تقوم مهمّة المقرر العامّ على إعطاء مشورة قضائية علانية من موقعه كعضو في هيئة المحكمة ولكن بمنتهى الإستقلالية. وهو شخصية فريدة في المنازعة الإدارية وكثيراً ما يتم خطأً تشبيهه بالنائب العام.

ترمي مسودة القانون المقدّمة من المفكرة القانونية ـ إضافة إلى تدابير مثل وضع إجراءات للعجلة، وإنشاء محاكم إدارية محلية، ومنح القاضي الإداري صلاحيات إصدار الأوامر القضائية ـ إلى تكريس وتحديث دور المقرر العام الذي يفترض أن يحل محلّ هيئة مفوض الحكومة التي ظهرت في فرنسا في القرن التاسع عشر[1] وهي ما تزال ماثلةً في المشهد القضائي اللبناني. وبحكم وظيفته في إبداء رأي قانوني مستقل في كل قضية، يصدر المقرر العام مطالعته علانية من دون المشاركة في المداولات. ويتوجّه في الوقت عينه إلى ثلاث جهات: هيئة المحكمة، الخصوم والمجتمع.

 

رأي قضائي مستقلّ

أولاً، تقترح مسودة القانون السير على خطى المشرّع الفرنسي من خلال اعتماد مصطلح المقرر العام لأنه أكثر تطابقاً مع ماهية وظيفته من مصطلح مفوّض الحكومة، المفرغ من مضمونه وغير القابل للفهم. بعد ذلك، يصاحب هذا التغير في المصطلح تكريس صريح لوظيفة المقرر العام بموجب تعريف عام يردد صدى المادة L. 7 من قانون القضاء الإداري الفرنسي المستلهمة من قرار مجلس الدولة الفرنسي عام 1957 في "قضية جيرفيز" Gervaise. وتنصّ إحدى مواد المسودة على أنّأحد أعضاء غرف المجلس يقوم بوظيفة المقرر، ويعبّر عن رأيه بشكل مستقل حول المسائل التي تطرح في اللوائح والحلول التي تستدعيها. واستقلالية المقرر العام تعني ببساطة أنه "سيّد مطالعته"  (Jean L’Huillier).

خلافاً للمقرر عضو هيئة المحكمة الذي يستمع إلى القضية ويقوم بصياغة مشروع القرار ويشارك في المداولات، ليس لدى المقرر العام سلطة تحقيق، ولا يشارك في وضع مسوّدة الحكم بل يقدّم مطالعة من دون أن يشارك في المذاكرة. إلا أنه، شأنه شأن المقرر، يجري دراسة دقيقة ومستفيضة  للملف ويجب أن يعطي رأيه في جميع اللوائح والأدوات القانونية التي تتضمّنها المراجعة. وتتخذ نتيجة عمله شكل مطالعة معلّلة تُعرض على هيئة المحاكمة كحل للمنازعة القضائية. لا شكّ أن كلمات عالم الإجتماع، برونو لاتور (Bruno Latour)، تتيح فهم حقيقة دور المقرر العام أمام مجلس شورى الدولة، أكثر مما يتيحه تعريفه القانوني: "وكأنّه قد أوكلت إليه بشكل خاص مراقبة الجودة وطلب إليه أن يجري بمنتهى الإستقلالية تقييما للمسار الذي سلكه كل من طرفي النزاع، المحامون، قضاة الدرجة الأولى، المقرر والمُراجع، وأن يعود ويراجع المسار الذي يسلكه القضاء الإداري منذ قرنين كي يتحقق من أنّ مجمل هذه الأشياء متماسكة ومترابطة. فبالنسبة إليه، القانون يقف في مواجهة القانون".[2]

 

وأخيراً، وربما بسبب القلق من عدم تعقيد إجراءات التقاضي أمام المحاكم الإدارية المنشأة حديثاً، لم يرغب واضعو المسودة توسيع تدخّل المقرر العام ليشمل المحاكم الإدارية الإبتدائية. وإن كان من شأن ذلك حرمان هذه المحاكم المحلية من القيمة المضافة للمقرر العام، فإنّ هذا التقييد يتفق مع إعادة تركيز اختصاص مجلس شورى الدولة  في النظر بالدرجة الأولى والأخيرة في القضايا الأكثر أهمية وصلاحياته كمرجع استئناف أو نقض.

