يعتبر قضاء العجلة الإداري، وبالأخصّ تنوّع إجراءات العجلة لديه وتطوّرها، من أهم المعايير الدالّة على إرساءٍ فعلي لدولة القانون التي يخضع فيها الأشخاص كما السلطات العامة لمبدأ الشرعية والتي تصان فيها الحقوق والحريات والصالح العام على حدٍ سواء.

وبالفعل، يساهم تطوير إجراءات العجلة القضائية في تفعيل القضاء الإداري وتغيير صورته للإرتقاء به من موقع القضاء المتفرّج الذي يكتفي بإبطالٍ متأخّر للقرارات الإدارية وتعويضٍ غير شافٍ لتبعاتها، إلى موقع القضاء المتدخّل الذي يضمن ويحمي ويصون الحقوق والحريات كما والصالح العام، ويضع حدّاً سريعاً وفعّالاً لتسلّط السلطات العامة واستنسابيتها. 

 

النواقص الفادحة في أنواع العجلة وإجراءاتها

في لبنان، وبالرغم من التعديلات التي طرأت على نظام مجلس شورى الدولة في سنتي 1993 و2000، لا تزال إجراءات العجلة خجولة، تعتريها نواقص وشوائب تمنع القضاء الإداري اللبناني من الإرتقاء إلى الموقع المشار اليه أعلاه، وهو الموقع الضامن للحقوق والحريات والصالح العام. 

 

وبالفعل، فقد عددت تعديلات 1993 و2000 بعض إجراءات العجلة وحشرتها في مادةٍ واحدة ويتيمة بحيث رست في القانون الحالي على الإجراءات الأربعة التالية: إجراءات إثبات الحالة، وإجراءات التدابير الإحتياطية، وإجراءات الإلزام بدفع سلفة والإجراءات السابقة لإبرام العقود. 

 

1- مجالات تغيب عنها العجلة

نلاحظ في المقام الأول تغييب التعداد الحالي للعديد من إجراءات العجلة الأساسية التي من شأنها ضمان سرعة وكفاءة العدالة الإدارية، وحقوق التقاضي والدفاع، فضلاً عن إحترام الشرعية والمحافظة على الصالح العام.

 

عجلة تعليق تنفيذ القرارات الإدارية 

تسمح عجلة تعليق التنفيذ للقاضي الإداري بوقف تنفيذ عمل إداري مطعون فيه أمامه بشكل مؤقت. وهذا التدبير حيوي ويبقى السلاح الوحيد المتاح بيد المواطن لجبه امتياز الإدارة في إصدار قرارات نافذة وللتعويض عن إنعدام التأثير المعلّق للقرارات الإدارية عند المراجعة القضائية وفق ما تنصّ عليه المادة 77 من القانون الحالي لمجلس الشورى والتي لا تسمح بتعليق تنفيذ القرارات الإدارية إلّا في حالات وشروط ضيّقة. وبالتالي، يكون على المواطن المجرّد من هذا السلاح، أن يتحمّل في غالبية الحالات عواقب عمل إداري مشكوك بشرعيته إلى أن تسحبه الإدارة أو يبطله قاضي الأساس. والتداعيات التي تقع في هذه الأثناء قد تكون غير قابلة للتعويض. ولا يكون خلاف ذلك إلا بالحدود الضيّقة التي تسمح بها المادة 77 المشار إليها والتي تبقى قاصرة عن الحدّ من الإمتياز المذكور أو حماية الشرعية. ومن أبرز تجلّيات تضييق حدود اللجوء إلى وقف التنفيذ، الأمور التالية:

  • أنّ مجال تطبيقها محدود لأنها تستثني المراجعات التي ترمي إلى إبطال مرسوم تنظيمي أو إبطال قرار يتعلّق بحفظ النظام أو الأمن أو السلامة العامة أو الصحة العامة. بعبارة أخرى، تبقى الأعمال الإداريّة التي يُحتمل أن تكون الأكثر مساساً بحقوق المواطنين مستثناة من إجراء وقف التنفيذ هذا،

  • أنّ وقف التنفيذ هذا يبقى غير فعّال بشكل خاص إزاء القرار الإداري بالرفض، إذ إنّ وقف مثل هذا القرار لا يقود الإدارة بالضرورة إلى اتخاذ قرار إيجابي معاكس، والقاضي الإداري لا يتمتّع، وفق القانون الحالي، بسلطة الأمر في وجه الإدارة. لذا من المرجّح أن يبقى قرار وقف التنفيذ هذا، إذا ما وافق مجلس الشورى على اتخاذه، غير فعّال،

  • أخيراً، يخضع إجراء وقف التنفيذ وفق المادة 77 لشروط صارمة، فالضرر الذي قد يلحق بالمستدعي يجب أن يكون ضرراً بليغاً والأسباب التي ترتكز عليها المراجعة جدية و"هامّة" في الوقت نفسه.

