في كل صباح يتجه حسن السهيلي، الستيني المتقاعد من الوظيفة العمومية منذ سنوات، إلى أحد الأكشاك القريبة من بيته لشراء صحف اليوم. لم يعد حسن يكتفي يصحيفة أو إثنتين بل أصبح وفيا لأكثر من 4 صحف. دأب هذا الأخير على هذا الروتين منذ سنين لإشباع نهم القراءة الذي يجتاحه كل صباح ولفهم الأحداث التي جدّت في تونس وشاهدها بعجالة قبل ليلة في نشرة الأخبار ليتابعها بأكثر روية باحثا عن مزيد من التفاصيل. يفسر حسن السهيلي تواصل هذا الروتين في حياته اليومية بإيمانه الشديد بأهمية الصحافة الورقية حتى في عصر الثورة التكنولوجيا التي يعيشها العالم، ليضيف في تصريحه للمفكرة: "الأزمة في تونس ليست أزمة صحافة ورقية. الأزمة أزمة قراءة، التونسي لا يقرأ إلا ورقة وصفة الطبيب فقط". قليلون مثل السيد حسن السهيلي حافظوا على إخلاصهم وظلّوا مؤمنين بأهمية الصحافة الورقية وهو ما يعطي صورة حقيقية عن أزمة الصحافة الورقية في العالم اليوم. في تونس، يعيش قطاع الإعلام، وبالخصوص الصحافة الورقية، مرحلة صعبة بسبب ارتدادات جائحة كورونا وهي التي تعاني من أزمة هيكلية معقدة لا تنفصل عن الأزمة العالمية للصحافة الورقية التي أنهت عمل عدد كبير من النشريات وألقت بظلالها على مستقبل هذا القطاع والعاملين فيه.

 

ثلاث أزمات خنقت الصحافة التونسية

أصدرت الحكومة البريطانية في فيفري 2019، تقريرًا عن "مستقبل مستدام للصحافة"[1] والذي تناول مختلف إشكاليات أزمة الصحافة في بريطانيا وسبل معالجتها. أشار التقرير إلى التحولات الجذرية التي عصفت بالعالم اليوم في ظل ثورة تكنولوجية أطاحت بدور وسائل الإعلام الإخبارية وعدم قدرة صناعة الميديا الإخبارية على توفير مضامين ذات قيمة متصلة بالشأن العام. كما تعرّض التقرير إلى النتائج الوخيمة لمنصات الميديا الإجتماعية على صناعة الأخبار وخاصّة محرك البحث "غوغل" ومنصة التواصل الإجتماعي"فيسبوك" وتأثيرات هذا الإحتكار المزدوج على هذه الصناعة. هذا التأثير لم يشمل بريطانيا وحدها بل عصف بجميع المؤسسات الإعلامية في كل دول العالم ومن بينها تونس. لكن معاناة الصحافة في تونس بدأت قبل الثورة وذلك بسبب الحكم الإستبدادي وقمع الحريات والتي تعتبر الركيزة الرئيسية لأي صحافة حرة. في هذا السياق، يرى نقيب الصحافيين التونسيين ناجي البغوري أن أزمة الصحافة في تونس مركّبة وتحمل ثلاثة أبعاد أساسية: أزمة انطلقت مع بداية القرن الواحد والعشرين والثورة التكنولوجية وتأثيراتها على الصحافة العالمية وانعكست أساسا على الصحافة الورقية. أزمة ما بعد الثورة حيث لم يكن لدى الصحافة التونسية التي لم تضع بعد هيكلة واضحة لمؤسساتها، نموذج إقتصادي محدّد، وكانت تعتمد في تأمين مواردها على قربها من النظام للحصول على التمويل وأخيرا الأزمة التي تسبب بها فيروس كورونا والتي أثرت على الإقتصاد وكل نواحي الحياة في تونس. يتابع البغوري في تصريحه للمفكرة موضحا؛ "بسبب هذه الأزمات إختنقت الصحافة التونسية التي كانت تعاني أصلا من تدني جودة محتوياتها مقارنة بالمؤسسات الصحفية الكبيرة على المستوى الدولي."

