عمّقت جائحة كوفيد 19 صعوبات المهاجرين أصيلي دول جنوب الصحراء بتونس بأن زادت على ما كانوا يعانون من هشاشة اجتماعية، بطالة وعوزا. بعضهم إستعان بالسلط المحلية طلبا للعون في وقت كانت فيه قلة منهم تُطلق نداءات استغاثة عبر مواقع التواصل الإجتماعي. لكن أغلبهم اختاروا الصمت وكتم المعاناة ليظلوا كما كانوا "غرباء" الجمهورية. فالنصوص القانونية التي سُنّت على إثر وضع دستور 2014، بهدف توفير حماية خاصّة للفئات الهشّة والمستضعفة[1] لم يكن لهم منها نصيب يضمن الحق.

 

هشاشة واحدة لا تكفي… كورونا تضاعف مأساة المهاجرين

بعد يوم من إعلان الحكومة التونسية الحجر الصحي في البلاد، اتّصلت بي مشغّلتي وطلبت منّي عدم القدوم لمساعدتها في أعمال البيت والعناية بطفليها إلى غاية رفع الحجر. قالت لي: سأعطيك نصف جرايتك الشهرية، (300 دينار)، وتوقّفي عن القدوم. أخذت المال واقتنيت به بعض المؤونة وأعطيت مائتين وخمسين دينارا لزوجي للمساهمة في أجر كراء البيت. وفي غضون أقلّ من ساعة لم يبقَ معي دينار واحد. لديّ طفلة رضيعة عمرها خمسة أشهر يلزمها الكثير من الحفاظات وحليب الأطفال. فكرة أن يتواصل الوضع أكثر ترعبني."

كذلك تحدثت لي "فيرونيك" القادمة من الكوديفوار (ساحل العاج)  لتونس بحثا عن واقع أفضل بنبرة فيها خوف من أن تسمع شكواها. لم يكن هذا حالها وحدها. فقد فقد 53% من المهاجرين في تونس وظائفهم خلال فترة الحجر الصحي العامّ، وفق المنظمة الدولية للهجرة التي بيّنت أنّ معدل التوظيف بين المهاجرين القادمين من دول جنوب الصحراء في البلاد إنخفض من 64% إلى 11% منذ فرض الحظر الصحي في الفترة ما بين 22-03-2020 و03-05-2020.[2] وتظل عموما هذه مجرد تقديرات قد يكون الواقع أكثر قسوة منها اعتبارا لكون هذه الفئة من المهاجرين كانت حتى قبل الكورونا في منتهى الهشاشة.

دفعت الحروب الأهلية ومعها الصعوبات الإقتصادية عددا من مواطني دول جنوب الصحراء لتجربة الهجرة الإقتصادية لتونس. بدا مطلبهم في منطلقه سهلا اعتباراً لغياب شرط الفيزا، ذاك الشرط الذي يمنعهم من إطلاق شراع حلمهم تجاه الشمال. بعد وصولهم لتونس وبمجرد نهاية إقامتهم السياحية، يتبين لهم أن الحصول على إقامة قانونية من قبيل المستحيلات. فهم من اليد العاملة البسيطة، والقانون التونسي لا يجيز إستقدام عمالة أجنبية إلا متى ثبت أن لها كفاءة يحتاج إليها النشاط الإقتصادي ولا تتوفّر في العمالة المحلية. وبفعل ذلك، تضعهم هذه السياسة الحمائية في خانة الاقتصاد غير النظامي وحياة الخوف من الترحيل.

يُنتدب المهاجر في العمل من دون عقد أو ضمانات قانونية. ولا يتحصّل على الأجر الذي يناظر حقيقة الجهد الذي يبذله. وهو يقضي يومه كاملا تحت طائلة الخوف من الوقوع في إشكالية قد تقوده لمركز الأمن شاكيا أو مشتكى به لكون أي أبحاث تطاله تنتهي بالضرورة لترحيله، ترحيل يسبقه إيداع لمدة طويلة في مركز الترحيل بالوردية، "ذاك السجن" الذي يتحدث كلّ من مرّ به عن قسوة ظروف حياته.

