بعد نحو ثلاثة أسابيع من الإضراب عن العمل، عاد عمّال النظافة في شركة "رامكو" الملتزمة كنس وجمع ونقل النفايات في قضاءي المتن وكسروان ومدينة بيروت، إلى مزاولة العمل، وأنهوا إضرابهم بعدما دخلت السفارة البنغاليّة في الوساطة بينهم وبين الشركة. وكان الإضراب قد بدأ بتاريخ 27 نيسان، لأسباب عدّة أبرزها انخفاض قيمة رواتب العمال  بسبب إرتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانيّة، إضافة إلى اتهامات سيقت بوجه الشركة، بإساءة المعاملة. واتخذت قضيّة العمّال اهتماما عالياً من قبل وسائل الإعلام المحليّة والأجنبية، خصوصاً بعد استدعاء الشركة لقوى مكافحة الشغب في تاريخ 12 أيار لفض اعتصام العمّال ومحاولتهم منع شاحنات النفايات من الخروج من المبنى.

مؤخراً، بدت أجواء العمل "أفضل" بالنسبة للعمّال بعد إنهائهم الإضراب الذي استمرّ لنحو ثلاثة أسابيع، وعودتهم إلى العمل مباشرة بعد عيد الفطر، إذ عبّر البعض عن سعادتهم للتمكن من تحقيق جزء من مطالبهم، وحصولهم على وعد  من الشركة بعدم التأخر عن دفع الرواتب إضافة إلى أنهم سيعملون لـ 26 يوماً في الشهر مع تسديد راتب كامل. وصرّح مدير الشركة وليد بو سعد لـ"المفكرة" بأنّ الشركة اقترحت على العمّال زيادة على الراتب بالليرة اللبنانيّة وقبلوا بالأمر. وامتنع بو سعد عن التصريح عن قيمة هذه الزيادة مبرراً بأننا "اتفقنا مع السفارة بألّا نعلن عنها، بخاصة وأنّ هناك الآلاف من العمّال البنغاليين في لبنان يعانون المشاكل نفسها بالنسبة للدولار، والخوف من أن تحصل في الشركات الأخرى أحداث مشابهة لما حصل مع عمّال رامكو، وفي ظل عدم قدرة  كل الشركات  على  زيادة  الرواتب".

 

العمّال أمام تسوية الحفاظ على الوظيفة على حساب تقاضي القيمة الفعلية للراتب

في رسالة العمّال الذين تواصلت معهم "المفكرة"، بقيت بعض المطالب الأخرى قيد المناقشة، ومنها تحسين الخدمات الطبيّة ونوعيّة الطعام الذي تقدمه الشركة، إضافة إلى انتظارهم عودة زميلهم الذي تم اعتقاله من قبل قوى مكافحة الشغب يوم فضّت الإعتصام في 12 أيار. وبدا خطاب العمّال هذه المرّة خطاباً هادئاً يُفهم منه تقبّلهم للحلول المطروحة وإن كانت لا تؤمّن الحفاظ على قيمة رواتبهم، إنما يُظهر تمسكاً عالياً بالحفاظ على الوظيفة.

ولعلّ عبارة "نحن جميعنا  فقراء، أتينا هنا إلى العمل وليس للقتال" التي جاءت في رسالة أحد العمّال الذين تواصلت معهم "المفكرة" تعبر عن مدى حاجة هؤلاء للحفاظ على وظائفهم، ولو بالقليل الممكن.

ويلفت العامل المذكور إلى أنّ مالك الشركة وسيم عمّاش اجتمع مع مجموعة من العمّال و"أظهر تعاوناً" إذ قال للعمّال، "من الآن فصاعداً تتابعون معي كل المسائل العالقة". وينقل العامل لـ "المفكرة" بأنّ "العمّال سعداء اليوم، وهم ممتنون لوسائل الإعلام التي غطّت قضيتهم". ويُضيف، "ليس باستطاعتنا ترجمة كل الأخبار التي نقلت عن قضيتنا إلى اللغة البنغاليّة، إنّما نعلم أننا محاطون بالدعم". ويظهر من حديثه بأنّه يشعر أنّ التغطيّة الإعلاميّة كانت سبباً لتمكّنهم من الوصول إلى جزء من مطالبهم.