 

 

"اليوم لن ينتظرك القارئ 24 ساعة من أجل معرفة خبر "

شهدت تونس طفرة إعلامية كبيرة بعد الثورة في سنة 2011، على مستوى عدد القنوات التلفزيونية والإذاعات وشهدت الصحافة الورقية تطورا كميا هائلا. حيث إرتفع عدد الصحف المطبوعة إلى حوالي 228 دورية لكن بعد ذلك ولأسباب عديدة أهم شح الموارد، توقفت صحف عديدة عن الصدور ليصل العدد إلى 50 صحيفة ورقية[2]. وحسب التقديرات[3] تباع حوالي 100 ألف نسخة يومية من الجرائد المطبوعة وهو رقم ضعيف مقارنة بعدد السكان وميزانيات هذه الصحف و ما تحتاجه من موارد لمواصلة نشاطها. تربط رئيسة التحرير السابقة بجريدة الصباح منية العرفاوي أزمة الصحافة الورقية في تونس بأزمة الصحافة الورقية في العالم والتي تتعلق أساسا بمشاكل التزوّد بالورق وارتفاع أسعاره في السوق الدولية وإحتكار بعض الأطراف لهذه المادة، إضافة إلى أزمة التوزيع. وتضيف العرفاوي: "تحريريا، الصحف تجاوزتها الأحداث وفقدت أهم ما كانت تقدمه للقارئ وهو السبق الصحفي والأخبار، لن ينتظرك المواطن اليوم 24 ساعة من أجل معرفة خبر ما، وهو القادر على الوصول إلى مبتغاه بكبسة زر على هاتفه الذكي. اليوم لا بدّ من إعادة هيكلة هذا الجنس الصحفي للعمل على أجناس مختلفة مثل التحقيقات والقصص الإنسانية".

تعتبر جريدة الصباح من الصحف العريقة في تونس، حيث تأسست في 01 فيفري 1951. وتصدر ثلاث صحف، يوميّتين، وواحدة أسبوعية. بعد الثورة خضعت جريدة الصباح لقانون المصادرة مثلها مثل عدد من المؤسسات الإعلامية الأخرى، والتي أصبحت تعيش منذ ذلك الحين مشاكل في التسيير وعقبات أخرى تتعلق بإنعدام الشفافية في عمليات التفويت. هذه الممارسات إنعكست بشكل مباشر على الصحفيين داخل هذه المؤسسات، وتحولت عمليات مصادرة المؤسسات الإعلامية التي طالتها أيادي حاشية الرئيس الأسبق بن علي وإجراءات التفويت فيها إلى مشكلة جديدة تُضاف إلى قائمة مشاكل الصحافة التونسية.

تعليقا على وضع الصحافة الورقية، أوضح الصحفي بجريدة العرب وسام حمدي أن الصحافة الورقية هي أمّ أشكال الصحافة من تلفزيون وراديو ومواقع إلكترونية، لكنها باتت تعاني من أزمة مزدوجة. الأولى تتعلّق بالتطور التكنولوجي وهو معطى دفع كبرى الصحف إلى الإغلاق أو إلى التوجه نحو الإكتفاء بنشر نصوصها ومقالاتها في المواقع الإلكترونية. أما المشكلة الأهم، فتتعلق برغبة السلطة في طمس الصحافة الورقية كون ما يكتب وما يدوّن على الورق يبقى دائما بمثابة وثائق مرجعية تؤرخ لحظة بلحظة كل الأحداث والمنعرجات السياسية. ليضيف في تصريحه للمفكرة في إطار حديثه حول نتائج هذه الأزمة: "هذه الأزمة المستعصية الأخيرة لها تداعيات كثيرة حيث يفضّل بعض الزملاء الذين لا يقبلون بهذا الوضع التعيس مغادرة القطاع للعمل في مهن أخرى تدر أموالا أكثر ربما، فيما يختار البعض الآخر وهم كثيرون الرمي بعرض الحائط بكل أبجديات المهنة وأخلاقياتها وتوظيف أقلامهم لصالح الأشخاص أو السلطة أو أصحاب الأعمال والأحزاب السياسية".

بسبب غلاء أسعار الورق وإرتفاع مصاريف التزود اضطرت عدد من الصحف العالمية والتونسية أيضا إلى الترفيع من أسعارها علها تستطيع مواجهة الأزمة. لكن الملفت أنه ورغم الأزمة التي تعيشها الصحافة المطبوعة، فلا تمتلك أي جهة رسمية في تونس إحصائيات حول أعداد الصحف المطبوعة التي تصدر في البلاد، فأضطررنا إلى إعتماد إحصائيات نشرها موقع مراسلون بلا حدود في أواخر العام [4]2015 لمعرفة الأرقام التقريبية لعدد الصحف المطبوعة التي صدرت بعد الثورة مباشرة إبان الطفرة الإعلامية وعدد الصحف التي ظلت تصدر إلى أواخر 2015 فيما إعتمدنا على الإحصاء الذاتي التقريبي لمعرفة عدد الصحف المطبوعة التي لاتزال تصدر في 2020 والتي تتجاوز 20 جريدة.

