يمارس مجلس شورى الدولة بالإضافة إلى كونه يختزل القضاء الإداري، وظيفة إستشارية. وهو بذلك يتبع نظيره الفرنسي الذي يمارس منذ أكثر من قرنين أيضاً وظيفة إستشارية أساسية إلى درجة جعلته، بحسب البعض، "معاوناً للمشرّع"[1]. وحتى في فرنسا، رغم أنّ هذه الوظيفة الإستشارية كانت أوّل ما كرّسه الدستور للمجلس[2] تبقى الأقل شهرة بين الوظيفتين[3]. إلّا أنّ النشاط الذي يمارسه في إطار هذه الوظيفة ليس مهملاً: فمجلس شورى الدولة الفرنسي يدرس ما معدّله 1167 نصاً في السنة[4]. بالإضافة إلى وجهة النظر النوعية هذه، فإن أهمية هذا الدور الاستشاري الذي يؤدّيه كمستشار للدولة وإدارتها، تبرز من خلال تعدد الحالات التي يمكن فيها طلب رأي مجلس شورى الدولة، سواء في النصوص أو الأمور الإدارية.

 

وإن كان لبنان قد نسخ نظام العمل المزدوج للقضاء الإداري، إلّا أنّ الدور الاستشاري لم يحظَ بتكريس دستوري، وحظي فقط بأربع مواد (من 56 حتى 59) من نظام مجلس شورى الدولة[5]. وهذا الدور يحتاج إلى إعادة تقييم ومن شأن مقارنته مع نظيره الفرنسي أن يعطي بعض الأدلّة على العناصر التي يجب إصلاحها.

 

بنية غير كافية

من الناحية البنيوية، يحتلّ الدور الاستشاري للمجلس الفرنسي مكانة أساسية غالبة، حيث تحظى النزاعات بقسم واحد مقابل خمسة أقسام إدارية (الداخلية، والمالية، والإدارة، والأشغال العامة، والقسم الإجتماعي) إضافة إلى قسم العلاقات والدراسات الذي يمارس أيضاً وظائف إستشارية. ويضمّ كلّ قسم رئيساً ورئيسين معاونين لإثنين يلحق بهم مستشارون آخرون للدولة[6]. أما في لبنان، فلا يوجد سوى غرفة إدارية وحيدة[7] مقارنة بخمس غرف قضائية، ولا يبدو أنّ النظام ينصّ على أقسام فرعية تكون متخصصة بمسألة إدارية أو أخرى. كما أنّه إذا كان النظام ينصّ على أنّ تلك الغرفة يرأسها رئيس المجلس[8] الذي يمكنه أن يفوّض هذا الدور إلى رئيس غرفة آخر. لا يبدو أنّ النظام ينصّ على تعيين مستشارين بالضرورة لهذه الغرفة. ويبدو أنّ قرار التكليف هو اختصاص تقديري لرئيس المجلس الذي يمكن أن يكتفي بتعيين مستشار واحد فقط[9]. ولا يبدو أنّ النصوص تؤيّد العمل من وجهة نظر لوجستية لأنها تمنحه موارد بشرية قد لا تكون كافية لملء هذه الوظائف.

إضافة إلى ذلك، لا يبدو أنّ هناك فصلاً حاسماً بين الوظيفتين القضائية والإستشارية، حيث يمكن لرئيس غرفة قضائية أن يرأس غرفة إدارية. إلّا أنّه في هذا الإطار، تستلهم النصوص اللبنانية من الحلول الفرنسية التي فرضها الإجتهاد الأوروبي[10] الذي يدعو إلى التمييز بشكل حاسم بين هذه الوظائف بإسم المحاكمة المنصفة. في هذا الصدد مثلاً، إذا شارك قاضٍ في تبنّي رأي حيال نصّ معيّن، لا يمكنه أن يكون عضواً في هيئة حكم تنظر في مراجعة ضد النص ذاته. وبالتالي فإن الفصل بين هاتين الوظيفتين القضائية والإستشارية يجب أن يكون في الوقت نفسه مادّياً وشخصياً وإلّا تصبح حيادية المجلس وقضاته على المحك.

 

تحاول مسوّدة القانون الذي تقدّمه "المفكرة القانونية" حلّ بعض من هذه المشاكل حيث تنصّ على أنّ الغرفة الإستشارية تضمّ رئيساً ومستشارين يحدد عددهم بقرار من مجلس القضاء الإداري الأعلى (الذي تقترح المسودة إنشاءه محلّ المكتب الحالي لمجلس شورى الدولة). وتنصّ أيضاً على توزيع المستشارين في لجان متخصصة، بهدف تطوير نوعية هذه الوظيفة الإستشارية.

