برزت قضية إصلاح التعليم كأحد أهم الملفات المطروحة بعد 14 جانفي 2011. فالإحصائيات التي عرّت تدهور وضعية التعليم العمومي وارتفاع نسب التسرّب المدرسي إضافة إلى التحركات الإحتجاجية النقابية التي نادت بفتح هذا الملف الحارق، كانت دافعا أساسيا للإلتفات إلى ضرورة بدء ورشة إصلاح حقيقية لحواضن تشكيل العقل التونسي. وتعتبر تجربة "الحوار المجتمعي لإصلاح المنظومة التربوية" إحدى أهم المحطات في هذا المسار. وقد مثل المعهد العربي لحقوق الانسان أحد أهم أطراف هذه الإستشارة التي انطلقت سنة 2015، وضمت مختلف الفاعلين في هذا القطاع، دون أن يُكتب لها النجاح في الإستمرار نظرا للتجاذبات السياسية التي شهدتها البلاد واحتدام الصراع بين وزارة التربية ونقابة التعليم الثانوي. في هذا الحوار الذي جمعنا مع مدير المعهد العربي لحقوق الإنسان، عبد الباسط بن حسن، نعود إلى مسار هذه التجربة ومخرجاتها وآفاق استكمالها، إضافة إلى المشاكل التي تنخر قطاع التعليم في تونس ومحاولات الإصلاح والتدارك.

 

المفكرة القانونية: من بين أهم الملفات التي اشتغل عليها المعهد العربي لحقوق الإنسان، ملف إصلاح التعليم حيث أشرفتم مع وزارة التربية والإتحاد العام التونسي للشغل على مسار إصلاح المنظومة التربوية، فماذا كانت أهم مخرجاته؟ فلماذا توقف؟

عبد الباسط بن حسن: انطلق مسار الإصلاح التربوي في شهر ماي سنة 2015 بالشراكة مع الإتحاد العام التونسي للشغل ووزارة التربية والمعهد العربي لحقوق الإنسان كممثل "لشبكة عهد للثقافة المدنية" التي تضم عديد المكونات المجتمعية الفاعلة على غرار الإتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ونقابة الصحفيين وهيئة المحامين وجمعية القضاة وجمعية النساء الديمقراطيات ومنظمة العفو الدولية والشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الإنسان.

وقد اختارت هذه الأطراف التي قادت المسار نهجا تشاركيا حيث بدأت نشاطها بفتح استشارة موسعة سميت "بالحوار المجتمعي لإصلاح المنظومة التربوية" وتم تشريك مختلف المكونات التربوية في هذه الاستشارة ابتداء بالتلاميذ والمدرسين والمتفقدين والأولياء وحتى الأحزاب السياسية وعدد من النواب بالبرلمان، ومجموعة من منظمات المجتمع المدني.

وقد أدى هذا الحوار المجتمعي إلى إصدار "تقرير تأليفي من أجل إصلاح المنظومة التعليمية" تضمن عددا من الملاحظات النقدية حول وضعية التعليم والمؤسسة التربوية وتقدم كذلك بمجموعة من المقترحات تشمل أكثر من 15 مجالا، من بينها الإطار التشريعي، أوضاع المدرسين، البنية التحتية، الإدماج، وعلاقة المدرسة بالمواطنة وحقوق الإنسان. وتم فيما بعد عرض هذا التقرير على مؤتمر وطني انتهى بإنتاج 15 لجنة فنية قامت بالعمل على تحويل هذه المقترحات والملاحظات إلى برنامج عمل، على غرار لجنة التشريعات التي اقترحت قانونا أساسيا من أجل التربية والتعليم.

عموما لئن تميز هذا الحوار المجتمعي بطابعه التشاركي ولئن توصل إلى نتائج أولية في غاية الأهمية إلا أنه لم يُكتب له الإستمرارية. فقد مرّ بتقلبات عديدة عطلت عملية تواصله، وذلك بسبب عدم الإستقرار السياسي من جهة وبسبب الصراع المحتدم بين وزارة التربية ونقابة التعليم الثانوي من جهة ثانية.

 

المفكرة القانونية: هل تحدثتم مع وزير التربية الحالي محمد الحامدي؟ وهل أبدت الوزارة استعدادا لاستكمال المسار الذي بدأ سنة 2015؟

عبد الباسط بن حسن: بدأنا بالفعل بالتشاور مع الحامدي، والتقيته ونأمل أن نقوم باستكمال هذا الإصلاح فور انتهاء هذا الظرف الإستثنائي الذي تمر به البلاد بسبب انتشار فيروس كورونا، والذي أكد أهمية التعليم العمومي. فأغلب من يتصدون اليوم لهذه الأزمة من نساء ورجال هم خريجو المنظومة التربوية العمومية.

