لكلّ جسم قضائي في لبنان هيئة مهمّتها السهر على استقلاليته وحسن سيره. وبالنسبة للقضاء الإداري، هذه الهيئة هي مكتب مجلس شورى الدولة (نشير إليه بـ"المكتب" في المقالة)، وهي توازي مجلس القضاء الأعلى بالنسبة إلى القضاء العدلي[1]. والفكرة الأساسيّة التي تبرّر تنظيماً مماثلاً هي وجوب إنشاء هيئة عامّة مستقلّة عن السلطة التنفيذية، تتولّى بدرجة أو بأخرى تعيين القضاة وإدارة مساراتهم المهنيّة، كضمانة أساسية من ضمانات استقلال القضاء. ولكن بالطبع، يبقى ضمان استقلال القضاء مسألة صعبة ودقيقة جدّاً، تتطلّب غالباً شعوراً عالياً بالإستقلالية وجهوزية دائمة، قد تصل إلى حدّ مواجهة قوى نافذة جداً تجهد بشكل منتظم لكسب مواقع داخل القضاء أو على الأقل لكسب قضايا معينة. فما هي القواعد المُعتمدة لتمكين المكتب من القيام بهذه المهمة الجسيمة؟ وأكثر تحديداً، ما هي القواعد المُعتمدة لتحصين استقلال أعضاء المكتب أنفسهم، وما مدى ملاءمتها ونجاعتها؟

قبل المضي في معالجة هذه التساؤلات، نسارع إلى القول بأن من شأن التدقيق في تفاصيل آليات تعيين أعضاء المكتب ومواصفاتهم أن يولّد لدى أيّ مراقب موضوعي مخاوف مشروعة من أن يؤدي المكتب أدواراً معاكسة للأدوار المرجوّة منه. فبدل أن يشكّل ضمانة للقضاة في مواجهة النظام السياسي، يُخشى أن يتحوّل على خلاف ذلك تماماً إلى حارس لمصالح النظام السياسي داخل القضاء، إلى ذراع له، ذراع أخطر ما فيها أنها تشرّع التدخّلات السياسية وتغطّيها. وما يزيد من قابلية الأمر للنقد هو إعطاء الغلبة للسلطة التنفيذية في عدد من الصلاحيات المناطة بالمكتب، والصلاحيات الواسعة التي بإمكان رئيسه أن يمارسها بصورة منفردة، بما يعزز سلطته الهرمية على مجلس شورى الدولة برمته، فضلاً عن النقص في الشفافية.

 

من هم أعضاء المكتب؟

قضاة وهرمية وطائفية وذكورية

يتألّف مكتب مجلس شورى الدولة من سبعة أعضاء، وهم على التوالي: رئيس المجلس وهو يرأس في الآن نفسه مكتبه، ومفوض الحكومة لدى المجلس وهو نائب رئيس المجلس، ورئيس هيئة التفتيش القضائي (وهو كذلك عضو في مجلس القضاء الأعلى)، بالإضافة إلى رؤساء الغرف لدى المجلس وعددهم 4. وتكون ولاية هؤلاء غير مقيدة بمدة محدودة، بحيث تبقى قائمة ما داموا يشغلون المراكز المذكورة. وسيضاف وفق نظام المجلس إلى هؤلاء ثلاثة أعضاء فور إنشاء المحاكم الإدارية في مراكز المحافظات، وهم الثلاثة الأعلى درجة من بين رؤساء هذه المحاكم.

