يعتبر غالبية المعتقلين السياسين الفلسطينيين أنّ الاعتقال الإداري من أصعب السياسات التي يواجهونها من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، ضمن إجراءات الاعتقالات والتنكيل التي تطال كافة شرائح المجتمع الفلسطيني بشكل يومي ومنظّم ومنهجي. قام الاحتلال ومنذ بدايته باستخدام الاعتقال كسياسة ممنهجة لفرض السيطرة وإحكامها على الشعب الفلسطيني الخاضع للاحتلال. فإنشاء نظام المحاكم العسكرية وإصدار آلاف الأوامر العسكرية هدف التحكّم في كافة نواحي الحياة وتجريم كافة النشاطات السياسية والاجتماعية بخاصّة المقاوِمة للاحتلال. وكان الاعتقال الإداري أسهل أداة لاعتقال الآلاف بدون عناء اتخاذ الإجراءات القانونية الاعتيادية في كل قضية بل الاكتفاء بملف سرّي، بخاصة حين تندلع انتفاضة شعبية أو يتم اجتياح كافة الأرض المحتلة كما حصل في آذار 2002.

منذ بداية العام 2019 اعتُقِل حوالي 3000 فلسطيني، منهم من تم اصدار أوامر اعتقال إداري بحقّهم بدون تهمة واضحة، وبدون إجراءات محاكمة، بل ويتم تجديد أوامر الاعتقال مرّة تلو الأخرى ليقضي المعتقل الإداري سنوات رهين ملف سرّي لا يفقه مضمونه، ولا يعلم كيف له أن يدافع عن نفسه ليضمن إطلاق سراحه. فمنذ بداية العام الجاري، صدر 661 أمر اعتقال إداري، 227 منها لحالات اعتقال جديدة، و434 أمر تجديد أوامر سابقة.

سوف نستعرض في هذه المقالة خلفية تاريخية سريعة لإجراءات الاعتقال الإداري كما استخدمتها دولة الاستعمار الإحلالي في فلسطين التاريخية، بناء على القانون المدني والأوامر العسكرية التي سنّها القائد العسكري للأرض المحتلة. ونستعرض بعضاً من القضايا التي تعكس انتهاك هذه الإجراءات للمعايير الدولية للمحاكمات العادلة وكيف تؤسس لاعتقال الآلاف سنوياً بشكل تعسّفي نعتقد أنّه يرقى لمستوى جرائم الحرب فيما يتعلق بالأرض المحتلة عام 67.

 

انتهى الانتداب وبقيت آثاره

تمارس دولة الاستعمار الإحلالي ثلاثة أشكال من الاعتقال الإداري تختلف من ناحية الصلاحيات القانونية وعملية المراجعة القضائية لأوامر الاعتقال، ومدة الاحتجاز، ولكنها جميعاً تستند إلى المواد السرّية كمبرّر للاعتقال وادعاء تشكيل الخطورة على أمن الدولة. الاعتقال الإداري كما يطبّق داخل الدولة ويشمل مدينة القدس المحتلة، الاعتقال الإداري في الضفة الغربية المحتلة والاعتقال للمقاتلين غير الشرعيين، وهو مصطلح تم اختراعه من قبل دولة الاستعمار في العام 2002 لتبرير استمرار اختطاف الأسرى اللبنانيين الذين احتجزوا كرهائن لأكثر من عشر سنوات بغية الحصول على معلومات عن الطيّار الذي فقدت آثاره خلال الحرب على لبنان عام 1982. ولاحقاً طبّق هذا القانون ضدّ الأسرى من قطاع غزة بعد العام 2005.