 

تدخّل ضروري ولكنه يواجه منافسة

في لبنان كما في فرنسا، يُستشار مجلس شورى الدولة في مشاريع النصوص سواء بوجه إجباري أو اختياري. وهو اختياري في فرنسا بالنسبة لاقتراحات القوانين (استشارة مجلس الشورى بشأنها ممكنة منذ الإصلاح الدستوري للعام 2008)[11] وإجباري في ما يخصّ مشاريع القوانين[12] أو االمراسيم التشريعية[13] أو المراسيم[14] التي لا يتمّ تبنّيها سوى بعد استشارة المجلس. ويمكن للمجلس أن يُستشار من قبل الوزراء حيال "صعوبات تنشأ في مسائل إدارية"[15]. بعض هذه الآراء المقدّمة في هذا الإطار تُعدّ مراجع لبعض المسائل، تماماً كما القرارات التي تتخذها المحكمة الإدارية (كما هي الحال في ما يخصّ الرأي الذي قدّمه المجلس في قضية إرتداء الحجاب في المدارس في مسألة العلمانية[16] أو الرأي الذي قدّمه في موضوع لجوء الشخصيات العامة إلى التحكيم[17]) واستطاعت حتى أن تقود إلى إصلاحات تشريعية هامة[18]. تقود القيمة المضافة لهذه الآراء على نوعية النصوص أيضاً إلى توسيع الدور الإستشاري إلى محاكم إدارية أخرى[19] يمكن إستشارتها مثلاً من قبل المحافظين[20].

بشكل عام مرّ نظام مجلس شورى الدولة اللبناني على مختلف الحالات التي تكون فيها استتشارة المجلس وجوبية أو جوازية. وتنصّ المادة 57 من النظام على الحالات التي يتوجّب إستشارته فيها (مشاريع المراسيم التشريعية ومشاريع النصوص التنظيمية وفي جميع المسائل التي نصّت القوانين والأنظمة على وجوب استشارته فيها) والحالات حيث الاستشارة ممكنة (مشاريع المعاهدات الدولية ومشاريع التعاميم وفي أي موضوع هام يقرر مجلس الوزراء استشارته فيه). ولكن يبدو أنّ هذه الصلاحيات المناطة بالمجلس تواجه منافسة إلى حدّ ما من هيئة أخرى هي هيئة التشريع والإستشارات في وزارة العدل، التي يمكن استشارتها في ما يتعلّق بمشاريع قوانين أو مراسيم أو نصوص تنظيمية أو تعاميم أو معاهدات دولية[21]. وحتى لو لم تكن استشارتها إجبارية، إلّا أنّ صلاحياتها تتقاطع مع صلاحية المجلس رغم أنّه مدعوّ، إضافة إلى دوره الإستشاري، إلى القيام بدور في صياغة مختلف هذه النصوص[22].

 

لعلّ أهمية استشارة المجلس الوجوبية تبرز من خلال الأثر الناتج عن تجاوزها وهي بطلان العمل الذي صدر من دون استشارته مسبقاً بشأنه. ويذهب مجلس الشورى الفرنسي إلى حد إبطال المراسيم التي يتمّ اتخاذها من دون استشارة مجلس الشورى لعيب في الإختصاص[23]. وقد تبنّى المجلس الدستوري الفرنسي موقفاً مماثلاً، حين لأسباب إجرائية، أحكاماً وردت ضمن مشاريع قوانين تمّ إقرارها من دون استشارة مجلس الشورى مسبقاً [24]. في الإتجاه نفسه، يعاقب مجلس الشورى اللبناني أيضاً على إغفال استشارة المجلس في الحالات التي تكون فيها وجوبية، ولكنه يفعل ذلك لمخالفة الأصول الجوهرية[25]. بالتالي، تتّجه فرنسا نحو تعزيز الدور الإستشاري لمجلس شورى الدولة، سواء من خلال زيادة النصوص أو المسائل التي يجدر أو يمكن استشارته بشأنها ، أو من خلال إبطال النص الصادر بتجاوز للإستشارة الوجوبية المسبقة للمجلس. في المقابل فإنّ هذه الإستشارة في لبنان، على الرغم من أنّ إغفالها يعاقب عليه القانون، إلّا أنها لا تعطى الأهمية نفسها.

 

 

غياب مثير للجدل للعلانية

في فرنسا، تعتبر الآراء التي يقدّمها مجلس الشورى، سرّية من حيث المبدأ، إلّا في حال قرر المتلقّي/طالب الإستشارة نشرها. وقد تمّ نشر العديد من الآراء، لا سيّما في حالات تمت استشارة المجلس فيها ليس بشأن نص بل شأن "صعوبات تنشأ في مسائل إدارية". وما يعكس أهمية الآراء المنشورة أنّها شكّلت موضوع عمل يحمل عنوان "الآراء الكبرى لمجلس شورى الدولة"[26] الموازية لـ "القرارات الكبرى للفقه الإداري" GAJA. كما يتم نشر الدراسات والتقارير السنوية التي يعدّها قسم تقارير الدراسات ويتم الاستشهاد بها بانتظام. وإدراكاً منها للفائدة التي يمكن أن تشكّلها الآراء المقدّمة من المجلس الفرنسي، اتخذت السلطة التنفيذية منذ عام 2015 قراراً بتعميم نشر الآراء المتخذة بشأن مشاريع القوانين[27].

