باشرت تونس منذ 24 ماي 2020 تخفيف إجراءات الحجر الصحي الشامل تزامنا مع تحسن نتائج الرصد اليومي لتفشي فيروس كورونا التي بلغت مستوى صفر حالة جديدة طيلة أيام متتالية. هذا النجاح في محاصرة هذه الجائحة والحدّ من آثارها، لا يجب أن يحجب حقيقة أن تونس دخلت المعركة ضد هذا الوباء وقطاع الصحة يشهد أسوأ حالاته وما كان من الممكن خوض المواجهة من دون وضع سياسات تباعد إجتماعي صارمة، كان لها أثر كبير على الإقتصاد التونسي. وقد مثّل هذا الواقع كابوسا حقيقيا للمسؤولين والمواطنين على حدّ سواء، في حالة خروج الأمر عن السيطرة. فقد عانت المؤسسات الصحية العمومية خلال السنوات المنصرمة من تبعات سياسة التقشف والضغط على مصاريف الدولة خصوصا على مستوى الإستثمار والتنمية. خيارٌ ألقى بظلاله على قدرة المرفق الصحّي العموميّ على تقديم خدماته بالجودة المطلوبة لا على صعيد تطوير البنى التحتية فحسب، بل وفي الحفاظ على عناصره البشرية من أطباء وإطارات شبه طبيّة والذين غيّروا وجهتهم نحو القطاع الخاص في تونس أو خيّروا الهجرة بحثا عن ظروف عمل أفضل.

أزمة كورونا، كشفت أيضا عن حجم الظلم المسلط على الجهات الداخلية على مستوى التمتع بالخدمات الصحية العمومية، حيث تتركّز 92.7% من وحدات الإنعاش في الشريط الساحلي للبلاد. ولا يتوقّف التمييز الجهويّ عند المنشآت الصحيّة فحسب، بل يشمل توزيع الأطباء والإطارات الطبيّة، الذين يتواجد 78% منهم في تونس العاصمة والشريط الساحلي للبلاد. أرقام تؤكّد أن هذا القطاع ما هو إلاّ وجه آخر للإختلال الجهوي على المستوى التنموي والإجتماعي، ودليل على الفرق الشاسع بين مثالية النصّ الذي يكفل الحقّ في الصحة كواجب دستوري للدولة تجاه مواطنيها والوضع على أرض الواقع.