 

 

وحسب إحصائيات شركة سيقما كونساي فقد تراجعت إعتمادات الإشهار في الصحافة المطبوعة بنسبة 0.8% إلى 20.3 مليون دينار سنة 2015، فيما تراجعت بالنسبة للمواقع الإلكترونية بنسبة 8.9% وهو ما يثبت تراجع الاهتمام بالصحافة من قبل المستشهرين والبحث عن منصات أخرى أكثر نجاعة وأقل كلفة مثل مواقع التواصل الإجتماعي فايسبوك وأنستغرام.

 

الصحفيون يدفعون ثمن الأزمة

أزمة الصحافة التونسية بصفة عامة والصحافة الورقية بصفة خاصة انعكست بشكل مباشر على الوضع المهني والمادي للصحفي التونسي. فبسبب عدم إحترام قانون الشغل يعمل مئات الصحفيين بدون تغطية اجتماعية بل أنهم مهددون في كل شهر بعدم خلاص رواتبهم وبدون عقد عمل في كثير من الأحيان[5]. هذا من دون الحديث عن قيمة الرواتب التي يصل معدلها إلى 300 دولار. كما كشف التقرير حول الوضع المادي للصحفيين واستقلالية الإعلام الذي أنجزه "مركز تونس لحرية الصحافة" أن 50% من الصحفيين المستجوبين يحصلون على رواتب من المؤسسات الإعلامية المشغلة تقل عن 400 دينار شهريا وأن 63% منهم يؤكدون أن الوضع المادي والمهني يؤثر على حرية الصحافة. وأشار ذات التقرير الى أن 21% من مجموع الصحافيين المستجوبين تتراوح أجورهم بين 400 و700 دينار ويتقاضى 12% من العينة المذكورة بين 700 و1000 دينار في حين يتحصل 15% تقريبا على أجور تفوق 1000 دينار. تعليقا على هذا يؤكد الصحفي بجريدة العرب وسام حمدي أن الصحفي في تونس لم يرتقِ إلى المستوى المعيشي لنظرائه في البلدان الديمقراطية، ليضيف "عند الأزمات، تضحّي عادة المؤسسات برأسمالها البشري، فإما تحيله على البطالة وإما تجعله أسيرا ومستأجرا بملاليم لا تحفظ له كرامته وإما تجعل منه أشبه بكاتب عمومي لا مهمة له سوى ترديد أو كتابة ما يُملى عليه لتدجين الرأي العام ومغالطته". فيما تؤكد منية العرفاوي أن المؤسسات الإعلامية لا تمنح الصحفي الإحترام والمكانة التي تليق به.

 

ورق الصحف في مهب الكورونا

بعد إنتشار وباء كوفيد 19 أعلنت الصحف الورقية التونسية أنها ستتوقف عن الصدور مؤقتا التزاما بقرار الحجر الصحي الشامل في البلاد الذي بدأ تطبيقه لمواجهة تفشي فيروس كورونا المستجد. النتائج كانت كارثية كما وصفها رئيس جامعة الصحف الطيب الزهار، خصوصا وأن أغلب المؤسسات الإعلامية التي توقفت عن الصدور باتت اليوم عاجزة عن صرف أجور موظفيها. لكن رئيسة التحرير السابقة لجريدة الصباح منية العرفاوي أكدت أن أزمة الفيروس لم تؤثر بشكل كبير على الجريدة "لقد تم حجب النسخة الورقية وتم التوجه إلى العمل على النسخة الإلكترونية إضافة إلى النسخة الفرنسية والتي عملت أيضا على موقعها الإلكتروني، لكن لغياب النسخة الورقية نتائج أخرى أهمها البعد عن القارئ وتهديد "علاقة الوفاء" التي تأسست خلال سنوات مع قراء الجريدة".

 

