قبل زهاء سنتين، نشرنا عدداً خاصاً تحت عنوان: "القضاء العدلي، على أنقاض الاستقلالية". وها نحن اليوم، ننشر عدداً مكمّلاً له، يتناول القضاء الإداري الذي يُختزل حالياً بمجلس شورى الدولة. وفيما تكثر تجارب المواطنين أمام القضاء العدلي الذي يُعنى بكل القضايا المدنية كالإيجارات والقضايا الجزائية، فإنّ عدداً محدوداً منهم خَبِر القضاء الإداري الذي يتولّى بشكل أساسي النظر في شرعية القرارات الصادرة عن السلطة التنفيذية والإدارات العامة والبلديات، فضلاً عن تحديد مسؤولية الدولة عن الأضرار التي قد تتسبّب بها للمواطنين.

وكما العدد السابق، لا يأتي هذا العدد كردّة فعل على إجراء قضائيّ في إطار قضية معيّنة، ولا هو مرتبط بظرف معين (كما يحصل غالباً عند التداول بالقضاء في الإعلام)، بل يضمّ خلاصة مراقبتنا في مجال تنظيم هذا القضاء التي نُقدّمها كأسباب موجبة للإصلاحات التي نقترحها، كلّ ذلك ضمن خطّتنا لإصلاح قطاع العدالة في لبنان. فما هو الجهاز الذي يتولّى إدارة شؤون مجلس شورى الدولة ويضمن استقلالية قضاته وحسن سير العمل فيه؟ وهل هو مستقلّ إزاء السلطة السياسية، أم هو تطبيق جديد لنموذج مجلس القضاء الأعلى الذي هو بمثابة ذراع لهذه السلطة داخل القضاء العدلي أكثر مما هو حامٍ للقضاة العدليين في وجهها؟ وكيف يتم تعيين القاضي الإداري وترقيته ونقله ومساءلته.. إلخ؟ وما هي الضمانات التي تتوفّر له على طول مساره المهني؟ وأي مكانة للإعتبارات الطائفية والجندرية والعائلية في مختلف هذه المسائل؟ وما هي التدابير التي تستخدمها السلطة السياسية لاستمالة القضاة أو استتباعهم؟ وكيف يتفاعل قضاة المجلس بعضهم مع بعض وأي أشكال للتعاون أو التنافس فيما بينهم؟ وبما لا يقلّ أهمية، كيف نقيّم مواقف المجلس من صفة المواطن بالطعن بالقرارات الإدارية التي تنتهك القانون في مسائل خطيرة كالاعتداء على البيئة أو الملك العام؟ وكان مجلس شورى الدولة أصدر قرارات ردّ بموجبها عدداً من الدعاوى في قضايا من هذا النوع على أساس أنه ليس للجمعيات المختصة أو المواطنين المداعاة دفاعاً عن الخزينة العامة والبيئة، فاتحاً بذلك مجالاً واسعاً لنسف الشرعية ومعها الحقّ العامّ.

وأخيراً، ما هي الإجراءات المطلوبة لضمان شروط المحاكمة العادلة داخل هذا المجلس الذي لا يزال يعمل وفق أصول لم تلقَ أيّ تطوير منذ عقود، ويبقى تالياً بمنأى عن مجمل الإصلاحات التحديثية الحاصلة في الدول التي اعتمدت النظام القضائي الفرنسي؟ ومن أبرز الضمانات المنقوصة للمحاكمة أنّ المجلس ما زال يفتقد لقضاء مستعجل وتتولّى النظر في القضايا المقدمة إليه هيئات لا نعرف دائماً أعضاءها ومن دون عقد أي جلسة علنية، هذا فضلاً عن أنه لا يزال يصدر قراراته بالدرجة الأولى والأخيرة، بعدما تقاعس مكتبه ووزارة العدل عن إنشاء المحاكم الإدارية في المناطق وفق ما قرره المشرّع سنة 2000.

هذه هي نماذج عن بعض الأسئلة التي نطرحها ضمن المقالات المنشورة في هذا العدد. وقد سعينا من خلالها إلى التركيز على الأسباب البنيويّة لتخلخل العمل القضائي بمعزل عن الأحداث المتفرّقة أو المنعزلة وصولاً إلى سدّ نقص معرفي في هذا المجال. وعليه، تمثّل هدفنا الأول من هذا العدد في تمكين كلّ مهتمّ بالشأن القضائي من التعرّف عن كثب على تفاصيل البيئة المهنية التي يعيش فيها القضاة الإداريون في لبنان، والأهم على أبعادها وتأثيراتها على المنظومة الحقوقية والقضائية برمّتها. ففيما تشحّ الدراسات والأبحاث عن تنظيم القضاء عموماً، فإنّها تكاد تضمحلّ فيما يتّصل بالقضاء الإداري.

