد قدّر الدين المرجح مؤقتا بمبلغ خمسمائة مليون ليرة لبنانية، وهو مبلغ مرتفع جدا نسبيا. وقبل المضي في التعليق على القرار، يجدر التذكير بأنّ هذا الإعتداء حصل بتاريخ 12 كانون الأول وقد تمثل بالهجوم الذي شنّه النائب حبيش ضد القاضية عون في مكتبها، على خلفية القرار المتخذ منها بتوقيف رئيسة هيئة إدارة السير (النافعة) هدى سلوم وإحالتها موقوفة إلى قاضي التحقيق الأول في بيروت تبعا للإدعاء عليها بجرم الإثراء غير المشروع. تبعاً لهذا الإعتداء، تحرّكت النيابة العامة التمييزية بناء على الشكاوى المقدّمة من القاضية عون ومن الدولة، واستجوبت حبيش قبل أن تطلب من النيابة العامة الاستئنافية في بيروت الإدعاء عليه بجرائم قدح وذم أمام قاضي التحقيق الأول في بيروت، وهي جرائم مخففة بالنسبة للأفعال المرتكبة. وقد امتنعت النيابة العامة آنذاك عن توقيفه.

ومن أهم الملاحظات على هذا القرار، الآتية:

أولا، قرار يعيد الإعتبار لأسس الدولة الديمقراطية:

الإعتداء على استقلال القضاء إعتداء جسيم

أن القرار جاء تلبية لطلب الدولة (وليس القاضية عون). بمعنى، أنه أقرّ بأن مفاعيل الإعتداء على قاضية بالصورة التي حصل فيها، ينسحب بصورة ملازمة على الدولة. ولم يكتفِ القرار بذلك بل ذهب حدّ تقدير الدين المرجح بمبلغ (خمسمائة مليون ليرة لبنانية)، وهو مبلغ مرتفع جدا وفق معايير التعويض المعتمدة في لبنان، بما يعكس تقييمه للضرر على أنه جسيم فضلا عن النية بإنزال ما يصح تسميته عقوبة مدنية بالنظر إلى خطورة الفعل. وعليه، ورغم أن القرار خلا من التعليل، فإن مضمونه شكّل تأكيدا ليس فقط على أن تعدّي النائب على القاضية بالصورة التي حصلت يمسّ بالدولة، بل أنه يمسّ مبادئ ومصالح ومرتكزات أساسية فيها. ومن أبرز هذه المرتكزات طبعا مبدآ استقلال القضاء وفصل السلطات، وهي مبادئ ذات قيمة دستورية عليا. ومن هذه الزاوية، بدا القرار وكأنه يجسّد تصوّر القاضي للدولة الديمقراطية وأسسها وقيمها وتحديدا لمكانة استقلال القضاء فيها. وهي رؤية تبدو فاقعة في مواجهة القيم التي حفّزت حبيش على ارتكاب فعلته والتي تقوم على العكس من ذلك تماما على مفهوم الزعامة وما يستتبعها من تجبّر وذكورية ورفض لأي مساءلة أو محاسبة. بكلمة أخرى، جاء القرار بمثابة تكريس لقيم الدولة الديمقراطية في مواجهة دولة المقامات التي تكثر مؤشرات انتماء حبيش إليها.

ثانيا، قرار يتضمن تدابير رادعة للتدخل السافر في القضاء

أن القرار عكس مسعى لردع اعتداءات مماثلة بالنظر إلى خطورتها، في ظل تخاذل النيابات العامة وقضاء التحقيق عن اتخاذ تدابير رادعة. وإذ يبدو هذا القرار في محله بالنظر إلى ظروف القضية، فإنه كان يستحسن أن يتضمن وصفا دقيقا لخصوصية هذه الظروف وتعليلا وافيا منعا لتعميم تدابير مشابهة على حالات انتقاد القضاة في ظروف أخرى، قد تكون مبررة وضرورية أو على الأقل مفهومة. ومن المهمّ تاليا أن نشدّد هنا على أوجه الخطورة في هذه القضية، ومنها أن المعتدي نائب ومحامٍ يتمتع بنفوذ سياسي وإن أخذ طابعا مناطقيا، وأن الإعتداء حصل في معرض الإعتراض على قرار قضائي بتوقيف موظفة عامة (هي قريبة له) متهمة بالإثراء غير المشروع وأنه أخذ طابع الشتم والتهديد اللذين تماديا لبرهة طويلة نسبيا. وعليه، فإن هذا الإعتداء لم يأتِ تعبيرا عن غضب شعبي أو عن إنفعال أشخاص قليلي الخبرة، ولا في سياق انتقاد موضوعي، إنما تميّز بتجبر واستغلال للنفوذ والأهم أنه أتى في معرض عرقلة واضحة لمساعٍ قضائية للتحقيق في شبهات فساد. ففي حالة كهذه، يصبح الإعتداء المذكور بمثابة خطر داهم على القضاء برمته.

 

ثالثا، قرار يعكس إلتزاما بضمان ملاحقة الفساد

أن القرار يشكل إنطلاقا مما تقدم تعبيرا إضافيا على إلتزام عدد من الهيئات القضائية بتوجهات اتفاقية مكافحة الفساد والتي أقرها لبنان في 2008. فبعدما شهدنا تحولا على صعيد محكمة المطبوعات في اتجاه توسيع حرية التعبير في الكشف عن الفساد سندا للمادة 13 من الإتفاقية التي التزمت بموجبها الدولة بتشجيع الأفراد والمجموعات الكشف عن الفساد، يأتي هذا القرار بمثابة تطبيق للمادة 25 من الإتفاقية التي التزمت بموجبها الدولة بتجريم "استخدام القوة البدنية أو التهديد أو الترهيب للتدخل في ممارسة أي موظف قضائي أو معني بإنفاذ القانون مهامه الرسمية فيما يتعلق بالأفعال المجرمة وفقا للإتفاقية (ومنها الإثراء غير المشروع)". ففيما يرجى أن يشكل هذا القرار تدبيراً رادعاً لتصرفات مماثلة، من شأن أي تغاضٍ أو تساهل معها أن يؤدي بالمقابل إلى تعزيز ثقافة التدخل في القضاء والإستقواء عليه، فضلا عن ثني القضاة عن اتخاذ مواقف جريئة مخافة مما قد يتعرضون له من تهديد وتدابير إنتقامية.

فبمعزل عما قد يكون هنالك من مآخذ على القضاة أو توجهاتهم أو ارتباطاتهم السياسية، فإنه من الخطأ الجسيم التعامل مع هذا المأخذ على نحو يؤدي إلى نزع المشروعية عن المساعي المبذولة للتحقيق في قضايا تحوم حولها شبهات جدية أو يسمح لأباطرة الفساد الإفلات من العقاب. ففي ظل تسييس القضاء، لا يكون الحلّ في نسف القضاء بما يمهّد للإفلات من العقاب ومعه طموحات المجتمع في محاسبة المعتدين عليه، إنما في إحاطته برقابة مجتمعية قادرة على تقييم أدائه وتصويبه بمعزل عن الآراء المسبقة، في موازاة السعي الدؤوب إلى تحريره وإصلاحه.