280 تلميذا تونسيا يهجرون مقاعد الدراسة يوميا، 15 ألف حالة لعنف مادي داخل الوسط المدرسي سنويا، تراجع مؤشرات جودة التعلمات، آلاف الخرّجين المعطلين عن العمل، يتأبطون شهاداتهم في الإعتصامات وأمام طوابير مكاتب التشغيل، أساتذة خارج أسوار المؤسسات التربوية في تحركات غاضبة ووزارة تناور وتهدّد وتلوّح بحرب كسر العظام. أما مسار الإصلاح، فيبدو متعثرا، تتجاذبه منذ سنوات تناقضات الرؤى وتوصيات المانحين. هذا الواقع القاتم لوضع التعليم في تونس، لا ينفصل عن مشهد عامّ عنوانه العريض الرداءة والانتهازية ودولة تتخلّى رويدا عن دورها الإجتماعي في مختلف القطاعات العمومية التي تحولت إلى مرآة تعكس حدود سيّاسات دولة ما بعد الإستقلال والإرتدادات الإقتصادية والإجتماعية لخياراتها.

ولأن "التعليم، كان في كلّ حقبة، مرتبطا بالمؤسسات الأخرى للجسم الإجتماعي، بالأعراف والمعتقدات، وبتيّارات الأفكار الكبرى"[1]، سعت "المفكرة القانونية" في هذا العدد لفتح هذا الملف ومحاولة تفكيك الأزمة من زوايا مختلفة حسب تموقع مختلف الأطراف الفاعلين في هذه القضية. فالأزمة الإقتصادية والإجتماعية التي تعيشها البلاد اليوم، وإن كانت إحدى نتائج إنهيار المدرسة العمومية، فإن حلّها لا يمكن إلا أن يمرّ من بوابة إصلاح التعليم وإعادة الرهان على العقل التونسي والإستثمار فيه.

كون لا شيء يولد من العدم، كان من الضروري فتح نوافذ على الماضي لتتبّع تطور هذا الملف منذ حقبة ما قبل الإحتلال الفرنسي الذي أخرج البلاد من التاريخ طيلة أكثر من ثمانية عقود قبل أن يرفع يده عنها سنة 1956 تاركا إياها غارقة في الجهل. مرحلة جديدة كانت سمتها استثمار الدولة في التعليم العمومي وشعارها الأكبر بناء العقل التونسي الجديد وخوض معركة رفع الأمية وتونسة التعليم وتكوين إطارات الدولة الفتية وتوحيد النظم التعليمية بإلغاء التعليم الديني ضمن مقاربة سياسية شاملة خاضعة للمنظور الخاص للرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة حول "الأمة التونسية" التي كان ينشدها. وقد نجح هذا الرهان الذي خصّصت له الدولة طيلة عقود تلت ربع ميزانيتها تقريبا في تغيير التركيبة الطبقية للمجتمع وخلق طبقة وسطى كانت المدرسة بوابتها لتحقيق الإرتقاء الإجتماعي والإندماج الإقتصادي وولّدت وعيا عاما بأن التعليم هو مفتاح التموقع وشهادة الإعتراف المجتمعية. لكن رياح المعطى السياسي، لم تستثن المدرسة التونسية التّي زُجّ بها في المعارك السياسية لبورقيبة ضد خصومه من اليسار أولا ثم من التيار الإسلامي. معركة تواصلت مع خلفه زين العابدين بن علي الذي أيقن أهمية هذا المجال، ليكون ملّف التعليم في كل مرة ساحة في حرب تثبيت الوجود بين مختلف الأطراف. صراع كان عنوانه الرئيسي من يفتك عقل الناشئة ويطوعها.

لم تتوقف لعبة شدّ الحبال حتى بعد ثورة 14 جانفي 2011، وإن تغيرت أدواتها. فقد انتقل الصراع إلى قبة مجلس نواب الشعب أو المجلس الوطني التأسيسي، ليتحوّل مسار كتابة الفصل 39 من دستور تونس الجديد إلى دلالة على مركزية التعليم في الصراع الفكري والسياسي في تونس، قبل أن تصل مختلف الأطراف السياسية إلى تسوية خضعت لها مختلف الفصول والمسائل الخلافية لاحقا ووضعت هذا الملّف الشائك تحت مظلة التوافق. لكن الثورة وإن اعادت الجدل حول قضية التربية خارج مربع مكاتب الوزارة ومختصّيها، إلا أنها عرّت في ظل مناخ الحرية الجديد واقع التعليم بعد عقود من غضّ ّالنظر.

بنى تحتية متهالكة، عنف وفوضى في المدارس، مؤسسات لم تُجدد من ستينات القرن الماضي ووفيات في صفوف التلاميذ بسبب إلتهاب فيروس الكبد الناجم عن التلوث واختلال جهوي في توزيع رفاه النفاذ إلى المعرفة لم يشذّ عن سياسة متكاملة للدولة في تكريس الإختلال الجهوي في مختلف القطاعات. والمعاناة لم تستثنِ ذوي الاحتياجات الخصوصية مع فضاءات العلم رغم ترسانة القوانين التي فضحت البون بين المعلن والمنجز. هنا كان لا بد للعودة إلى لغة الأرقام واستعراض الواقع المأزوم للتعليم العمومي الذي ارتبط بأزمة مشروع الدولة الوطنية واصطدم بالفرق الشاسع بين واجهة الشعارات وما كانت تخفيه خلفها.