الاعتقال الإداري داخل دولة الاستعمار

استندت دولة الاستعمار الإحلالي منذ بدايتها إلى أنظمة الطوارئ البريطانية، التي كان قد فرضها الانتداب البريطاني في فلسطين عام  [1]1945، وتبنّت هذه المنظومة كجزء من النظام القضائي الداخلي مستندة إلى حقيقة إعلان حالة الطوارئ في الدولة منذ العام 1948. لاحقاً تم تشريع هذه الأنظمة فيما يعرف بقانون "صلاحيات ساعة الطوارئ – اعتقالات – 1979"[2].  استناداً لهذا القانون يستطيع وزير الحرب أن يقوم باعتقال أي شخص يشتبه أنه يشكل خطورة على أمن الدولة أو أمن الجمهور، بناء على قرار يوقعه شخصياً لمدة أقصاها ستة أشهر، ويستطيع تمديد فترة الاعتقال مرّات عدّة بدون تحديد سقف أقصى لفترة الاعتقال. ولكن يجب إجراء عملية المراجعة القضائية من قبل قاضي محكمة مركزية خلال 48 ساعة من توقيع الأمر، ويحق للمعتقل استئناف هذا القرار لدى المحكمة العليا. وإذا كان الأمر لمدة ستة أشهر، يجب إجراء عملية المراجعة مرّتين، وعلى ممثل عن جهاز المخابرات أن يحضر جلسة المراجعة القضائية ويجيب على أسئلة الدفاع والمحكمة، ولكن تعقد جلسة سرّية بين المحكمة والادّعاء مع ممثل المخابرات لا يحق للمعتقل ومحامي الدفاع حضورها، والمحكمة ليست ملزمة بقانون البيّنات والإجراءات الجزائية ولها أن تقرر في هذا الشأن كما ترتأي.

يطبّق هذا القانون بخاصّة في السنوات الأخيرة على نطاق ضيّق، إذ لم يتجاوز عدد المعتقلين الإداريين 15 حالة من المواطنين الفلسطينيين وأيضاً من المستوطنين، ولم تتجاوز مدة الاعتقال عاماً واحداً. بينما تقوم قوات الاحتلال باحتجاز المئات سنوياً من الأرض المحتلة رهن الاعتقال الإداري، فبحسب مراجعة الإحصائيات التي توثّقها المؤسسات الحقوقية ومنها مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، يتراوح عدد المعتقلين الإداريين سنوياً خلال السنوات العشرة الماضية بين 300-700 معتقل شهرياً[3]. منهم من يقضي في الاعتقال أكثر من عامين، والغالبية تقبع بين عام وعامين متواصلين.

 

الاعتقال الإداري في الضفة الغربية المحتلة

لاحقاً لاحتلال ما تبقّى من فلسطين عام 1967، وبعد أن رفضت قوات الاحتلال تطبيق القانون الدولي الإنساني وقوانين الحرب الواجبة في مثل هذه الحالات[4]. بدأ القائد العسكري لقوات الاحتلال بإصدار أوامر عسكرية، تجاوزت اليوم الـ1800 أمر، شكلت النظام القانوني لسيطرة الاحتلال على الأرض والسكان الفلسطينيين في كل من قطاع غزة، والضفة الغربية، ولكن قام القائد العسكري بتطبيق أنظمة الطوارئ البريطانية أيضاً في الأرض المحتلة. أما مدينة القدس فأعلنت دولة الاستعمار ضمّها مباشرة بعد الاحتلال وأخضعت السكان الفلسطينيين للقانون الإسرائيلي بصورة مخالفة للقانون الدولي وبدون أيّ اعتبار للقرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن. ولاحقاً في العام 1980 أصدرت قانون أساس مدينة القدس، ومع هذا فيما يتعلق بإجراءات الاعتقال الإداري بحق السكان الفلسطينيين قامت بتطبيق القانون المدني أو الأوامر العسكرية أحياناً حسب الحاجة ومصالحها طبعاً، مما يعني أنّ سكان مدينة القدس قد يخضعون لنظامين قضائيين مختلفين في قضايا الاعتقال بما يخدم مصلحة دولة الاحتلال. 

شكّل الأمر العسكري رقم 378 "الأمر بشأن تعليمات الأمن (يهودا والسامرة) 1970" الهيكل الأساسي لمنظومة المحاكم العسكرية والقانون واجب التطبيق في الأرض المحتلة. بموجب هذا الأمر العسكري تم تجريم كافة العمل السياسي الفلسطيني، وأيّ نشاط مقاوم للاحتلال، وأي عمل أو نشاط يعتقد الاحتلال أنّ به ما يمسّ أمنه وسيطرته واستمراره.