أما الهدف الثاني والذي نأمل تحقيقه أيضاً فهو أن ننجح في تحسيس الرأي العام حيال مخاطر بعض الممارسات المعتمدة في مجال تنظيم القضاء الإداري تمهيداً لاستنهاض القوى والفئات الاجتماعية لجبهها. فبمعزل عن ظروف أيّ قضية قضائية، ثمّة واقع خطير لا بدّ أن نتوقف عنده كما نتوقّف أمام "فزاعة"، وهو سواد ثقافة التدخّل في القضاء واستتباعه على أنقاض ما بقي من ثقافة استقلاله. ومن نافل القول إنّ مؤدّى هذه الثقافة في عمل القضاء الإداري هو تحصين الإدارات العامة إزاء المساءلة القضائية، مع ما يستتبع ذلك من استغلال للسلطة وانتهاك للشرعية. وبالطبع، تصبح هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً بالنسبة إلى الفئات أو القوى الأكثر تضرّراً من هذا الواقع أو التي يُنتظر منها بفعل وظائفها دورٌ أكبر في مجال القضاء. فأين هي تحرّكات المحامين الفردية والجماعية للمطالبة بإصلاح القضاء، هم الذين يستشعرون تحدّياً يومياً في ممارسة مهنتهم، في ظل ثقافة التدخّل هذه؟ وأيّ دور للمنظمات الحقوقية التي تدافع عن هذا الحق أو ذاك، وتختبر يوماً بعد يوم محدوديته في ظلّ غياب الضمانات القضائية؟ وأيّ دور للجامعيين في تطوير أبحاث علمية حول استقلال القضاء وشروط المحاكمة العادلة، هم الذين غالباً ما يدرّسون قرارات المحاكم بقطع النظر عن ظروف اتخاذها؟ ولا ننسى دور الإعلاميين والأحزاب السياسية في تكوين رأي عام حول أبعاد ممارسات التدخّل في القضاء ومخاطرها الجسيمة على الحريات العامة ومشروع بناء الدولة.

وإذ نجحنا في إيصال اقتراحنا لإصلاح القضاء العدلي إلى المجلس النيابي (وقد بدأت مناقشته فعليّاً وإن بخطوات متباطئة)، فإن ثمّة ظروفاً مساعدة تبعاً لثورة 17 تشرين، يؤمل أن تشكّل رافعة لاقتراحنا بشأن القضاء الإداري الذي نحن في صدد تقديمه، رغم أنّ هذا القضاء يبقى بشكل أعمّ غريباً عن المواطنين الذين قلّما يختبرونه. ومن أهم الأسباب المساعدة، الآتية:

  • أنّ ثورة 17 تشرين شكّلت صحوة في الشأن القضائي. فبعدما كان هنالك ما يشبه حالة لامبالاة إزاء القضاء، ساد منذ الأيام الأولى للثورة شعورٌ عامّ بأولوية استقلال القضاء، بالنظر إلى دوره المركزي في مكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة. وهذا ما يفسّر انعقاد عدد كبير من حلقات النقاش في ساحات الثورة حول هذا الموضوع، حيث دأب ناشطون من غير القانونيين على متابعتها رغبة منهم في التعرّف أكثر فأكثر على كواليس القضاء وخفاياه،
  • أنّ ثورة 17 تشرين أعادت الإهتمام بالشؤون العامة، بعد انكفاء طويل عنها. وهذا الأمر يستوجب بالضرورة اهتماماً أكبر بالقضاء الإداري الذي هو الحارس الفعلي لشرعية القرارات العامة. وقد جاءت تفليسة المصارف وانعكاساتها السلبية على مئات الألوف من المواطنين بمثابة درس لمدى ارتباط حياتنا وملكيتنا بالإدارة العامة للدولة، درس بأنّ نهب المال العام ليس أمراً خارجاً عنّا، بل قد يقود بالنتيجة إلى نهب أموالنا الخاصة، تماماً كما حصل بعد إغراق ودائع الناس ضمن ودائع المصارف لدى مصرف لبنان،
  • أنّ ثورة 17 تشرين أسقطت مشروعية نظام الزعماء وهالاتهم، ومعها مشروعية الممارسات المعتمدة لتطييف المراكز الهامّة وتقسيمها فيما بينهم، وإن ما زالت أدوات هذا النظام وممارساته قائمة،

وإذ نقول ذلك، فنحن لا نتوهّم إطلاقاً حجم الصعوبات والعوائق التي قد تعترض أيّ مشروع إصلاحيّ (الأصح أي معركة اصلاحية) وبخاصة في المجال القضائي وبخاصة في ظل الظروف المعيشية الخانقة وما تفرزه من تداعيات إضافية، ولكن ندرك في الوقت نفسه أنّ أهمية المسألة في بناء دولة الغدّ تحتّم علينا خوض غمارها.

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 65 | حزيران 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

القضاء الإداري: من يحمي الدولة ومن يدافع عنها؟