منذ نهاية العام الماضي ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية في لبنان والتي ترافقت فيما بعد مع احتجاجات السابع عشر من تشرين  وحجز المصارف على أموال المودعين وارتفاع سعر الدولار مقابل الليرة وبعدها إعلان التعبئة العامة بسبب وباء "كورونا"، فقدت الكثير من العائلات مصادر دخلها أو قيمة هذا الدخل، فبرزت أزمة جديدة تتعلّق بالسكن وتحديداً بالنسبة للمستأجرين، انطلاقاً من أنّ كلفة السكن تشكّل حوالي 40% من دخل الأسرة حسب "مرصد السكن" الذي يديره استوديو "أشغال عامة".

المؤجّر ليس دائماً من أصحاب الملايين!

"أصحاب البيوت أو المالكون المؤجّرون ليسوا كلّهم أصحاب ملايين، فنسبة كبيرة منهم يعتاشون أو يعتمدون بشكل جزئي في معيشتهم على ما يتقاضونه من بدل منزل أو محلّ يؤجّرونه"، يقول باسم الرجل الستيني الذي يؤجّر محلّاً يملكه في بيروت، في حديث مع "المفكرة القانونية".

باسم وبعد توقّفه عن العمل ولأنه لا يتقاضى معاشاً تقاعدياً كان يعتمد على بدل إيجار المحلّ الذي يوفّر له دخلاً شهرياً بحدود 1200 دولار، إلّا أنّ بدل الإيجار هذا انخفض  إلى 1000 دولار مع نهاية العام الماضي ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية.

"ما أتقضاه من بدل الإيجار انخفض مرّتين، مرة عندما لم يعد المستأجر يستطيع دفع ما كان يدفعه فتوصّلنا إلى تسوية خفّضت بموجبها المبلغ، ومرة أخرى عندما ارتفع سعر الدولار مقابل الليرة وخسر هذا المبلغ قيمته بسبب ارتفاع الأسعار في السوق" يقول باسم. ويضيف أنّه في آخر المطاف وصل الإيجار إلى 800 ألف ليرة أي ما لا يساوي 200 دولار حالياً، ولكن حتى هذا المبلغ لم يدفعه المستأجر منذ بداية العام حتى اليوم، ولكنّه لم يلجأ حتى هذه اللحظة إلى إخلاء المستأجر.

تسويات كثيرة فرضت نفسها بين المستأجرين والمالكين في الأشهر الأخيرة وبحكم الأمر الواقع، إلّا أنه في الكثير من الحالات اضطر المستأجر إلى ترك مكان سكنه لأنّ المالك لم يرض بتسوية الوضع أو لأنّ المستأجر لم يستطع دفع الإيجار حتى بعد التسوية، تماماً كما حصل مع حسين الذي يستأجر منزله مقابل 400 دولار. فقد توصّل إلى تسوية مع صاحب الملك لدفع بدل الإيجار بالليرة اللبنانية على أساس سعر الدولار الرسمي، أي تصبح القيمة بالليرة اللبنانية 600 ألف، ومن ثمّ قبل صاحب الملك بـ 500 ألف، ولكن حتى هذ المبلغ لم يعد باستطاعة حسين دفعه فقرّر ترك المنزل والتوجّه خارج العاصمة إلى بيت أصغر، حسب ما يشرح في حديث مع "المفكرة". ويقول حسين: "أنا أعلم أنّ الظروف المعيشية صعبة على الجميع، وصاحب المنزل يدفع قسط شقة اشتراها من بدل الإيجار الذي كنت أدفعه، وكي لا أتخلّف عن الدفع قرّرت ترك الشقة من دون مشاكل".

الإخلاء يحتاج دعوى قضائية

على الرغم من صورة التكافل التي طبعت العلاقة بين العديد من المستأجرين والمؤجّرين في الآونة الأخيرة، إلا أنّ هناك أيضاً حالات أُجبرت فيها عائلات على ترك منزلها وإخلائه بسبب تأخّرها عن دفع الإيجار أو عدم دفعه طيلة أيام التعبئة بسبب توقف المعيل عن العمل في هذه الفترة. فبعض المؤجرين لم يحترموا حتى قرار تعليق المهل والممتد إلى آخر تموز، وأجبروا المستأجرين غير القادرين على الدفع على ترك المنزل وإخلائه، الأمر الذي يعتبر غير قانوني إذا ما جاء من دون دعوى قضائية بحسب ما يؤكد المحامي حسن بزي.

بزي وفي حديث مع "المفكرة القانونية" أكّد أنه لا يحقّ للمؤجّر، أيّاً كان السبب، إجبار المستأجر على إخلاء المنزل إلا بعد اللجوء إلى القضاء والاستحصال على أمر قضائي بالإخلاء، مشدداً على حق المستأجر في اللجوء إلى القانون في حال تعرّضه لأيّة مضايقات أو تهديد من صاحب المنزل.

وفي ما خصّ موضوع إجبار المستأجر على الدفع بالدولار أو بالليرة اللبنانية على سعر الصرف في السوق السوداء، يؤكد بزّي أن هذا الأمر أيضاً غير قانوني، انطلاقاً من أنّ الليرة اللبنانية هي وحدة النقد والعملة الرسمية في لبنان بحسب نص المادة الأولى من قانون النقد والتسليف.

