بتاريخ 24-03-2020، اتّهم عضو مجلس نواب الشعب محمد العفاس نقابيين ينتمون للإتحاد العام التونسي للشغل بمنعه من حضور اجتماع بمقر الإدارة الجهوية للصحة بصفاقس. وذكر أنهم تعمدوا تعنيفه وسحله. وقد نشر شريط فيديو يوثق ما ذكر أنه آثار لما تعرض له من اعتداء. وأصدرت في ذات التاريخ رئاسة المجلس النيابي بيانا أعلنت فيه تضامنها الكامل والمطلق مع العفاس ودعت النيابة العمومية لتتبع من نسب لهم الاعتداء. في سياق متصل بذات الوقائع، أصدر المكتب الجهوي للاتحاد العام التونسي للشغل بصفاقس بتاريخ 26-03-2020 بلاغا ورد فيه أن النائب حاول حضور اجتماع مخصص لتدارس مخاطر انتشار فيروس الكورونا بالوسط الطبي لم يكن من المدعوين إليه. فدعته مسؤولة نقابية للمغادرة إلا أنه رفض ذلك. وإذ أدى تصرّفه لمنع عقد الإجتماع، سارع أعوان الصحة إلى رفع "شعارات غاضبة تطالب النائب بالخروج وحينها جدّ تدافع لم يتحول بحمد الله لعنف". من جهته وبعيدا عن السرديات المتضاربة وإنطلاقا منها، قرر بتاريخ 25-03-2020 وكيل الجمهورية لدى المحكمة الإبتدائية بصفاقس 2 فتح بحث تحقيقي في الوقائع.

لم يقبل العفاس حينها بالتعاطي القضائي وبادر لاستعمال منصة المجلس التشريعي للتشهير بوكيل الجمهورية الذي اتهمه "بالتلكؤ في الأبحاث". وقد لازم وفريقه السياسي هذا الموقف إلى حين بلوغ العلم لهم باتخاذ قاضي التحقيق بتاريخ 07-04-2020  قرارا بإيقاف عدد ممن نسب لهم الإعتداء بناء على ما ذكر أنه تقدم في الأبحاث. حوّل خبر الإيقاف من كانوا ينددون بتواطؤ القضاء مع مراكز النفوذ النقابي إلى مرحبين باستقلالية القضاء لكنه نقل "النقابة" إلى خانة الرفض والمواجهة.

عدّت النقابة بطاقات الإيداع التي صدرت في حق ثلاثة من كوادرها من قبيل الإستهداف من جهات عرفت بعدائها لها ودعت للإفراج عمّن أسمتْهم بالمعتقلين في آجال لا تتجاوز نهاية شهر رمضان ملوحة بتحركات احتجاج وضغط إن لم يستجب لطلبها. وكانت تاليا الإضرابات القطاعية الجهوية التي شهدتها جهتها صفاقس طيلة النصف الأول من الشهر السادس من سنة 2020 أول ذاك التصعيد فيما كان عقد الهيئة الإدارية للمركزية النقابية يوم 27-06-2020 بصفاقس وكلمة الأمين العام للنقابة بمناسبتها والتي خصص جانبا كبيرا منها للحديث عن القضاء أهم محطات التصعيد الموعود.

 

القضاء ساحة لصراع النقابة مع إئتلاف الكرامة

ذكر نور الدين الطبوبي أن اختيار صفاقس لعقد الهيئة الإدارية يرتبط برمزية المدينة في تاريخ تأسيس النقابة كما أنه من "أركان خطة الدفاع عن النقابيين الموقوفين" والدفاع عن الاتحاد من هجمة إئتلاف الكرامة عليه باعتماد "الضغط على القضاء لمحاكمة النقابيين". ذاك القضاء الذي اتهمه بتسريع إجراءات محاكمة النقابيين وتحويل أحداث بسيطة لقضية جنائية في مقابل تباطئه في قضايا الإعتداءات على مقرات الاتحاد سنة 2012 والإغتيالات السياسية كتباطؤ مجلسه الأعلى في نظر 66 ملف فساد لقضاة. واعتبر الطبوبي هذا الأمر مؤشرا على "أن القضاء في تونس أصبح مسيّسا يرتهن إلى سيطرة أطياف سياسية معينة" وأن تكون باتت جمهورية قضاة ملاحظا أن نقده لا يعني البحث عن الضغط عليه بل هو سعي إلى إرساء "قضاء عادل ومصنف بعيدا عن المساومات السياسية الخسيسة".

 

رئاسة المجلس الأعلى للقضاء على خط المواجهة

اعتبر يوسف بوزاخر رئيس المجلس الاعلى للقضاء في تصريح أدلى به لوكالة تونس إفريقيا للأنباء حديث الطبوبي عن تستر المجلس الأعلى للقضاء على ملفات فساد القضاة من "باب المغالطات ولا أساس لها من الصحة". واستنكر ما ورد في خطابه من "إزدراء للقضاء وما  احتواه من تزييف للحقائق"، معتبرا أن "ما فعله الأمين العام لاتحاد الشغل يعدّ محاولة للضغط على قضاة متعهدين بملفات حق عام".

يتبين من كل ما سلف أن قضية النقابيين المتهمين بالإعتداء على النائب العفاس تتجه لأن تكون موضوع صراع سياسي. ويبدو أن الإستحقاق الإنتخابي المرتقب للمنظمة النقابية وطبيعة علاقة الشق السياسي الذي ينتمي له المعتدى عليه المتوترة بالمنظمة النقابية زيادة على أهمية مدينة صفاقس النقابية والسياسية ستكون من العوامل التي ستدفع لمزيد إذكائه في المحطات القادمة.

ويهم "المفكرة القانونية" التي وثقت في مقالها هذا لتطور الأحداث بحكم اهتمامها بالشأن القضائي أن تؤكد على كون الحق في إخضاع عمل القضاء للرقابة العامة والحق في نقد أعماله يجب أن يقترن دوما بحرص على تجنب إضعافه من خلال فرض ضغط سياسي عليه قد يؤثر سلبا على استقلالية قراراته. وعليه، تبادر هنا لدعوة الفاعلين السياسيين لخوض صراعاتهم بعيدا عن ساحة القضاء ودعوة القضاء إلى تحصين نفسه من التدخلات من خلال التمسك بعدالة ناجزة وعادلة لا تخضع للضغط أيا كان مصدره.