 

وظيفة تمارس بعلانية

يتمتّع المقرر العام بالإستقلالية ولكنه ليس معزولاً. فهو يعمل تحت نظر هيئة المحكمة والخصوم وبشكل أوسع: المواطنين. ومن شأن عقد جلسة علنية قبل البدء بالمداولات كما تنصّ عليه مسودة القانون، أن يتيح للمقرر العام أداء دوره بالكامل. وبالتالي يهدف الإصلاح المقترح إلى بث الحيوية في دور المقرر العام قبل الجلسة وأثناءها وبعدها.

قبل الجلسة، يشكّل المقرر العام الملحق رسمياً بإحدى غرف المجلس، حلقة في االهيئة القضائية ويتقارع برأيه مع آراء زملائه الذين هم يتولون إصدار الحكم. كذلك، وبطريقة مبتكرة أكثر، يجعل نظام مجلس شورى الدولة اللبناني (في المادة الثامنة والثمانين من المرسوم الصادر في 14 حزيران 1975) تقرير المقرّر ومطالعة مفوض الحكومة علنيين. وهذا الإجراء بعيد كل البعد عن التقليد القانوني الفرنسي الذي لا يعرض استنتاجات المقرر ذات الصفة الداخلية البحتة، على الخصوم ولم يفرض الوجاهية فيما خص مطالعة المقرّر العام (إرسال فحوى المطالعة قبل الجلسة العلنية، تمكين الخصوم من تقديم ملاحظاتهم الشفهية بعد تلاوة المطالعة وتوجيه مذكرة خطية خلال المذاكرة) إلّا بضغط من اجتهاد المحكمة الاوروبية الخاصة بحقوق الإنسان في مطلع الألفية الثالثة.وقد رغب واضعو مسودة القانون في الحفاظ على خصوصية الأصول الإجرائية الإدارية المعمول بها في لبنان في موازاة تعزيز فاعليتها من خلال تسهيل إحالة التقرير ومسودّة الإستنتاجات إلى الخصوم.

وخلال الجلسة العامة وقبل بدء المذاكرة، تستلهم مسودة القانون من القانون الفرنسي[3] من خلال اعتبار تلاوة مطالعة المقرر العام "لحظة أساسية  في الجلسة" (Jean Rivero) فهو يأخذ الكلام أولاً قبل الخصوم الذين يكون بإمكانهم التعليق شفهياً على مضمون المطالعة والمقترحات المقدمة لهيئة المحكمة، كما يكون بإمكانهم عند الإقتضاء التقدم بمذكّرةلاحقا. 

وأخيراً، بعد الجلسة تشير مسودة القانون إلى أنّ المقرر العام لا يشارك في المداولات. وبطريقة جديدة ومبتكرة تطرح المسودة إتاحة النشر الإلكتروني لمطالعة المقرر العام من دون ذكر أسماء الفرقاء لتكون متاحة للمواطن للاطلاع عليها.

تسعى مسودة المفكّرة القانونية إلى تعزيز الأثر المفيد للمقرّر العام في خدمة جودة العدالة الإدارية، مع الحفاظ على خصوصيات التقليد القانوني اللبناني. فمن المؤكد أنّ هذه المسودة ستسمح بفهم أفضل لعمل ووظيفة المقررين العامين "الفقهاء في القانون بكل ما للكلمة من معنى" (Louis Rolland) والذين تحرّكهم "روح العدالة" التي منحها ليون دوغويه Léon Duguit  لمجلس شورى الدولة الفرنسي.

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 65 | حزيران 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

القضاء الإداري: من يحمي الدولة ومن يدافع عنها؟

 


[1] Ordonnance du 12 mars 1831.

[2] B. Latour La Fabrique du droit, une ethnographie du Conseil d’État, La découverte 2004, p. 229.

[3] منذ عام 2011 ، تنص المادة R. 732-1 من القانون الإداري الفرنسي التي لا تطبّق إلّا أمام المحاكم الإدارية المحلية، على أنّه في الجلسة العامة يقدّم المقرر العام مداخلته أولاً تليها ملاحظات الخصوم. ولكن أمام مجلس شورى الدولة، يمكن للخصوم تقديم ملاحظاتهم قبل مداخلة المقرر العام وبعدها.