بدأت بعض كلّيات ومعاهد الجامعة اللبنانية بإجراء الامتحانات النهائية حضورياً في حرم الكليّات وذلك عن امتحانات الفصلين الأول والثاني للعام الدراسي الحالي.

 هذه الخطوة ترافقت مع استمرار تسجيل إصابات بفيروس "كورونا" والتحذيرات من موجة ثانية وأشد قسوة من الأولى. يضاف إليها الضائقة المعيشية التي يرزح تحت وطأتها اللبنانيون  والتقنين القاسي وربما غير المسبوق للكهرباء وقطع شبه يومي لعدد من الطرقات. كل هذه العوامل لم تدفع رئاسة الجامعة إلى إعادة النّظر في قرارها إجراء الامتحانات الخطيّة لأكثر من 80 ألف طالب منتسب للجامعة على الرغم  من مناشدات الطلاب والدعوات لإجراء الامتحانات عن بعد مع الأخذ بعين الاعتبار المشاريع البحثية خلال وضع العلامة النهائية للطلاب.

رئيس الجامعة اللبنانية فؤاد أيوب أكّد قبل أيام في مقابلة تلفزيونية أنّ "الامتحانات ستجرى حضورياً، وهي قد بدأت بكليات عدّة ومعظم الطلاب متجاوبون وجاهزون وحاضرون، لأن الشهادة تهمهم كما تهمنا". ويتذرّع أيوب بالنظام الداخلي للجامعة الذي يلزم بإجراء هذه الامتحانات.

تتمسك إدارة الجامعة بإجراء هذه الامتحانات على أن تترافق مع الإجراءات الوقائية لحماية الطلاب من خطر الإصابة بفيروس كورونا وذلك من خلال تنظيم عملية الدخول والخروج إلى حرم الكليات وحفظ المسافة الآمنة بين الطلاب داخل قاعات الامتحان، وأخذ حرارة الطلاب عند مداخل الكليات، وإلزام الطلاب بإحضار الكمّامات معهم إلى قاعات الامتحان. ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ الجامعة نفسها سبق أن اشترت كميات كبيرة من معدّات الحماية الشخصية كالكفوف والكمامات وغيرها، إلّا أنّها لم توزّع على الطلاب في عدد كبير من الكليات.

 

كلّيات غير مؤهّلة لإجراءات الوقاية

 ورغم هذه الإجراءات المعلنة، لا تبشّر بعض المشاهدات داخل عدد من الكليات بالخير. ففي إحدى الكليّات مثلاً كان قياس حرارة الطلاب يجري بكاشف حرارة معطّل كما لم يتمكّن الموظفون والعناصر الأمنية من تنظيم الدخول بشكل يضمن التباعد الاجتماعي وذلك بسبب الأعداد الكبيرة للطلّاب.

في كلية الآداب الفرع الأول التي تعتبر ثاني أكبر كلية في الجامعة اللبنانية  لناحية عدد المنتسبين، لا يوجد أي مبنى من مباني فروع هذه الكلية مجهّزاً فعلاً لضمان التباعد الاجتماعي. ففي الأيام العادية لا تتسع قاعات التدريس لعدد الطلاب الحاضرين، ناهيك عن أنّ المقاعد متلاصقة ما يحتّم على عدد من  الطلاب حضور الصف وقوفاً. يضاف إلى ذلك مداخل المباني الضيّقة، كمباني الفرع الأول من الكلية التي تتضمّن  مبان سكنية غير مؤهّلة لاستيعاب دخول أعداد كبيرة من الطلاب.

تصف مديرة الفرع الأول من كليّة الآداب بادية مزبودي وضع مباني الفرع بـ"الكارثي" لناحية ضعف تجهيزه، مشيرة إلى أنّها تنظم دخول الطلاب إلى حرم المباني قبل ساعة من موعد الامتحان المحدد لضمان الحد الأدنى من الاختلاط بينهم. كما عمدت الكليّة إلى تنظيم مواعيد الامتحانات بشكل يحضر في كل مبنى طلّاب قسم واحد فقط وفق نظام المناوبة بين الأقسام للحد قدر المستطاع من عدد الطلاب المتواجدين في المبنى نفسه. كما طُلب من الطلاب عدم مغادرة القاعات في فترة الاستراحة بين الفترة الأولى والثانية من إجراء الامتحانات، بخاصة في الأقسام التي تضمّ الأعداد الأكبر منهم. وتصف مزبودي فعالية هذه الإجراءات بالمقبولة مقارنة بوضع المباني غير المجهزة بتاتاً وقالت:"حاولنا بما لدينا من قدرات أن نؤمّن الحدّ الأدنى من الإجراءات الوقائية للطلاب، وقسّمنا الامتحانات الفصلية للعام الدراسي بين تموز وآب". وبالطّبع منع الخوف من الاكتظاظ عدداً من الطلاب إلى التغيّب عن  الامتحانات، وفق ما تفيد مزبودي.

