المنازعة الضريبيّة هي منازعة تحظى بإجراء خاصّ يهدف إلى تسهيل حلّ المنازعات التي يمكن أن تنشأ بين المكلّفين وإدارة الضرائب، من دون أن يتطلّب ذلك بالضرورة إحالتها إلى القاضي وذلك بهدف إعفاء مجلس شورى الدولة في الحالة اللبنانية، من تراكم الدعاوى التي تتطلّب فحصاً دقيقاً لكل حالة.

وعليه، في حال إعتراض المكلّف على ضريبة مفروضة من قبل الإدارة الضريبية بسبب خطأ أو عدم شرعية، يبادر المكلّف إلى تقديم مراجعة إسترحامية أمام الإدارة التي فرضت الضريبة[1]. وعلى الإدارة أن تنظر في الإعتراض ضمن مهلة ستة أشهر، قابلة للتجديد مرة واحدة لثلاثة أشهر إضافيّة إبتداء من موعد تسلّم الإعتراض. وفي حال عدم صدور أيّ قرار من قبلها، يُعتبر صمت الإدارة بمثابة قرار ضمنيّ بقبوله[2]. ولا يمكن للمكلّف أن يعترض سوى على رفض صريح كليّ أو جزئيّ لطلبه من قبل الإدارة. فإذا صدر هذا الرفض، يبادر المكلّف إلى إحالة الإعتراض إلى لجان الإعتراضات المختصّة، وفق قانون أصول الإعتراض على الضرائب والرسوم[3]. وهي لجان تتكوّن عموماً من قاضٍ (غالباً ما يكون قاضياً عدلياً) ومراقب ضريبي وممثل عن الإدارة التي اتخذت القرار، فضلاً عن ممثل عن غرفة التجارة والصناعة. بمعنى أن غالبية أعضائها هم من الإداريين وليسوا من القضاة، وتكون قراراتها قابلة للطعن (استئناف) أمام مجلس شورى الدولة.

وفيما عمد قانون تعديل نظام مجلس شورى الدولة رقم 227/2000 إلى نقل صلاحية البتّ في الإعتراضات الضريبية من هذه اللجان إلى المحاكم الإداريّة المزمع إنشاؤها في المحافظات، أدّى التقاعس في إنشاء هذه المحاكم إلى ضمان استمرار هذه اللجان. ومن هنا، كان من الضروريّ تسليط الضوء على الإختلالات الرئيسية في عملها. وقد عمدنا إلى ذلك من خلال مقابلة أجريناها مع أحد أبرز الإختصاصيين في المجال الضريبي المحامي كريم ضاهر، وهو أستاذ جامعي ورئيس الجمعية اللبنانية لحماية المكلفين. أدناه، ندوّن حصيلة هذا اللقاء.

 

النزاع الضريبي يتطلّب إختصاصاً وحيادية

كما سبق بيانه، تتكوّن اللجنة من أربعة أعضاء، من بينهم قاضٍ واحد، غالباً ما يُعيّن من بين القضاة العدليين من دون أن يسبق تعيينه أي تأهيل حول القوانين الضريبية. فضلاً عن ذلك، تضمّ اللجنة ممثلاً عن الإدارة التي اتخذت القرار بفرض الضريبة، بما يمسّ بمبدأ الحياد. يخالف هذا التكوين القرار الصادر عن المجلس الدستوري بشأن قانون الإيجارات الصادر بتاريخ 06/08/2014، والذي اعتبر أنّ اللجان التي ينشئها القانون يجب أن تحاط "بضمانات لجهة كيفية تعيين أعضائها أو الإجراءات المتبعة منها، منعاً لإهدار الحق بالتقاضي".

وينعكس سوء تكوين اللجان في نوعية القرارات الصادرة عنها وبخاصة لجهة أسنادها القانونية. ومن شأن هذا الأمر أن يزيد عدد الطعون أمام مجلس شورى الدولة وأن يفاقم تالياً من الضغط العددي عليه، وبخاصة أن الدولة تعترض بشكل منهجي على قرارات لجان الإعتراضات الصادرة ضدها.

ولكن هل يحلّ إنشاء المحاكم الإدارية بموجب قانون 2000 هذه المشكلة؟ بالنسبة إلى المحامي كريم ضاهر، يكتفي قانون 2000 بنقل الصلاحية من لجان الإعتراضات إلى المحاكم الإدارية، من دون أن ينصّ على تخصّص أعضاء هذه المحاكم. في جميع الأحوال، يتناقض هذا الحلّ مع الإتجاهات الحالية في القضايا الضريبية التي تعتمد إجراءات بديلة لتسوية المنازعات الضريبية. هذه هي الحال في فرنسا على سبيل المثال، التي شكّلت لجان مصالحة ضريبية على المستوى الوطني والإداري[4] تتيح لدافعي الضرائب باللجوء إليها في إطار غير نزاعي، في محاولة لتحقيق نوع من الوساطة بين الإدارة والمكلّف قبل أن يتواصل الإجراء في إطار قضائي. ومن شأن هذا الحلّ أن يخفّف العبء عن المحاكم.

 

إجراء بطيء يتعارض مع الحق في محاكمة منصفة

تخضع المراحل المختلفة للإجراء القضائي لمهل زمنية: فأمام الإدارة مهلة قصوى تصل إلى 9 أشهر لاتخاذ قرار بخصوص الإعتراض المقدّم من المكلّف. ولدى هذا الأخير مهلة شهرين للجوء إلى لجنة الإعتراضات ضد قرار الرفض الكلّي أو الجزئي من قبل الإدارة. ويكتفي القانون بأن ينصّ على أنّ اللجان تطبّق الأصول المطبّقة من قبل قاضي العجلة من دون أن يلحظ مهلة للجنة لاتخاذ قرارها. وتستغلّ اللجان، إزاء تراكم الملفّات، غياب المهلة من أجل تأخير اتخاذ القرارات لمدة تصل أحياناً إلى 8 سنوات من تاريخ تقديم الطلب أمامها. 