اعتقلت قوات الاحتلال المئات من الفلسطينيين بعد الاحتلال بموجب أنظمة الطوارئ، وفي العام 1970، أضيفت المادة 87 للأمر العسكري بشأن تعليمات الأمن 378، والتي رتّبت إجراءات الاعتقال الإداري من خلال الأوامر العسكرية بروح أنظمة الطوارئ. وتم تعديل هذه المادة مرات عدّة خاصّة خلال الانتفاضة الأولى من خلال الأمر العسكري 1226[5]  وأوامر أخرى[6]  أتاحت صلاحية اعتقال الشخص لمدة عام كامل بدلاً من ستة أشهر. لاحقاً عدّل هذا الأمر أيضاً خلال الانتفاضة الثانية مرات عدة ليتيح تأجيل عرض المعتقل أمام القاضي للمراجعة القضائية من 8 أيام إلى 18 يوماً[7]، وعدم اشتراط حضور ممثل عن جهاز المخابرات لجلسات المراجعة القضائية وإنما الاكتفاء بتقديم المدعي العسكري لملخص عن الملف السري أمام القاضي. أما اليوم فالأمر العسكري 1651 "بشأن تعليمات الأمن"، في المادة 284 ينظّم إجراءات الاعتقال الإداري، وبقيت الصلاحية للقائد العسكري بإصدار أوامر اعتقال لمدة ستة أشهر، بدون تحديد سقف لمدة الاعتقال القصوى، وتجري عملية المراجعة القضائية مرة واحدة خلال 8 أيام من إصدار أمر الاعتقال وبحضور المدعي العسكري فقط استناداً لملخّص عن الملف السري يعرض أمام القاضي. ويحق للمعتقل أن يقدم استئنافاً للمحكمة العسكرية للاستئناف، وبشكل استثنائي تقديم التماس للمحكمة العليا أيضاً، ولكن نسبة النجاح في هذه الإجراءات تقترب من الصفر، فجميع المحاكم تغلب المصالح الأمنية على حق المعتقل في الحرية وعدم التعرّض للاعتقال التعسّفي.

 

الاعتقال الإداري في قطاع غزة

منذ بداية الاحتلال شرّع القائد العسكري لقطاع غزة المحتل أوامر عسكرية مماثلة لتلك الأوامر التي صدرت في الضفة الغربية المحتلة، اختلفت من ناحية الترقيم فقط، حتى العام 2005 حين انسحبت دولة الاحتلال من القطاع. بعد هذا التاريخ بدأت باستخدام قانون "المقاتل غير الشرعي" للعام 2002، والذي يتيح احتجاز أي شخص يشتبه انه عضو في تنظيم معاد للدولة، شارك بشكل مباشر أو غير مباشر في أعمال عدائية، يصدر أمر الاعتقال عن قائد الجيش وفترة الاعتقال غير محددة المدة، يستند الاعتقال لمواد سرية، وتجري عملية مراجعة قضائية من قبل قاضي محكمة مركزية مرة كل 6 أشهر ويمكن تقديم استئناف على هذه القرارات للمحكمة العليا. وقامت دولة الاحتلال باستخدام هذا القانون خلال الحرب على غزة عام 2008 وأبقت رهن الاعتقال مواطنين من القطاع كان يجب إطلاق سراحهم خلال فترة العدوان لأنّ مدة عقوبتهم السابقة انتهت في الوقت نفسه. وتم احتجازهم لما بعد انتهاء العدوان بحجة أن عودتهم إلى القطاع في هذه الفترة تعني أنهم سيشاركون في القتال. حالياً لا يوجد أي معتقل من قطاع غزة محتجز بناء على هذا القانون.

 

القانون الدولي والاعتقال الإداري

أجاز القانون الدولي بشقّيه، القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، استخدام الاعتقال الإداري كتدبير وقائي في حالات وظروف خاصة جداً. وفعلاً استخدمته بعض الدول ولكن غالباً لمحاولة السيطرة على الثورات أو المعارضة السياسية، لأنه يعتبر أسهل من الإجراءات القانونية العادية. تم استخدام الاعتقال الإداري في كل من جنوب أفريقيا، إيرلندا الشمالية وأميركا – معتقل غوانتانامو- ودول أخرى[8].  ولكن الاعتقال بدون محاكمة أو تهمة واضحة وإجراءات قانونية لا تكفل معايير المحاكمة العادلة، يعتبر إشكالياً وهناك الكثير من الجدل القانوني حول هذه الممارسة.