قرارات إرتجالية في أزمة إستثنائية

فجّرت قرارات حكومية استثنائية تدعم قطاع الإعلام الخاص التونسي لمواجهة جائحة كورونا، موجة جدل بين مؤيد للقرار ومن اعتبره محاولة لكسب ولاء هذه المؤسسات، على حساب قطاعات حيوية أخرى أكثر تضررا من الأزمة. وكانت أهم هذه القرارات تكفل الدولة بنسبة 50% من معلوم البثّ لسنة 2020 لكل الإذاعات والقنوات الخاصة، والإشتراك في النسخ الإلكترونية للصحف من قبل الدولة. إنشاء صندوق بقيمة خمسة ملايين دينار لدعم مجهودات الدولة في الحملات التوعوية، فضلا عن تخصيص اعتماد بالقيمة نفسها لتمويل برنامج تأهيل القطاع ومساندته في الإنخراط في منظومة التحول الرقمي. خلفت القرارات موجة من الإنتقادات الحادة. فقد وصفتها رئيسة التحرير السابقة بجريدة الصباح بأنها دون المأمول: "الحكومة تجاهلت من خلال القرارات أزمة الصحافة الورقية وتجاهلت أيضا أزمة الإعلام المُصادر". في حين ذهب الصحفي بجريدة العرب وسام حمدي أكثر من ذلك مشيرا إلى أن القرارات كانت بمثابة الصدمة لقطاع الصحافة الورقية فهي تتجه لشراء ذمم المحطات التلفزيونية، ليضيف وسام: "كيف للحكومة الآن أن تبرر مثلا اتهامها لسامي الفهري مالك قناة الحوار التونسي المتهم بتبييض الأموال والمسجون في قضايا كثيرة والحال أنها تتغاضى عن ديون قناته؟ وكيف لها أن تبرر أيضا معارضتها لنبيل القروي واتهامه هو الآخر بقضايا فساد وهي التي ستساعد قناته نسمة بتعليق 50 بالمئة من ديونها".

في نفس السياق، طالبت نقابة الصحفيين بأن يكون الدعم منظما بقانون وليس خاضعا لأهواء الحكومة. كما يجب أن يتم تقديمه من قبل لجنة مستقلة. كما أكد نقيب الصحفيين ناجي البغوري أن النقابة تعقد جلسات مع الحكومة لتصويب القرارات الأخيرة وتوجيه الدعم لمستحقيه: "حدّدنا 5 معايير لمنح الدعم وهي الشفافية المالية وتسوية الوضعية الجبائية، الخضوع للمساءلة حول مآل الدعم، التعهد بتطبيق القوانين الشغلية ومن بينها الأجر الأدنى للصحفي وهو 1400 دينار، الإلتزام بصحافة الجودة وأخلاقيات المهنة وأخيرا تشجيع صحافة الإختصاص والتنوع". فيما طالبت الصحفية ورئيسة التحرير السابقة لجريدة الصباح، منية العرفاوي بتعهد صريح من الحكومة بحل أزمة الإعلام المُصادر وتخصيص بند لدعم الصحافة الورقية وإطلاق خطة وطنية لإصلاح الإعلام العمومي وتركيز المجلس الأعلى للصحافة.

بعد حجب الصحف التونسية عن الصدور توقف الروتين اليومي لحسن السهيلي بعد أن غابت الجرائد عن رفوف الأكشاك. ولكن هذا الأخير الذي لم تغب الجريدة عن طقوسه الصباحية منذ سنوات، ما يزال مقتنعا أن الأزمة الحقيقية للصحافة الورقية التونسية تكمن في المحتوى. ليوضح قائلا؛ "لمواجهة أزمة تراجع المبيعات يجب على الأقل تطوير المحتوى، الأخبار ستجدها في أي مكان، على شاشات التلفزة في الحواسيب ولكن قصص الناس والتحقيقات الإستثنائية والنصوص الأدبية تتطلب إبداعا، يجب تطوير الجودة وبهذا يمكن أن تقنع شخصا بشراء جريدتك". رؤية تتطابق ورأي الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس[6] الداعي إلى إنقاذ صحافة الجودة، معتبرا أن "عمل الدولة الديمقراطية ذاته يتطلب وجود صحف جادة وذات جودة".

 

  • نشر هذا المقال في الملحق الخاص بالعدد 18 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة الملحق اضغطوا على الرابط أدناه:

الكورونا غزوة مرعبة بأسئلة كثيرة

  •  لقراءة العدد 18 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |  اضغطوا على الرابط أدناه:

التعليم، قلعة تونس المتصدعة

 

 


[1]  تقرير مستقبل مستدام عن للصحافة – موقع الحكومة البريطانية – الرابط: https://www.gov.uk/government/publications/the-cairncross-review-a-sustainable-future-for-journalism

[2]  15 أكتوبر 2015 -لقاء خبراء حول مشروع قانون المعوض للمرسوم 115 – حرية الصحافة والطباعة والنشر

[3]  15 أكتوبر 2015 -لقاء خبراء حول مشروع قانون المعوض للمرسوم 115 – حرية الصحافة والطباعة والنشر

[4]  موقع مراسلون بلا حدود – مقال الصحافة المكتوبة

التقرير السنوي لواقع الحريات الصحفية – 03 ماي 2020  [5]

 جريدة لوموند الفرنسية – مقال يورغن هابرماس – يجب انقاذ صحافة الجودة – 21 ماي 2007  [6]