وعليه، يتحصل الأمور الآتية:

  • أنّ جميع هؤلاء قضاة. ومن شأن هذا الأمر أن يعزّز النزعة الفئوية النقابية داخل القضاء، ومعها نزعة الإنعزال السائدة تقليدياً لدى القضاة وتالياً أن ينعكس سلباً على تنظيم القضاء وأعمال التقييم والمحاسبة. ويتعارض هذا الواقع مع المعايير الدولية التي تفترض وجود "تشكيلة متعددة تعدداً حقيقياً (...) بحيـث يُمثّـل فيهـا المشرِّعون والمحامون والأكاديميون وسواهم من الأطراف المعنية بطريقة متوازنة". كما تعتمد أغلب الدساتير الأوروبية الحديثة تركيبة مختلطة لمجالس القضاء الأعلى، على خلفيّة أنّ القضاء شأنٌ عامّ وأن استقلالية القضاء ليست امتيازاً أو حقاً للقضاة بل هي قبل كل شيء ضمانة للمتقاضين كافة. وهذا أيضاً ما اتجه إليه الدستوران المغربي والتونسي في 2011 و2014.
  • أنّ جميع أعضاء المكتب يستمدّون عضويّتهم من مراكزهم القضائية، التي يُعيّنون فيها بقرارات تتّخذها السّلطة التنفيذيّة، من دون أن يكون لقضاة المجلس إمكانية انتخاب أيّ ممثل لهم فيه. وما يزيد من هامش السلطة التنفيذيّة في تعيين أعضاء المكتب، هو الخيار الواسع المُعطى لها باختيار الأشخاص ليس فقط من بين القضاء الإداريين، بل أيضاً من بين فئات أخرى من أبرزها القضاء العدلي. وعليه، قد يهبط رئيس المجلس أو رئيس إحدى غرفه بالباراشوت فيه. وخير دليل على ذلك هو أن المكتب كان في أوائل 2019 مكوّناً في غالبيته من أشخاص خرجوا من القضاء العدلي. ويتعارض هذا الأمر مع المعايير الدولية التي تفرض أن يكون غالبية أعضاء هيئات مماثلة منتخبين من القضاة أنفسهم.
  • أنّ غالبية الأعضاء هم من الرؤساء (رئيس المجلس ورؤساء الغرف ورئيس هيئة التفتيش ومفوض الحكومة الذي يرأس مفوضية المجلس). في المقابل، لا يتمثل أيّ من المستشارين أو المستشارين المعاونين في المجلس (وهم يمثلون 91% من قضاة المجلس)، بما يؤدّي إلى تغييب هاتين الرتبتين عنه وتعزيز التنظيم الهرمي فيه وبفعله.
  • رغم أنّ النص القانوني خلا من أيّة إشارة إلى الإنتماء الطائفي لأعضاء مكتب المجلس، فإنّ الأعراف أدّت إلى فرض توزيعهم الطائفي (مارونيّان، شيعيّان، سنيّان وأرثوذكسي). ويرجح أن يخضع تعيين رؤساء المحاكم الإدارية (في حال إنشائها) لمعادلات طائفية، تجعل مكتب المجلس مشابهاً من حيث التوزيع الطائفي لمجلس القضاء الأعلى (بحيث يضاف إليه ماروني وكاثوليكي ودرزي بما يحقق المناصفة).
  • من شأن الاعتبارات الطائفية المذكورة أن تعزّز تدخّل السياسيين في اختيار الأشخاص على رأس مجلس الشورى وغرفه، بعدما تحوّل تطييف المراكز إلى مرادف للمحاصصة بين زعماء الطوائف. وهذا ما تجلّى بوضوح كلّي في فترة الصراع السياسي الدائر حول تعيين أعضاء مكتب المجلس والذي أبقى المكتب مُعطَّلاً لشغور غالبية مقاعده طوال الفترة المُمتدَّة من 27 آب 2016 إلى 28 آذار 2017. وقد بدا واضحاً من خلال التجاذب الحاصل أنّ الطبقة السياسية تعاملت آنذاك مع التوزيع الطائفي داخل مكتب المجلس على أنّه ضمانة لها لتعيين مُمثِّلين أو أشخاص يراعون مصالحها في كلّ ما يتصل بمقرراته.
  • أنّه يتكون في غالبيته من الرجال الذين ما برحوا يشغلون جميع مراكز رؤساء الغرف بالأصالة. ويلحظ أنّ المرأة الوحيدة (مفوّضة الحكومة فريال دلول) حالياً في المكتب دخلت إليه في العام 2017[2]. وما يزيد من قابلية هذا الأمر للنقد هو أنّ نسبة النساء في المجلس بلغت 57%.