هناك إجماع دولي على أن القانون الدولي الإنساني، أي معاهدات جنيف الأربع 1949 واتفاقية لاهاي 1907، تنطبق على الأرض الفلسطينية المحتلة، وتحديداً اتفاقية جنيف الرابعة. ويسري ذلك على اتفاقيات حقوق الإنسان ومنها العهدين الدوليين 1966، واتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة 1984، اتفاقية حقوق الطفل 1990 وغيرها العديد.

تحدّد المادتان 42 و78 من اتفاقية جنيف الرابعة 1949، صلاحيات استخدام الاعتقال الإداري بحق السكان المحميين، وتشترط ذلك بوجود أسباب أمنية قهرية [9]، تهدّد وجود الأمة، وأن تقتصر المدة على فترة وجيزة. وتكفل حق الأشخاص المعنيين بالاستئناف وإعادة النظر في القرار بصفة دورية.

تجيز المادة 4 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية للعام 1966، الاعتقال الإداري في ظروف استثنائية في حالات النزاع المسلح، "في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تهدد حياة الأمة".

تدّعي دولة الاحتلال أنها تستمدّ صلاحيّاتها باستخدام الاعتقال الإداري من القانون الدولي الإنساني وتحديداً المادة 78 من اتفاقية جنيف الرابعة. إلّا أنها تنتهك الشروط والمعايير التي فرضها القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان بشكل منهجي ومنظم. قامت العديد من اللجان الدولية كلجنة حقوق الإنسان، ومجموعة العمل الخاصة بالاعتقال التعسّفي ولجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب بتوجيه انتقادات حادة لدولة الاحتلال لاستخدامها الاعتقال الإداري على هذا النحو بدون مراجعة قضائية فعالة واستناداً لمواد سرّية، بدون تحديد سقف لفترة الاعتقال التي تتجاوز في معظم الأحيان مدة عام متواصل. وغالباً ما يتم استخدام الاعتقال الإداري كبديل عن تقديم لائحة اتهام لعدم وجود أدلة كافية، علماً أنّ هذا يشكل خرقاً بموجب المعايير الدولية لأن الاعتقال الإداري يهدف إلى منع نشاط لم ينفّذ بعد وليس عقوبة على عمل ارتكب قبل الاعتقال.

الوضع الراهن

ترصد المؤسسات الحقوقية الفلسطينية منذ العام 2015 ارتفاعاً ملحوظاً باستخدام الاعتقال الإداري بحق ناشطين وطلاب وسياسيين، وحتى أطفال على خلفية استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي بحجة التحريض على العنف. فالطفل س. أ. اعتقل بسبب قيامه بنشر صور لشهداء فلسطينيين على حسابه في فيسبوك وقدمت له لائحة اتهام بحجة التحريض، وقامت المحكمة بإطلاق سراحه مع شروط. ولكن القائد العسكري أصدر أمر اعتقال إداري لمدة 4 أشهر مباشرة لمنع الإفراج عنه. بحجّة أنّ هناك مواد سرية أخرى تشير إلى مدى خطورة أفعاله تستوجب بقاءه رهن الاعتقال. وقامت المحكمة العسكرية بالمصادقة على أمر الاعتقال الإداري كما صدر عن القائد العسكري.

الأسيرة ف. د. اعتقلت أيضاً على خلفية التحريض من خلال فيسبوك أدينت وصدر بحقها حكم لمدة 95 يوماً. قبل الافراج عنها بأسبوع صدر أمر اعتقال إداري بحقّها لمدة 6 أشهر، بحجة أنها تشكّل خطورة على الأمن وتمّ تجديد الأمر لأربعة أشهر إضافية ومرة أخرى لشهرين، فأعلنت إضراباً عن الطعام لمدة أربعة أيام لإلزام قوات الاحتلال الإفراج عنها بعد قضاء أكثر من 14 شهراً رهن الاعتقال بسبب منشور على فيسبوك.

