بتاريخ 20 نيسان 2020، قام القاضي جهاد الدريدي، مساعد رئيس النيابة العامة، بوضع منشور على صفحته في (Facebook)، كانت بمثابة الحجر الذي يُلقى في مياه بحيرة راكدة شديدة السكون لتبدأ سلسلة من الإجراءات التأديبية ضدّه التي قد تؤدّي إلى إحالته للتقاعد.

كتب الدريدي "السلطة المطلقة مفسدة مطلقة. الوضع لا يستدعي إهدار حرية التعبير والحق في المحاكمة العادلة وإهدار مبدأ سيادة القانون والإعتداء على الملكيات وإظهار أن التأييد المطلق هو الوطنية وأن المعارضة وإبداء الرأي خيانة وغياب السلطتين التشريعية والقضائية ولا صوت يعلو على صوت خلية الأزمة. انتبهوا لسنا في حرب تقليدية. حتى لا يقال أن القضاة صمتوا صمت القبور".

توقيت المنشور كان بعدما يقارب الشهر على صدور الإرادة الملكية السامية بالموافقة على قرار مجلس الوزراء، بإعلان العمل بقانون الدفاع رقم 13 لسنة 1992، في جميع أنحاء المملكة الأردنية الهاشمية، إعتبارا من 17 آذار 2020 بسبب كوفيد 19 واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع انتشار الوباء. هذا ويمنح قانون الدفاع رئيس الوزراء مجموعة من الصلاحيات مثل تقييد حرية الأشخاص في الإجتماع والإنتقال والإقامة، تحديد مواعيد فتح المحلات العامة وإغلاقها كلها أو بعضها وتفتيش الأشخاص والأماكن والمركبات من خلال أوامر خطية تستطيع أن تعطّل العمل بالتشريعات القائمة.

ومن ضمن الإجراءات المتخذة تعطيل المحاكم وأغلب الدوائر الرسمية، حظر تنقل الأشخاص وتجوالهم في جميع مناطق المملكة ووقف سريان جميع المدد والمواعيد اللازمة لاتخاذ أي إجراء لدى أي وزارة أو دائرة حكومية أو مؤسسة رسمية عامة أو مؤسسة عامة.

تجنّبت الصحف التعليق أو تغطية الحدث. لكن بحسب ما تناقلته وسائل التواصل الإجتماعي، باشر المجلس القضائي باتخاذ إجراءات تأديبية ضد الدريدي.

وبحسب قانون استقلال القضاء الأردني رقم 29 لسنة 2014، فإنّ من مهامّ المجلس القضائي النظر في شؤون القضاة وتعيينهم وترفيعهم وترقيتهم وتأديبهم ونقلهم وانتدابهم وإعارتهم وإنهاء خدمتهم وفق أحكام هذا القانون، وهو بهذا الخصوص يتمتع بصلاحيات تقديرية واسعة يصعب مراقبتها. وللمجلس أيضا بناء على تنسيب الرئيس المستند إلى توصية لجنة مشكّلة من أقدم خمسة من قضاة محكمة التمييز من غير أعضاء المجلس إحالة أي قاضٍ على التقاعد، إذا أكمل مدّة التقاعد المنصوص عليها في قانون التقاعد المدني.

وبحسب القانون أيضا، تنتهي الدعوى التأديبية المقامة ضدّ القاضي المعني باستقالته وقبول المجلس لها أو بإحالته على التقاعد أو الاستيداع. وهذا يعني أنه في الحالة التي نحن أمامها، سيفقد القاضي جهاد الدريدي حقه بالاستمرار بالإجراءات التأديبية والطعن بالقرار الذي من الممكن أن يتخذ ضده أمام المحكمة الإدارية المختصة، في حال اتخذ قرار بإحالته إلى التقاعد في أي لحظة وفقا لما تقدم. هذا مع العلم أن حجم الإستنسابية وغياب الشفافية في التعامل مع هذه الحالة، يتركان مجالا واسعا للتأويل وبخاصة أن بإمكان المجلس القضائي أن يتخذ قرارا بالإحالة على التقاعد من دون تعليل.

هذه القضية تكشف أوجها عدة من الإنتقاص من ضمانات استقلالية القضاء في الأردن، أبرزها ثلاثة:

الأول، أن المجلس القضائي (وهو المرادف لمجلس القضاء الأعلى في عدد من الدول العربية الأخرى) الذي تناط به مهمة التأديب لا تتوفر فيه ضمانات الإستقلالية وفق المعايير الدولية، طالما أن جلّ أعضائه هم من الأشخاص المعينين في مراكزهم من دون أن يكون للقضاة انتخاب أي من هؤلاء. للتذكير، المجلس يتألف من رئيس محكمة التمييز رئيسا وعضوية كل من رئيس المحكمة الإدارية العليا نائبا للرئيس ورئيس النيابة العامة لدى محكمة التمييز وأقدم قاضٍ في محكمة التمييز ورؤساء محاكم الإستئناف وأمين عام وزارة العدل ورئيس محكمة بداية عمان ورئيسين من رؤساء محاكم البداية خارج العاصمة وفقا لأقدمية تاريخ استحداث تلك المحاكم. وقد سبق أن حاولت مجموعة من القضاة من خلال مذكرة مقدمة إلى مجلس نواب، عندما تمّت مناقشة القانون الحالي، تعديل تشكيل المجلس القضائي بحيث يتكون من إثنين وعشرين عضوا بما فيهم الرئيس وعلى أن يكون عشرة منهم من بين قضاة محاكم الدرجة الاولى يتم انتخابهم من قبل عموم القضاة لمدة أربع سنوات، ووضع قيود موضوعية على المجلس القضائي عند إحالة القاضي على التقاعد أو الاستيداع أو إنهاء خدماته، إلا أنّ هذه المحاولات لم ترَ النور.

الثاني، أنّ مجرد بدء الإجراءات ضد قاضٍ على أساس أقوال لا تتّصل إطلاقاً بدعاوى عالقة أمامه أو تتضمن أي فعل جرمي إنما يُعيد إلى الأذهان التعريف الملتبس لموجب التحفّظ والذي طالما استُخدِم كمرادف لموجب الصمت، بما يمنع القضاة من إبداء الرأي بأي قضية، بما فيها إصلاح القضاء أو الشؤون العامة. وهذا الأمر يشكل بدوره انتقاصا من إحدى ضمانات الاستقلالية وفق ميثاق الأمم المتحدة حول استقلال القضاء.

الثالث، أن مجرد إمكانية اتخاذ قرارات استنسابية بحق قاضٍ (الإحالة إلى التقاعد) إنما يفتح المجال أمام اتخاذ تدابير تمييزية بحق القضاة، بما يتعارض مع مبدأ المساواة بين القضاة. وما يفاقم من خطورة هذا التدبير التمييزي إمكانية حصوله في سياق ملاحقة القاضي بشأن قول أو فعل وعلى نحو يؤدّي إلى حرمانه من ممارسة الدفاع عن نفسه في موضوع الملاحقة. ومن شأن هذا الأمر أن يشكّل من هذا الجانب انتقاصا خطيرا من ضمانات المحاكمة العادلة، التي هي أيضا إحدى ضمانات استقلال القضاء الأساسية. إ