 

الغلبة للسلطة التنفيذية

على صعيد علاقة المكتب مع وزير العدل، توجب 10 موادّ من نظام المجلس اتّخاذ قرارات بالتعاون بين مكتبه ووزير العدل[3]. وقد نصّت المادة 19 من نظام مجلس شورى الدولة على أنّه "في الحالات التي يوجب القانون فيها موافقة وزير العدل على قرارات المكتب تعقد جلسة مشتركة بينهما للنظر في النقاط المختلف عليها". ويكون لمجلس الوزراء صلاحية بتّ أي خلاف بين المجلس ووزير العدل في حال استمراره. ومؤدّى هذا الأمر إعطاء الكلمة الأخيرة وتالياً الغلبة للسلطة التنفيذية في كل هذه المسائل، وذلك بخلاف الحال في تنظيم القضاء العدلي حيث انتقلت مبدئياً سلطة الحسم إلى مجلس القضاء الأعلى بغالبية 7 من أعضائه في ما يتصل بالتشكيلات القضائية.

 

صلاحيات فائقة لرئيس المجلس

يشغل رئيس المجلس (وهو نفسه رئيس مكتبه) مكانة مركزية في القضاء الإداري. فهو يتمتّع بصلاحيات الرئيس الأعلى للهرم القضائي الإداري على المستويين الإداري والمالي. وتتركّز في يديه صلاحيات تنظيمية هامّة لا سيّما في مسألة التعيينات ونقل المستشارين المعاونين. كما أنّه يقرر بخصوص توزيع العمل بين مختلف غرف المجلس والذي يبقى منوطاً بموافقة وزير العدل. كما يتولّى التحقيق بواسطة أحد القضاة في القضايا التأديبية بحق قضاة المجلس كما يرأس المجلس التأديبي ويتولّى تكليف القضاة بمهام استشارية لدى الإدارات العامة. تميل هذه الهيمنة إلى تعزيز الهرمية داخل المكتب وتجاهل مبدأ اتخاذ القرار ضمن هيئة جماعية. ويلحظ أنّ المجلس الدستوري كان اعتبر تمركز السلطة التنظيمية في المجلس في يد شخص واحد أمراً غير دستوري ومناقضاً لمبدأ استقلال القضاء[4].

 

انعدام الشفافية

لا ينصّ القانون على أيّ تدبير يضمن شفافية نشاط المكتب، لا داخليّاً ولا خارجيّاً. فلا يوجد أيّ نظام لترتيب العلاقات داخل المكتب أو لوضع معايير تؤطّر عمله. وفيما يفرض القانون سرّية المداولات فقط، فإن المكتب يبقي السرية قائمة على كل قراراته ويمتنع عن الإعلان عن جدول أعماله، بخلاف صريح مع قانون حق الوصول للمعلومات.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 65 | حزيران 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

القضاء الإداري: من يحمي الدولة ومن يدافع عنها؟

 


[1] مجلس الشورى قرار رقم 5/2000 تاريخ 27/6/2000، مجموعة قرارات للمجلس الدستوري ـ 1994 ـ 2016، مجلّد 1، ص. 139.

  Recueil des décisions du Conseil constitutionnel

 [2]تعيين مفوَّض حكومة لدى مجلس شورى الدولة، القاضية فريـال دلّول (المرسوم رقم 397 تاريخ 28/3/2017).

[3] هذه المواد هي على التوالي: 6 و7 و8 و9 و18 و19 و34 و41 و45 و51.

[4] يتعارض ذلك مع القرار 5/2000 للمجلس الدستوري الذي أبطل الفقرة 5 من البند الثاني في المادة 34 من القانون 227/2000 المخالف للدستور لأنه  يمنح رئيس مجلس شورى الدولة سلطة تعيين قضاة الدرجة الأولى في القضاء الإداري بقرار منفرد منه.