 

تبرز العديد من القضايا عواقب غياب هذا النوع من العجلة، من بينها قضيّة خطيرة كقضية المرفأ الفينيقي[1]، حيث ردّ المجلس طلب جمعيّة "التجمّع للحفاظ على التراث اللبناني" بإتخاذ تدابير مؤقتة وحمائيّة لوقف تنفيذ الأعمال في المرفأ الفينيقي. وقد برر المجلس موقفه بأنّ تدابير كهذا "يستوجب بالضرورة وقف تنفيذ قرار الوزير القاضي برفع العقار عن لائحة الجرد العام للأبنية التاريخية ووقف تنفيذ رخصة بناء إذا افترضنا أنها وجدت، وهما أمران أخرجهما القانون صراحة من صلاحيات قاضي العجلة". وقد أدّى هذا الموقف إلى تمكين الشركة المسؤولة عن الأعمال من إكمال أعمال الحفر والبناء ما أدّى إلى هدم الآثار وزوالها.

 

عجلة الحريات

ثمة عجلة أخرى غائبة بشكل مؤذٍ عن أصول المحاكمات الإدارية وهي عجلة الحريات. بالطبع، تبقى هذه الحريات محميّة بالحدّ الأدنى من قبل القاضي العدلي عبر قبوله نظرية الاستيلاء غير المشروع ونظرية التعدّي التي تطبّق في كل مرة ترتكب الإدارة مخالفة واضحة تمسّ بحرية أو بحق الملكية. إلا أنّ نظرية التعدّي هذه لا تشمل جميع أنواع المسّ بالحرية، بحيث يعلن القضاء العدلي نفسه صالحاً فقط في حالتين:

  1. أنّ يمس القرار الإداري بحرية أو بحق الملكية، وألّا يكون بالإمكان ربطه بممارسة سلطة منحت للإدارة. وبالتالي، فإن مجرّد إلحاق قرار ينتهك الحريات باختصاص إداري يجرّد القضاء العدلي من صلاحيّته ويترك المواطن منزوع السلاح أمام الإدارة.

  2. أن تشرع الإدارة بالتنفيذ القسري، في ظروف غير مشروعة، لقرار حتى لو كان شرعياً. وبالتالي، يكون القضاء العدلي غير صالح عندما لا تحتاج الإدارة إلى اللجوء إلى التنفيذ القسري لقراراتها التي تنتهك الحريات.

سبب آخر للقلق من غياب تدابير العجلة الخاصة بالحريات في أصول التقاضي الإداري هو كيفية نظر القضاء العدلي إلى الحريات التي تشملها صلاحيته. فيُخشى في الواقع أن يحصر الإجتهاد العدلي مفهوم الحريات التي يطالها التعدي، وأن يكتفي بحماية الحريات الفردية بمعناها الضيق، تاركاً للقضاء الإداري حماية كافة الحريات الأساسية والعامة. وفي ما يخص حق الملكية، يمكن للإجتهاد العدلي أن يشترط أن يقود التعدّي على حق الملكية إلى زوال هذا الحق لإعلان صلاحيته، تاركاً للقضاء الإداري حماية الملكية من التعديات الأخرى.

بالتالي من المرجّح أن تزداد الأوضاع التي يجد فيها المواطن نفسه مجرّداً من هذه الضمانات القضائية. وفلا يكون أمامه في مواجهة الإدارة سوى المراجعة في الأساس مع كل ما يعتريها من بطء وقصور، بحيث  أنّه ليس لدى القاضي الإداري أية وسائل يستعملها في حال العجلة لوقف مثل هذه التعدّيات. فسلطة الأمر شبه منتفية لديه ويحظّر عليه القانون بشكل واضح في مادّته 77، أن يصدر قراراً بوقف تنفيذ أيّة قرارات تهدف إلى حفظ النظام العام وهي فعلياً القرارات ذاتها التي تمسّ بالحريات، فردية كانت أم غير فردية.