وتواصلت "المفكرة القانونية" مع عدد من مديري وعمداء الكليات والمعاهد للوقوف عند رأيهم. فوصف بعضهم الإجراءات المتّخذة بغير المجدية. وقابل موقف هؤلاء إعلان رئيس الجامعة أنه تم تجهيز المراحيض بالمياه والصابون والمناديل الورقية، ما يعني بأنّ كليات ومعاهد الجامعة كانت في حال غير مقبولة وغير صحية لم تكترث لها إدارة الجامعة طوال السنوات الماضية، وجاء تفشّي فيروس كورونا ليذكّر الإدارة بأنّ واحدة من أبسط معايير الصحّة العامة أي توافر مراحيض نظيفة غير محترمة في أبنيتها!

 

سخط بين الطلّاب

على جبهة الطلّاب، أعرب عدد كبير منهم عن سخطهم من قرارات رئيس الجامعة فؤاد أيوب، وهو الممسك بزمام القرار بالاشتراك مع وزير التربية بعدما تم حلّ مجلس الجامعة اللبنانية.

انتقد الطالب أسعد نمّور في منشور عبر إحدى المجموعات الطالبية ظهور أيوب في مقابلة تلفزيونية من منزله حرصاً على سلامته "لأنّه بيخاف يضهر من البيت كرمال كورونا" ليعلن أنّ "امتحانات الموت" لن تلغى. وقد نظّم الطلاب أكثر من عريضة وحملة للمطالبة بإلغاء هذه الامتحانات، جوبهت جميعها بالتجاهل الكامل من قبل رئاسة الجامعة.

وقد رأى تكتل طلاب الجامعة اللبنانية أنّ إجراء الامتحانات "تهديد صحّي ونفسي واقتصادي للطلاب وعائلاتهم ومُحيطهم"، وسأل التكتل عن سبب إصرار رئاسة الجامعة على إجراء هذه الامتحانات بذريعة اتّخاذ كافة الإجراءات الوقائية التي تمنع تفشّي فيروس كورونا بين الطلاب وفي الوقت عينه لم تأخذ مثلاً أي إجراء لناحية أزمة السكن الجامعي داخل مجمّع الحدث.

 

لماذا لا تجري الجامعة الامتحانات عن بعد؟

ولكن ما الذي يمنع الجامعة من إجراء الامتحانات عن بعد على غرار ما قامت به الجامعات الخاصة علماً أنّ إجراءها عن بعد كان أحد مطالب عدد من الأساتذة والإداريين كما هو مطلب قسم كبير من الطلاب.

لم يجب أيّوب على اتصالات "المفكرة"، إلّا أن مصدر من داخل الإدارة المركزية في الجامعة أكّد لـ"المفكرة" أنّ الجامعة غير مؤهّلة لكي تجري الامتحانات عن بعد، وفي الوقت عينه لا يوجد في نظامها ما يسمح لها بترفيع الطلاب وفق نظام الإفادة أي من  دون إجراء الامتحانات، لذلك فإن الامتحانات الحضورية ضرورية، والجامعة لم تتوقف عن إجرائها حتى في سنوات الحرب. ويقول أحد أساتذة كلية الحقوق والعلوم السياسية في اتصال مع "المفكرة" أنه كان يجب على رئيس الجامعة "أن يكثّف مساعيه في الفترة السابقة لإنجاز برنامج إلكتروني يسمح بإجراء الامتحانات عن بعد ويضمن عدم الغش وبمشاركة كافة الطلاب من دون الحضور إلى حرم الكليات". ويضيف الأستاذ بأنه لا يمكن للجامعة التذرّع بعدم وجود الأموال الكافية لإنجاز هكذا برنامج لأن مراقبة الامتحانات والتصحيح تكلف الجامعة ما لا يقل عن 200 مليون ليرة.

وانطلاقاً من ذلك، يجب أن تكون آليّة التعلّم وإجراء الامتحانات عن بعد اليوم على رأس أولويات اهتمام رئاسة الجامعة اللبنانية خصوصاً أن العام الدراسي المقبل سيشهد ارتفاع أعداد المنتسبين إلى الجامعة نتيجة الضائقة المعيشية التي يعانيها اللبنانيون. فمن المتوقّع أن ينزح عدد كبير من طلاب الجامعات الخاصة إلى الجامعة اللبنانية من جهة، والطلاب المغتربين الذين عادوا إلى لبنان بسبب أزمة الدولار وتفشّي كورونا من جهة أخرى.