 

العمّال الأجانب ضحيّة أزمة الدولار

تشكّل الإنجازات الجزئية التي تمكن عمّال "رامكو" من تحقيقها أمراً بسيطاً أمام المشكلة الأبرز المتمثلة بانخفاض قيمة رواتب العمّال مع ارتفاع سعر صرف الليرة مقابل الدولار، وهي مشكلة تطال كافة الفئات العمّالية الأجنبية في لبنان. وتشهد أبواب سفارات العمّال والعاملات الأجانب منذ بداية الأزمة الاقتصاديّة اكتظاظاً في صفوف الراغبين في العودة إلى بلادهم بعدما تعرضوا إمّا لخسارة وظائفهم بالكامل أو لانخفاض بقيمة رواتبهم بسبب التراجع الكبير لتدفق الدولارات إلى لبنان في الشهور الأخيرة، وحجز المصارف لأموال المودعين، وحالات الصرف الكبيرة التي طالت شرائح كبيرة من المجتمع، وهي مشكلة تفاقمت بالنسبة لأوضاع العمّال الأجانب وعاملات المنازل، إضافة إلى إغلاق المطار بفعل التعئبة العامّة فبات لبنان أشبه بالسجن للعديد منهم.

ويشكل حال عمّال "رامكو" نموذجاً لظروف فئة كبيرة من العمّال الأجانب في الحالة الراهنة، فمنذ أن باتت الدولة اللبنانية تدفع مستحقات الشركة بالليرة اللبنانية في تشرين الثاني 2019، بدأت بدورها بدفع رواتب العمّال كافة بالليرة اللبنانيّة أيضاً. فالراتب الذي لا يتخطى الـ 400 دولار شهرياً للعامل الأجنبي بات يُساوي أقل من 150 بعد تخطّي سعر الصرف الـ 4000 ليرة لبنانيّة. ويُستنتج بأن "رضا" العمّال عن الحلول التي قدّمتها الشركة ناتجة عن تمسّكهم الشديد بالحفاظ على وظائفهم، إذ عبّر أحد هؤلاء العمّال لـ "المفكرة" "نحن متفهّمون لواقع الإقتصاد في لبنان، فمن أين ستأتي لنا الشركة  بالدولارات، ونحن لا نريد خسارة عملنا". وبحسب بو سعد، فإنّ "الشركة طلبت من العمّال الراغبين بالعودة إلى بلادهم التقدم من الإدارة وملء طلبات بهذا الخصوص، فلم يتقدم أي من العمّال البنغاليين الذين أضربوا طيلة الفترة الماضية".

وكان العمّال في "رامكو" قد أثاروا في وقت سابق انخفاض قيمة مداخيلهم الشهريّة توازياً مع خفض عدد أيام العمل في شهر نيسان، وحينها خفضّت الشركة أيام التشغيل لنحو 18 يوماً، لسببين، الأول إقتصار التشغيل على 60 بالمئة من المعتاد لنحو الأسبوعين بسبب تأخر الدولة عن دفع مستحقات الشركة، والثاني بسبب توقف مطمر الجديدة - برج حمود عن استقبال النفايات بسبب وصوله إلى قدرته الاستيعابيّة، قبل إعادة فتحه إثر قرار مجلس الوزراء في 5 أيار رفعه متراً ونصف المتر لمدّة ثلاثة أشهر. في هذا الصدد، يُفيد بو سعد بأنّه "مع تخفيض أيام العمل خسر العمّال جزءاً من المردود المادي الذي يتقاضونه مقابل ساعات العمل الإضافيّة اليوميّة، فيما لم يتم المس بالراتب الأساسي".

 

لا مؤشرات في تحقيقات وزارة العمل والسفارة البنغالية على تعرّض العمّال للتعنيف

وزارة العمل والسفارة البنغلادشيّة أكدتا في تواصل سابق مع "المفكرة" بأنّ خلفيّات إضراب العمّال هي بسبب ارتفاع صرف الدولار فقط، ولم يتبين لهما أيّة مؤشرات عن تعرض أي من العمّال لأعمال عنف أو تعذيب. وكانت وسائل التواصل الاجتماعي قد نشرت فيديو يُظهر أحد العمّال البنغاليين ويُدعى عناية الله وهو مقيّد من رجليه ويتجمع حوله زملاء له بهدف الصلاة لأجله. ونقل العمّال في وقت سابق أن الشاب تعرّص للتعذيب على أيدي حراس الأمن التابعين للشركة وتم احتجازه في غرفة لثلاثة أيام. ونفى بو سعد تعرّض عناية الله للتعذيب أو للاحتجاز، وأشار بأنّ "الشاب سمع خبراً عائلياً مؤسفاً عرّضه لنوبات عصبيّة شديدة وكان يقوم بتكسير وضرب كل ما ومن هو حوله". يُضيف، "قامت الشركة بنقله إلى المستشفى وأكّدوا أنه يعاني من اكتئاب شديد"، مشيراً إلى أنّه "اقتضى عزله في غرفة مخصّصة لعزل الأشخاص الذين يصابون بفيروسات معدية لبضع  ساعات، وهي ليست سجناً كما تم التداول، وأعيد للعيش  مع زملائه ليهتموا  به". 

ويُشار إلى أنّ زملاء الشاب ينقلون عنه أنّه في "وضع صحي صعب وهو يُعاني من إرهاق نفسي شديد ولا يذهب إلى العمل".