كنت سابقا وقبل بداية أزمة الكورونا بفترة وجيزة زرت ذاك المركز. هناك تعرفت لكثيرين ممن كانوا فيه وحلموا بجمع بعض المال من عمل صعب وشاق يرسلونه للأهل. حدثوني عن صعوبة إقامتهم وخوفهم من الترحيل وإلتزاماتهم الأسرية. من هؤلاء ب.ب الكامروني الجنسية، والذي وبفعل الضغط الحقوقي والخوف من الكورونا، أطلق الأمن سراحه وعدل عن ترحيله. اتّصلت به هاتفيا. حدّثني بكلام جمع بين السعادة بانتهاء كابوس الترحيل ولو لحين والخوف من المستقبل والحاضر. قال: "أسكن في شقة مع أصدقاء. لا يعرف أيّ منا من سيدفع معاليم كرائها ولا من سيوفر للثمانية الذين فيها قوتهم يوم تنتهي الأموال القليلة المتبقية لدينا". ليضيف: "لا أريد أن أشعر بأنني عالة عليهم. لكنني، بعد قضاء فترة احتجاز طويلة، انقطعت علاقتي بالمشغّلين الذين تعاملت معهم سابقا ويمكن أن يساعدوني. زِدْ على ذلك، من سيساعد اليوم؟.كنت في سجن، وغادرته إلى سجن أوسع. صرت متأكدا أن حظّي سيّء، فقد غادرت الوردية لأجد الجائحة والبطالة في إنتظاري. لكن، لأكون صادقا، أن أجوع وأنا في بيتي أفضل. لديّ صديقان ما يزالان محتجزين هناك… وضعهما سيئ جدّا. سفاراتنا لا تساعدنا وتونس لا ترغب فينا وتتجاهلنا".

 

مجهولون لدى سفاراتهم… منسيّون من الدولة التونسية

حتى قبل أزمة كوفيد 19، وعلى الرغم من أوضاعهم الإقتصادية والإجتماعية المزرية، لم يكن المهاجرون غير النظاميين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، موضوع عناية من سفارات بلدانهم. يذكر المكلّف بالإعلام في المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية رمضان بن عمر للمفكرة القانونية أنّ تدخلات الدول الإفريقية من أجل منظوريها في تونس ضعيفة. وأوضح "الصنف من المهاجرين الذي على اتّصال أكبر بالسفارات هو صنف الطلبة والمقيمين بطريقة قانونية". ليضيف "أن  المهاجرين والمقيمون بطريقة غير نظامية هم في قطيعة مع سفارات بلدانهم لأسباب عديدة خاصّة منها الخوف من تعاون السفارات مع السلطات الأمنية التونسية في حالات الإيقاف وغيرها. وبالتالي، هم يفضّلون أن يكونوا غير معلومين لدى سفارات بلدهم."

 

المجتمع المدني يؤسّس لواقع جديد

تحرك جانب من المجتمع المدني في المناطق التي تعرف بكثافة عدد المهاجرين فيها في اتجاه يؤكد قيمة المشترك الإنساني سواء بحثا عن حلول عاجلة للمأزق الاجتماعي أو طلبا لتحسين التعامل الرسمي معهم. من بين هؤلاء وفي منطقة الحي الأزرق بالضاحية الشمالية للعاصمة تونس، اهتممْنا بتجربة جمعية باي الحوم (by الحوم)

هذه الجمعية المحلية هي من بين المبادرين بجمع المساعدات وتوزيعها على مستحقيها من فئة المهاجرين. وقد أعلم رئيسها أسامة بوعجيلة "المفكرة القانونية" إنّه إلى غاية بداية شهر ماي الجاري، نجحنا في تقديم المساعدة إلى أكثر من 1500 مهاجر من متساكني البحر الأزرق والأحياء المجاورة في الضاحية الشمالية للعاصمة". ويشرح: "هذه المساعدات تتمثّل في إعانات عينية على غرار الغذاء والأدوية وأدوات التنظيف، وإعانات مالية كما تتمثل في وساطة بين المؤجّر والمهاجر المكتري.

بعثت الجمعية لجنة مواطنية للوساطة قوامها أربعة أشخاص، إثنان من بينهم تونسيان والآخران مهاجران. وجميعهم أشخاص يحظون بالإحترام والتقدير من قبل متساكني البحر الأزرق. "تعهدت ب 150 طلب نجحت في تسوية 40 منها".

باي الحوم وسواها من الجمعيات لم تكتفِ بمساعدة المهاجرين. بل نجحت، بفضل خطابها الإعلامي، في تحريك السلطة وحثها أحيانا على العناية بهذه الفئة المنسية.

 

بعد تجاهل، السلطة تعترف بالمهاجرين

بلدية المرسى كانت أول الجهات المبادرة لمساعدة المهاجرين. تمثلت هذه المبادرة في جمع تبرعات لخلاص معيّنات كراء المستأجرين. كما سَعَتْ لإقناع عدد من مالكي المحلّات لإعفاء معاقديهم من دفع المعاليم المستوجبة[3]. ذات النهج اعتمدته بلدية سكرة[4] ورواد، وهي البلديات التي يقطنها العدد الأكبر من المهاجرين بتونس العاصمة.