يبرز القانون المقارن عواقب هذا النقص في القانون اللبناني. ففي ظلّ إتخاذ الدّول تدابير حاسمة ومقيّدة للحريّات للحدّ من إنتشار فيروس كورونا مثلاً، نلاحظ أنّ المواطنين والجمعيّات في فرنسا لجأوا إلى هذا النوع من الطعون لنقد قرارات الحكومة الماسّة بالحريّات العامّة، ورأينا كيف تمتّع القاضي بالأدوات المناسبة لجبه الإعتداءات غير المبرّرة من قبل السلطات على هذه الحقوق، بينما ظهر المواطن اللبناني عاجزاً عن التصدّي قانونيّا لأيّ من قرارات حكومته[2].

 

العجلة في الشؤون التعاقدية

العجلة الثالثة التي لا ينصّ عليها قانون مجلس الشورى تتعلّق بالعقود. فصحيح أنّ قانون عام 2000 نصّ على العجلة قبل توقيع العقود (ولو شاب ذلك عيوب كثيرة، كما سنرى أدناه)، إلّا أنّ العقد المطعون فيه لا يعود خاضعاً لإجراءات العجلة بمجرّد إبرامه. وغياب مثل هذا الإجراء يضرّ بشكل بالغ باحترام السلطات لقواعد الشفافية والإعلان والمنافسة التي كان يمكن حمايتها بتدابير يمكن اتخاذها في إطار أصول عجلة تعاقدية، مثل تعليق تنفيذ عقد أو إلغاء عقد لعدم الإمتثال لقواعد الإعلان أو مخالفة لشروط المنافسة، أو حتى إعلان بطلان عقد وُقّع رغم تعليق هذا التوقيع في إطار تدبير العجلة السابق لإبرام العقد الذي تنصّ عليه المادة 66 من نظام مجلس شورى الدولة.

 

العجلة في التحقيق

أخيراً إجراء العجلة الرابع الغائب هو عجلة التحقيق الذي كان ليتيح للقاضي ضمان حماية أكبر للمستدعي من خلال السماح له بطلب تعيين خبير يقدّر له الضرر بالأرقام أو يحدد له أسباب هذا الضرر، وهو ما لا يتيحه تدبير إثبات الحالة المنصوص عليه في المادة 66 والذي يقتصر على تعيين خبير يكلّف بمعاينة الوقائع التي من شأنها أنّ تسبّب مراجعة لدى المحاكم الإداريّة.

 

2- العيوب التي تعتري العجلة الموجودة

 

بعيداً عن غياب إجراءات العجلة السابقة الذكر، فإنّ الإجراءات المنصوص عليها في المادة 66، وهي إثبات الحالة، والتدابير الإحتياطيّة، والإلزام بدفع سلفة، والمراجعة السابقة لإبرام العقد، تعاني بدورها من عيوب مهمة:

 

أولاً إن إجراءات العجلة هذه ليست معفيّة من تعيين محام وهو ما من شأنه أن يثني المواطنين عن تقديم مراجعة. كما أنّ الشروط المحدّدة للّجوء إلى إجراءات العجلة غير محددة بشكل كافٍ مثل مهلة صدور الحكم في إطار العجلة السابقة لإبرام العقود. كذلك يعاني إجراء العجلة الأخير من أوجه قصور كثيرة من شأنها التأثير بشكل بالغ على فعاليته. فمثلاً، ليس لدى المراجعة قبل إبرام العقد أثر تلقائي معلّق لتوقيعه إذ إن تعليق التوقيع منوط برئيس المحكمة بشكل إختياري. وإذا حصل التوقيع قبل الدعوى أو خلالها، فسيقود إذاً إلى رد المراجعة أو بطلان الدعوى. وتتفاقم أوجه القصور هذه بشكل طبيعي نتيجة غياب مهل الإنتظار قبل توقيع العقد إضافة إلى غياب إجراءات العجلة بعد إبرام العقود. ومن شأن هذه العيوب أن تشجّع السلطات على "السباق" لتوقيع العقد بهدف عرقلة إجراءات العجلة قبل التعاقد وزيادة تحصين العقد الموقّع بشكل غير قانوني.

 

أخيراً، يبدو حق المحاكمة العادلة، في إطار إجراءات العجلة، متضرراً على حد سواء بغياب طرق المراجعة الكافية للقرارات التي يتخذها قاضي العجلة. فباستثناء العجلة السابقة لإبرام العقود، لا يجوز استئناف قرارات العجلة. ولكن الطريق الوحيدة المفتوحة هي طريق الاعتراض أمام الغرفة المختصّة ويشترك المقرر في الحكم. وهذا تقويض إضافي لضمانات المحاكمة العادلة وكفاءة العدالة الإدارية.

 

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 65 | حزيران 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

القضاء الإداري: من يحمي الدولة ومن يدافع عنها؟