المعتقل م. ز. اعتقل في 14-6-2017 وصدر بحقّه أمر اعتقال إداري لمدة ستة أشهر، وتم تجديد أمر الاعتقال 4 مرات آخرها كان لمدة 3 أشهر تنتهي يوم 5-6-2019. في آذار 2019 أحيل إلى التحقيق وقدمت بحقه لائحة اتهام تحوي تهمة واحدة هي "الانتماء لتنظيم غير قانوني"، علماً أنّ أوامر الاعتقال الإداري استندت جميعها لمواد سرية وكان الادعاء الرئيسي بحق م. هو انتماؤه إلى تنظيم غير قانوني ونشاطه في هذا التنظيم. بعد أكثر من عام ونصف نجحت النيابة العسكرية في الحصول على أدلّة كافية لإدانته فقدمت ضده لائحة اتهام وما زال معتقلاً للمحاكمة.

المعتقل ح. ح. الذي خاض إضراباً مفتوحاً عن الطعام دام 66 يوماً ضد سياسة الاعتقال الإداري، كان قد اعتقل يوم 10-6-2018 وصدر بحقّه أمر اعتقال إداري لمدة 6 أشهر بحجة كونه "ناشطاً في تنظيم معاد يهدد أمن المنطقة". في هذه الفترة كان المعتقلون الاداريون قد أعلنوا المقاطعة لإجراءات المحاكم العسكرية، لاعتقادهم وبصدق أنّ لا دور حقيقي لهذه المحاكم وإنما عملية المراجعة القضائية هي صورية، وصاحب القرار النهائي هو جهاز المخابرات. وعلى الرغم من عدم مثول المعتقل ح. أمام القاضي العسكري قام الأخير بتثبيت أمر الاعتقال لكامل المدة. مرة أخرى جدد أمر الاعتقال بحقّه لمدة 6 أشهر إضافية وتم تثبيت الأمر لكامل المدة ورفض الاستئناف، وكذلك الالتماس الذي قدم للمحكمة العليا. في حزيران 2019 جدد أمر الاعتقال للمرة الثانية لمدة 4 أشهر بحق ح. ومنذ الأول من تموز أعلن إضرابه المفتوح عن الطعام، وبعد أكثر من ثلاثين يوماً من الإضراب عرضت عليه المخابرات أن تقوم بتجديد اعتقاله بعد انتهاء الأمر الحالي لمدة شهرين. رفض ح. هذا العرض وواصل إضرابه، خلال هذه الفترة تم رفض استئنافه وأكد القاضي العسكري أنّ الاضراب عن الطعام يجب ألّا يؤخذ في الحسبان لأنّه خطوة أحادية يقوم بها المعتقل من طرفه، ضارباً عرض الحائط الحقيقة الجوهرية بأن الاعتقال الإداري أصلاً هو خطوه أحادية تتخذها المخابرات بناء على ملف سري لا يتاح للمعتقل أن يشارك فيها للدفاع عن نفسه وإثبات براءته. لاحقاً رُفض الالتماس الذي قدّمه إلى المحكمة العليا على الرغم من أنّ وضعه الصّحي كان قد بلغ حدّاً استدعى فرض العلاج الطبي القسري عليه وإعطاءه سوائل وفيتامينات بالقوّة لإنقاذ حياته. وقام الطاقم الطبي في مستشفى كابلان باستدعاء لجنة الأخلاق الطبية لاتخاذ قرار هو سابقة في تاريخ الإضرابات عن الطعام للأسرى الفلسطينيين، بالتدخل القسري لإنقاذ حياة ح. إذا ما استمر في إضرابه عن الطعام وتكرر حادث فقدان الوعي. قرر ح. بعد ذلك، إيقاف إضرابه عن الطعام حفاظاً على حياته وهو بانتظار أمر اعتقال إداري جديد ليبدأ معركته القانونية المقبلة ضد هذا الاعتقال التعسّفي.