ويشرح بزي أنّه انطلاقاً من المادتين 7 و8 من القانون نفسه تتمتع الليرة اللبنانية بقوّة إبرائية غير محدودة على أراضي الجمهورية اللبنانية، وبالتالي يحقّ لكل مدين أن يبرّئ ذمّته بالعملة اللبنانية الرسمية.

وفي حين يشير بزّي إلى أنّ قانون الموجبات والعقود خاضع لمبدأ حرية التعاقد، أي أن الأطراف المتعاقدة يحقّ لها أن ترتب علاقاتها القانونية كما تشاء، يؤكد على ضرورة ألّا تكون هذه العقود مخالفة لمقتضى النظام العام والآداب العامة والأحكام القانونية التي لها صفة إلزامية، ومن هنا لا يمكن أن يشترط صاحب البيت دفع الإيجار بالدولار أو بالليرة اللبنانية على سعر الصرف غير الرسمي.

إضافة إلى ما تقدّم، ذكّر بزي بأن المادة  192 من قانون النقد والتسليف نصت صراحة على أنّ من يرفض أو يمتنع عن قبول الليرة اللبنانية بالشروط المحددة بالمادتين 7 و8 يعاقب استناداً الى المادة 319 من قانون العقوبات بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وبالغرامة من 500 ألف إلى مليوني ليرة لبنانية، ويمكن فضلاً عن ذلك أن يقضى بنشر الحكم.

ويمكن للمستأجر حسب بزي وفي حال رفض المؤجّر استلام الإيجار، وضع المبلغ المحدّد في عقد الإيجار لدى كاتب العدل الذي يعمل في القضاء أو المدينة التي يقع المنزل/المحل ضمن نطاق أيّ منهما، ضمن المهلة القانونية.

غياب السياسات السكنية يفاقم الأزمة

لا توجد أرقام دقيقة عن عدد المستأجرين الجدد في لبنان بسبب انتشار التأجير من دون تسجيل عقود الإيجار لدى البلديات من قبل المالكين، بغية التهرّب من دفع الضرائب. لكن إزاء انعدام السياسات السكنية، يبقى الإيجار الوسيلة الأساسية للوصول إلى السكن، حسب ما ترى الباحثة المدينية في "استوديو أشغال" و"مرصد السكن" نادين بكداش، موضحة أنه في بيروت وحدها، تبلغ نسبة المستأجرين 50% من السكان.

وترى بكداش في حديث مع "المفكرة" أنّ الموضوع ليس صراعاً بين مؤجّر ومستأجر، فالمشكلة الأساسية في لبنان تكمن في غياب أي سياسة سكنية، وبالتالي فالوضع متروك إلى "عقد" بين المستأجر والمالك، وغالباً ما يكون هذا العقد لصالح الأخير الذي يحاول الاستفادة بشكل كبير طالما أنّ الدولة تتعاطى مع السكن من منطلق الاقتصاد "الريعي" وليس كحق إنساني.

وتعتبر بكداش أنّ أزمة السكن ستتفاقم مع مرور الوقت طالما أنّ الوضع الاقتصادي يزداد تدهوراً، والحل لا يكون فقط بالاعتماد على التكافل الاجتماعي بين المالك والمستأجر، فهذا التكافل وإن كان مطلوباً فهو لا يكفي. ومن هنا على الدولة أن تتدخّل سريعاً وتتعامل مع السكن كحق إنساني وتضع سلة تدابير منها مثلاً احتساب الإيجار على أساس الدّخل ووضع ضرائب على الشقق غير المؤجّرة مما يدفع صاحبها إلى تأجيرها مقابل مبلغ معقول.

المستأجرون بشكل غير قانوني.. غير مرئيين

إذا كانت الإيجارات المسجّلة بعقود رسمية وشبه رسمية (أي بورقة بين المالك والمستأجر) محمية ولو بشكل بسيط، فالمشكلة الأكبر تبقى عند فئة غير مرئية، متمثلة في العمّال الأجانب أو في لبنانيين لم يجدوا سبيلاً للسكن إلا عبر استئجار بيوت غير شرعية، وهي في الغالب عبارة عن شقق مقسّمة إلى غرف مؤجّرة بطريقة غير قانونية.

وفي هذا الإطار تقول بكداش إنّ مقاربة وضع هؤلاء يجب أن تنطلق من حقيقتين، أولهما أنّ التأجير والاستئجار بشكل غير شرعي كان الحل الوحيد لهذه الفئة للحصول على سكن، وثانيهما أنّ تأجير صاحب المبنى بطريقة غير قانونية يجب ألّا يعطيه الحق في إخلاء هؤلاء بالطريقة نفسها.

وفي هذا الإطار تشير بكداش إلى أنّ عدد الشكاوى التي يتلقّاها "مرصد سكن" والمتعلقة بحالات استئجار غير قانونية يزداد بمعدل عشر شكاو يوميا، وأنّ أصحاب الملك يعمدون إلى إخلاء هؤلاء من دون إنذار حتى، هذا بالإضافة إلى التضييق عليهم عبر ممارسات مثل قطع الكهرباء والماء أو رمي أثاث المنزل في الخارج.

وإزاء هذا الواقع تؤكد بكداش على ضرورة  تدخّل الدولة لتحمي المستأجر انطلاقاً من أنّ السكن حق وأنّ صاحب الملك حقق أرباحاً هائلة خلال السنوات الماضية عبر اعتماده هذه الطريقة بالتأجير، فعليه أن يتحمّل بعض التبعات.