وفي ذات الوقت، قاد تحرك منظمات المجتمع المدني والتفاعل الإعلامي معها الحكومة إلى التراجع عن "تجاهلها" لواقع المهاجرين في اتجاه إعلان حزمة من الإجراءات الإدارية لصالحهم. وقد تمثّلت هذه الإجراءات في تعليق احتساب الآجال القانونية للإقامة بتونس منذ غرة مارس، وتعليق احتساب آجال إنقضاء تأشيرة الدخول للبلاد التونسية إلى غاية إنقضاء الموجب.

كما كوّنت الحكومة "لجنة متابعة الوضعيات الإنسانية للأجانب المقيمين بتونس" وقد حدد دورها في "ضبط خطة عمل هدفها تنسيق جهود مختلف المتدخلين في مجال الإحاطة بالأجانب المقيمين بتونس وضبط حاجياتهم لجمعها وإيصالها إليهم في أفضل الآجال والظروف لتخفيف حدّة الأزمة الإقتصادية والإجتماعية التي ولّدها إقرار فترة الحجر الصحي الشامل بسبب التدابير الوقائية التي اتخذتها الدولة التونسية." وقد علق للمفكرة أحد مهندسي اللجنة مدير عام حقوق الإنسان بوزارة حقوق الإنسان نزار البركوتي على إنشاء اللجنة: "إنها مبادرة فريدة من نوعها على المستوى الإقليمي. لقد شارك فيها مختلف الأطراف الوطنية والدولية المهتمة بشؤون الأجانب في تونس على غرار وزارة الخارجية ووزارة الشؤون الإجتماعية ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي وممثل عن مجلس نواب الشعب والمنظمة الدولية للهجرة والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين والجمعيات التونسية المهتمة بشؤون المهاجرين واللاجئين وإتحاد الأعراف مع ممثل عن وسائل الإعلام متخصص في شؤون الأجانب في تونس. وهذا في حد ذاته حدث هام سنسعى مستقبلا كدولة تونسية لتثمينه وتطويره من أجل إيجاد تدبير مؤسّسي أو وضع مبادرة تنظيمية للتّعاطي مع فئة المهاجرين بمقاربة موحدة تأخذ بعين الإعتبار كل جوانب الموضوع وذلك في كنف احترام القانونين الدولي والوطني."

كما ركزت الحكومة منصّة إلكترونية لتلقي طلبات المساعدات من الأجانب المتواجدين في تونس على اختلاف جنسيّاتهم ووضعيّاتهم القانونية من جهة وتلقي عروض التبرع التي يرغب في تقديمها الأشخاص الطبيعيون أو المؤسسات الاقتصادية الراغبة في معاضدة مجهودات الدولة في مساعدة هذه الفئة الهشة، من جهة أخرى. وقد تمّ اختيار التصرف بطريقة إلكترونية وفق البركوتي، بهدف "توفير القدر الأوفر من الشفافية في التّعامل مع طلبات الإعانة والتّبرعات وبالخصوص لحفظ كرامة طالبي المساعدة وتجنيبهم مظاهر التّسول لدى الجهات المتبرّعة أيا كانت".

 

  • نشر هذا المقال في الملحق الخاص بالعدد 18 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة الملحق اضغطوا على الرابط أدناه:

الكورونا غزوة مرعبة بأسئلة كثيرة

  •  لقراءة العدد 18 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |  اضغطوا على الرابط أدناه:

التعليم، قلعة تونس المتصدعة

 


[1]  على غرار القانون الأساسي عدد 43 لسنة 2013 المؤرخ في 21 أكتوبر 2013 والمتعّلق بالهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب والقانون الأساسي عدد 61 لسنة 2016 المؤرّخ في 3 أوت 2016 والمتعلّق بمنع الاتّجار بالأشخاص والقانون الأساسي عدد 50 لسنة 2018 المؤرّخ في 23 أكتوبر 2018 المتعلّق بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري والقانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المؤرّخ في 11 أوت 2017 والمتعلّق بالقضاء على العنف ضدّ المرأة،

[2] الهجرة الدولية: إجراءات كورونا قضت على وظائف أكثر من نصف المهاجرين في تونس، مهاجر نيوز، 8 ماي 2020،

[3] بسمة بركات، بلدية تونسية تتكفل بإيجارات المهاجرين الأفارقة بسبب كورونا، العربي الجديد

[4] ريم حسناوي، أزمة كوفيد 19 في تونس تعمّق معاناة المهاجرين الأفارقة وتؤكّد تعرّضهم إلى التهميش والإقصاء، إكسبرس أف أم