أما في لبنان، فالحالة تبقى مغايرة تماماً حيث تبقى سرية الآراء الصادرة عن مجلس الدولة مطلقة، ويحظّر نشرها[28]. ولا يمكننا الإطّلاع عليها سوى من خلال بعض المقالات التي يكتبها مستشارو الدولة الذين كان لديهم وصول إلى الآراء واختاروا الكتابة عنها[29]. وقد خفّفت المادة الخامسة من قانون حق الوصول للمعلومات ولو بشكل غير كافٍ من الطابع المطلق لمنع نشر هذه الآراء، حيث نصّت أن آراء مجلس الشورى تبقى سريّة إلّا إذا قرّر صاحب العلاقة عكس ذلك وفقط في إطار مراجعة قضائيّة. وتقترح مسوّدة القانون التي تطرحها "المفكرة القانونية" تصحيح هذا الوضع عن طريق نشر الآراء الصادرة عن مجلس الدولة إلتزاما بالشفافية.

 

*ترجمة: لمياء الساحلي

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 65 | حزيران 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

القضاء الإداري: من يحمي الدولة ومن يدافع عنها؟

 

 


[1] E. Laferrière, cité dans BRAIBANT (G.), « Le rôle du Conseil d’Etat dans l’élaboration du droit », Mélanges René Chapus, éd. Montchrestien, 1992, p. 95

[2] Aux articles 38 et 39 de la Constitution de 1958, mais elle est consacrée depuis 1799 puisque l’article 52 de la Constitution du 22 frimaire an VIII : « Sous la direction des consuls, un Conseil d’Etat est chargé de rédiger les projets de loi et les règlements d’administration publique et de résoudre les difficultés qui s’élèvent en matière administrative. ». La fonction juridictionnelle quant à elle n’a été constitutionnellement consacrée que par la révision constitutionnelle du 23 juillet 2008 qui a prévu que les questions prioritaires de constitutionnalité (QPC) seraient transmises au Conseil constitutionnel par le Conseil d’État et par la Cour de cassation

[3] « des deux fonctions du Conseil D’État – conseiller et juger –, c’est la seconde qui est la plus connue (…) », d’après BRAIBANT  (G.), op. cit, p. 91

[4] Pour les 8 dernières années  d’après le Rapport d’activités du Conseil d’État 2019,  p. 195

[5] Décret n. 10434 du 14/06/1975

[7] Article 34 du Règlement du Conseil d’État précité

[8] Article 36

[9] idem

[10] Procola c. Luxembourg, 28 septembre 1995, requête n° 14570/89 

[11] Article 39 de la Constitution

[12] idem

[13] Article 38 de la Constitution

[14] Article 37 de la Constitution

[15] L.112-2 Code de justice administrative

[16] Avis du 27 novembre 1989 Port du foulard islamique n°346-893

[17] Avis 6 mars 1986 dit Eurodisneyland, n°339-710

[18] Ce fut notamment le cas de l’avis de 1989 précité qui a contribué à l’adoption de la loi 2004-228 du 15 mars 2004 « encadrant, en application du principe de laïcité, le port de signes ou de tenues manifestant une appartenance religieuse dans les écoles, collèges et lycées publics »

[19] L.212-1 CJA : « outre leurs attributions juridictionnelles, les tribunaux administratifs et cours administratives d’appel exercent des fonctions consultatives »

[20] R212-1 du même code

[21] Article 8 alinéa 1-b du décret-loi n°151 du 16/09/1983 portant organisant du Ministère de la Justice

[22] Article 8 alinéa 1-a de la loi précitée

[23] Voir par exemple CE Ass., 10 septembre1992, Meyet, requete n°140345

[24] CC DC n°2003-486 du 3 avril 2003, censure partielle de la loi relative à l’élection de conseillers régionnaux

[25] Décision n°201 du 10/04/1975

[26] GAUDEMET (Y.), STIRN (B.), DAL FARRA (T.), ROLIN (F.), Les grands avis du Conseil d’État, Dalloz, 3e édition 2008

[27] Décision orale du président de la République annoncée lors de la cérémonie de vœux aux corps constitués le 20 janvier 2015, les avis sur les projets de loi sont – depuis le 19 mars 2015 – intégralement rendus publics par le gouvernement, dès que ces projets ont été délibérés en conseil des ministres.

[28] BAUJI (S.), « Le rôle consultatif du Conseil d’État au Liban », La revue administrative, 52e année, Numéro spécial 5 : les juridictions administratives dans le monde France-Liban 1999, p. 94

[29] Voir surtout l’article de Souheil Bauji précité