الهدف من تناول ملّف التعليم، لم يكن مجردّ التذكير بمسار هذا المشروع الوطني، أو الإكتفاء باستعراض مآله والوقوف على الأطلال وتحميل المسؤوليات أو الإكتفاء بسرد الإحصائيات، بل لفتح الباب أمام الأسئلة الكبرى حول سبل النهوض بمحاضن العقل التونسي. وعلى هذا الأساس، كان للمفكرة القانونية حوارات مع من دافعوا ودفعوا نحو إصلاح المنظومة التربوية وحاولت عبرهم الغوص أكثر في تفاصيل المسار وانعطافاته وانتكاساته وأفق الاستدراك عبر التعريج على الجانب البيداغوجي والبحث في التجارب المقارنة التي انتبهت إلى دور التعليم كرافعة لتجارب النهضة في مختلف المجالات.

لكن أزمة التعليم العمومي، لم تظل حبيسة أسوار المدارس والمعاهد، أو قاعات وزارة الإشراف، بل شملت الإطار التربوي الذي خرج في مناسبات عدّة خلال السنوات الأخيرة إلى الشارع ليعبّر عن وجه آخر لمشاكل هذا القطاع من موقع المربّي الذي تحاصره ظروف العمل المتدهورة ووزارة متخليّة ومنظومة تماطل في فتح النقاش حول الإصلاح ووضع اقتصادي يعتصر جيوبه وحضوره الذهني. بل وتحولت احتجاجات نقابة التعليم التي وصلت إلى حد الإضراب العام إحدى أدوات التجاذب السياسي في بلد أتقن سياسيوه منذ سنة 2011 لعبة استثمار الأزمات. لذلك كان يجب أن يكون صوت المربّين حاضرا في هذا الملّف، فلا معنى لأي إصلاح ولا مصداقية لأي رؤية تقصي من يُناط إليهم تشكيل وعي الناشئة ومعارفهم ومن يُعاينون بشكل مباشر ويومي ارتدادات الوضع الراهن للمدرسة العمومية.

إن تتبع المسار الرسمي أو العمومي دون غيره يظل غير كاف لاستيعاب المشهد بكل تفاصيله. فكما استثمرت الدولة في التعليم كان لرأس المال الخاصّ منفذٌ إلى هذا القطاع منذ خمسينيات القرن الماضي. لكن انتعاشته، وبالذات في المرحلة الإبتدائية، لم تتجلّ بشكل كبير سوى خلال السنوات العشر الأخيرة التي شهدت طفرة حقيقية على مستوى تطوّر عدد المدارس الابتدائية الخاصة وإقبال الأولياء على تسجيل أبنائهم فيها، في حين ظلت المعاهد والإعداديات العمومية صامدة في وجه هذه الموجة. ولم تستطع معظم المعاهد الخاصة تغيير الإنطباع السائد عنها كعنوان يطرقه من يلفظهم التعليم العمومي. موجة الهجرة هذه، لم تنشأ فقط من تردّي واقع المدرسة العمومية، بل انتفعت بسخاء تشريعي ورضى رسمي سهّل الإستثمار في هذا المجال وترك لها عناوين الرفاه والجودة كمدخل للإستقطاب وتقديم البديل لمن استطاع إليه سبيلا ماديّا، ولترسم معالم تعليم طبقي يُضاف إلى أوجه الضيم المتعددة في مختلف المجالات في تونس.

هؤلاء الذين تُركوا دون خيارات أمام الأزمة، استطاعوا أن يرسوا آليات لتكريس حقهم في المعرفة والالتفاف على العوائق الاجتماعية والاقتصادية أمام تحصيل حقّهم في التعليم عبر مبادرات مواطنية تطوعية ما تزال تؤمن في أهمية الإستثمار في العقل وأن كلّ المشاريع للتغيير تنطلق من بناء وتحصين الوعي الجماعي. لتكون جمعية جيل ضد التهميش في منطقة الكبارية في تونس العاصمة، مثالا على قدرة مجالات الهامش على رفع حالة اللا مساواة في النفاذ إلى المعرفة عبر تنظيم دروس دعم مجانية للتلاميذ انخرط فيها الأساتذة والطلبة بشكل طوعي منذ 5 سنوات تقريبا. خطوة تمثل ربّما خطّ البداية نحو تأسيس وتأصيل مفهوم التعليم الشعبي في ظل مؤشرات تدلّ أن عودة الدولة للعب دورها وواجبها الاجتماعي في المسألة التعليمية ما يزال بعيدا.

 

  • نشر هذا المقال  بالعدد 18 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

التعليم، قلعة تونس المتصدعة

 

 


 الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إيميل دوركايم[1]