ويتكبّد المكلّفون المعترضون كلفة هذا التأخر على شكل غرامات تأخير في حال خسارة الدعوى. وفي حال مارست الإدارة حقها في الحجز على ممتلكات المكلّف فسوف يتم تجميدها ولن يتمكّن صاحبها من التصرّف فيها بحريّة طالما أنّ اللجنة لم تبتّ في اعتراضه. كما قد تتكبّد الإدارة كلفة هذا التأخير في حال أدى إلى إبطال التكليف الصادر عنها، بحيث يتعيّن عليها في هذه الحالة إعادة المبالغ المحصّلة، مع فوائدها، في حال كان المكلّف سددها بالفعل قبل تقديم اعتراضه.

 

المسّ بالأموال العامة

اعتاد المراقبون الذين يفرضون الضرائب، حين يشعرون بالحاجة إلى زيادة إيرادات الدولة، على رفع قيمتها. وهم يفعلون ذلك إنطلاقاً من فكرة أنّه في أفضل الأحوال سيدفع المكلّف الضريبة وستكسب الدولة بضعة ليرات وفي أسوأ الأحوال، سيعترض بعض المكلّفين على الضريبة وهو ما يقود إلى تقديم مراجعات أمام اللجان ومن بعدها أمام مجلس شورى الدولة. وهم يعتمدون أحياناً لتبرير مواقفهم توجّهات تخالف بشكل واضح وصريح إجتهادات واضحة ومستقرة لمجلس شورى الدولة، ويراهنون بذلك على الأثر النسبي للقرارات التي لا تفيد إلا المكلفين المعترضين، وعددهم يبقى أقلّ عادة من عدد المكلّفين الذين يكونون سدّدوا الضريبة من دون الإعتراض عليها.  

ومن النتائج الوخيمة لذلك هو أن تتحمّل الدولة عبئاً ماليّاً من جرّاء سوء التعامل مع المكلّفين على هذا الوجه في حال خسارتها لاحقاً كما سبق بيانه.

 

من يدافع عن الدولة؟

تلجأ الدولة في غالبية الأحيان إلى تكليف محامين مهمة الدفاع عنها أمام اللجان ومجلس شورى الدولة. ويتم اختيار هؤلاء المحامين وفق مناطق تواجدهم، من بين المحامين الذين يعيّنون دورياً بمرسوم كمحامين للدولة، لقاء أتعاب شهرية محددة سلفاً. وغالباً ما يكون هؤلاء أشخاصاً غير مؤهّلين في مجال القوانين الضريبية، بما يؤدّي إلى إضعاف مواقف الدولة.

 

تسويات قانونية للنزاعات الضريبية؟

أخيراً، يذكر ضاهر أنّه غالباً ما يضمّن المشرّع قوانين الموازنة العامة تسويات قانونية للنزاعات الضريبية، بهدف الإكتفاء بتحصيل جزء من الضرائب مقابل التخلّص من الإعتراضات المقامة ضد الدولة. ومن أبرز أشكال هذه التسويات، تمكين المكلّف من إبراء ذمته من خلال تسديد 50% من الضريبة المكلّف بها مقابل تخلّيه عن الإعتراض الذي ربما تخشى الدولة من أن ينتهي لغير صالحها. ومن شأن هذا الأمر أن يؤدّي إلى مزيد من التعسّف من قبل مفتّشي المالية والمكلّفين على حدّ سواء، وإلى إيجاد وضعيات مناقضة لمبدأ المساواة، كأن يدفع المكلّف المخالف أو المتخلّف عن دفع الضريبة ضريبة أقل من المكلّف الذي التزم بتطبيق القانون ودفع الضريبة المستحقّة ضمن مواعيدها، من دون أي اعتراض.

بالطبع، ما كانت هذه التسويات لتحصل لو تم اعتماد آليات أكثر فعالية في التدقيق في الضرائب المستحقة، والنظر في النزاعات الناشئة عنها. علاوة على ذلك، كان المجلس الدستوري قد أبطل هذا النوع من التسويات في قرار صادر بتاريخ 14-5-2018 بشأن قانون الموازنة العامّة لسنة 2018. وقد اعتبر المجلس أنّ من شأن التسوية الضريبية تشجيع المواطنين على التخلّف عن تسديد الضرائب المتوجّبة عليهم، وحمل الذين دأبوا على الإلتزام بتأدية واجبهم الضريبي على التهرّب من تسديد الضرائب المتوجّبة عليهم أملاً بصدور قوانين إعفاء ضريبي لاحقاً وأنّها فضلاً عن ذلك "تؤدي إلى التفريط بالمال العام وإلى زيادة العجز، في وقت تزاد فيه الضرائب والرسوم على سائر المواطنين بحجة تغذية الموازنة وتخفيض العجز".

 

*ترجمة: لمياء الساحلي

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 65 | حزيران 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

القضاء الإداري: من يحمي الدولة ومن يدافع عنها؟

 


[1] المادة 97 من القانون رقم 44 تاريخ 11/11/2008، حول الإجراءات الضريبية.  

[2] المادة 98 من القانون المذكور أعلاه.

[3] المواد من 97 إلى 102 من القانون المذكور أعلاه.

[4] المادة 1653 وما يليها من النظام الضريبي.