هذه الحالات هي نزر يسير من مئات الملفات لمعتقلين إداريين يدخلون باب السجن ولا يعرفون متى سيتم الإفراج عنهم، ولا سبيل لهم لمواجهة هذا التعسّف سوى استخدام أجسادهم لمحاولة انتزاع قرار بإطلاق سراحهم بعد خوض إضراب مفتوح عن الطعام يهدد صحتهم وسلامتهم. لأجل هذا يخوض حالياً ثمانية معتقلين إداريين إضرابهم المفتوح عن الطعام.

خاتمة

قام المعتقلون الاداريون في السنوات الأخيرة باتخاذ العديد من الخطوات ضد سياسة الاعتقال الإداري التعسّفية، وضد الإجراءات القانونية غير العادلة التي تنفّذها المحاكم العسكرية لتضفي الشرعية على سياسة تشكل مخالفة جسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. فبعض المعتقلين خاض إضرابه الفردي عن الطعام ليحقق تحديد موعد لإطلاق سراحه، واضطر لتعريض حياته للخطر لضمان ذلك. أما في العام 2018 فقاطع المعتقلون المحاكم العسكرية وإجراءاتها لمدة ثمانية أشهر احتجاجاً على الدور السلبي الذي يؤدّيه الجهاز القضائي وتواطؤه الكامل مع جهاز المخابرات، ولكن للأسف لم تثمر هذه الخطوة عن أيّ نجاح على صعيد إنهاء سياسة الاعتقال الإداري أو حتى تقليص استخدامها.

هذه النضالات التي خاضها الأسرى بشكل جماعي أو فردي لم تحظ بالمساندة الشعبية والرسمية اللازمة لإحداث التغيير. أسباب عديدة تكمن خلف هذا القصور وهي تحتاج إلى نقاش معمّق لسنا في وارد الخوض به هنا، ولكن هذه التجربة تؤشّر إلى على ضرورة طرح استراتيجيات وطنية قانونية وسياسية وشعبية للتصدّي لنظام الاستعمار الإحلالي بكافة أشكاله ونظمه.  

خلاصة القول إن الاعتقال الإداري كما تمارسه دولة الاحتلال هو اعتقال تعسّفي، بموجب إجراءات لا تكفل ضمانات المحاكمة العادلة، ويرقى ليكون تعذيباً نفسياً في حالات الاعتقال لفترات طويلة. وبهذا يعتبر جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، يجب أن تحاسب دولة الاحتلال على ارتكابها أمام محكمة الجنايات الدولية. 

   

 

 

 


[1]  أنظمة الدفاع "ساعة الطوارئ" 1945  نشرت في جازيت فلسطين رقم 1442، المادة 111 (27 سبتمبر 1945).

[2]  نشر هذا القانون يوم 13-3-1979 في كتاب القوانين رقم 930 صفحة 76.

[3] http://www.addameer.org/ar/statistics اخر دخول يوم 2.9.2019

[4] حول موقف دولة الاحتلال برفض تطبيق القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان كتب الكثير، بعض فقهاء القانون الدولي دافعوا عن هذا الموقف ولكن غالبية الفقه القانوني يشير إلى خرق دولة الاحتلال لمسؤولياتها بتطبيق القانون الدولي. وجاء قرار محكمة العدل الدولية في قضية الجدار ليؤكد على هذا التوجّه. أنظر قرار المحكمة :

2004 I.C.J. 131 ( July. 9) at http://www.icj-cij.org/icjwww/idocket/imwp/imwpframe.htm.   

[5]  والأمر العسكري رقم 941 في قطاع غزة.

[6]  الأمر بشأن الاعتقالات الإدارية (تعليمات الساعة) ( تعديل رقم 4) 1989- أمر رقم 1281 وفي قطاع غزة أمر رقم 999.

[7]  الأمر بشأن اعتقالات إدارية ( تعديل رقم 19) (تعليمات الساعة) أمر رقم 1499 عام 2002.

[8]  https://www.addameer.org/sites/default/files/publications/ar_for_web.pdf.  صفحة 8 و9 من التقرير أخر دخول يوم 2-9-2019.

[9]  جين بيكتيت، شروحات حول اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين في زمن الحرب، إصدار اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 1958.