 

المفكرة القانونية: من بين الحملات التي قمتم بها حملة "مدرسة المواطنة" فما هي أبعاد هذه الحملة؟ وما هي النتائج التي توصلتم إليها؟

عبد الباسط بن حسن: حملة مدرسة المواطنة قادتها مجموعة من منظمات المجتمع المدني سنة 2013 ممثلة في شبكة عهد للثقافة المدنية وكانت تتمحور آنذاك في كيفية إعادة فكرة الإصلاح إلى قلب النقاش المجتمعي خاصة في ظل الأزمات السياسية والتجاذبات الفكرية والأيديولوجية التي كانت تعصف بالبلاد خلال تلك الفترة. وفكرنا في أن التعليم هو الأساس الصلب الذي يمكن أن ننطلق منه وقمنا بتنظيم لقاءات عديدة في عدد كبير من الجهات مع مختلف مكونات المجتمع المدني والتي أدت إلى الخروج بوثيقة أطلقنا عليها اسم "عهد تونس للتربية ومدرسة المواطنة"، لنقوم لاحقا بتقديمها إلى عدد من الأحزاب السياسية قبل أن تتحول إلى نقطة الإرتكاز في الحملة الهادفة للضغط على مختلف الفاعلين لفتح ملف هذا القطاع الحيوي. نجاح هذه الحملة هو الذي أدى إلى دعوتنا من قبل الحكومة في سنة 2015 للمشاركة في مسار إصلاح التعليم.

 

المفكرة القانونية: قمتم ببعث 21 ناديا للمواطنة وحقوق الإنسان في سبع محافظات تونسية، لكن هل تعتبرون هذا كافيا للنجاح في ترسيخ مفاهيم وقيم حقوق الإنسان لدى الناشئة وفي المنظومة التعليمية الرسمية؟

 عبد الباسط بن حسن: تندرج نوادي المواطنة ضمن خطة عمل مشتركة بين المعهد العربي لحقوق الإنسان ووزارة التربية وشبكة التربية على حقوق الإنسان. لم يقتصر هذا المشروع على بعث نواد فحسب بل تمكن من دراسة الكتب المدرسية وتدريب المعلمين أيضا.

وبخصوص نوادي المواطنة فقد أنشأناها لأسباب محددة، لعل أهمها إعادة فكرة المواطنة إلى محتوى التدريس وتضمين المهارات كأحد أسس التعليم، وكانت الفكرة في البداية تتمثل في بعث 21 ناديا كخطوة تجريبية يقع تعميمها إذا ما كتب لها النجاح. وتم بالفعل فيما بعد تعميم هذه النوادي لما كان لها من تأثير ملموس في برنامج الإصلاح العام حيث ساهمت في تعزيز مشاركة التلاميذ في أخذ القرار مع المعلمين وتدريب الطاقم التربوي على فكرة إنشاء المشاريع والمبادرة والحوار. واليوم هناك مئات النوادي في أغلب الجهات داخل الجمهورية التونسية.

 

المفكرة القانونية: ذكرتم في التقرير التأليفي للحوار الوطني حول إصلاح المنظومة التربوية مسألة العنف بالوسط المدرسي، فما هي المقترحات الممكنة للحدّ من هذه الظاهرة؟

عبد الباسط بن حسن: موضوع العنف المدرسي متعدد الأبعاد ولا يمكن أن نتناوله إلا في إطار مقاربة لا تكتفي بتحديد الظاهرة وتقديم معالجات آنية أساسها ردّ الفعل. ومن بين المقترحات التي تقدمنا بها في إطار التقليص من العنف هي إعادة حوكمة المدرسة من جديد ومزيد إدماج الأولياء والإدارة والتلاميذ والمربين في عملية حوار موسع لتبادل الآراء والمواقف والرؤى والاتفاق على نموذج موحد للمدرسة يحترمه الجميع.

أما الجزء الآخر من الحل فهو متعلق بمناهج وبرامج وطرق التعليم الذي يجب أن تؤكد أكثر على الجانب القيمي وعلى الجانب السلمي في التعامل مع الآخر. وأخيرا لا بد من تعزيز ملكة المهارات المكتسبة بالنسبة للتلاميذ، إضافة إلى الاهتمام بالبنية التحتية للمدارس حيث تصبح جالبة للتلميذ، لا طاردة له. إذا اجتمعت كل هذه العوامل بالإمكان حينها التقليص من حجم العنف داخل الوسط التربوي.

 

المفكرة القانونية: تحدثتم عن مناهج جديدة لإصلاح المنظومة التربوية، فما هو تصور المعهد العربي لحقوق الانسان في هذا الإطار؟

عبد الباسط بن حسن: المناهج المتبعة يجب أن تكون قائمة على الفكر النقدي، وأن تشجع كذلك على روح المبادرة، وتكون منفتحة على العالم لتجعل التلميذ قادرا على فهم واقعه وتحليله جيدا. هذه الكتب والمناهج يجب أن تكون حاملة لقيم إنسانية ترسخ الإيمان بالتنوع والديمقراطية، كما يجب أن تضطلع بدورها في صناعة الذكاء الذي يعزز مكانة التعليم كمصعد اجتماعي.

 

المفكرة القانونية: حصلت عديد الأحداث التي أثارت جدلا في الوسط التربوي، منها اتهامات معلمين وأساتذة بالتحرش، وآخرين بالتمييز العنصري، وغيرهم بنشر أفكار مناقضة لحقوق الإنسان. فهل أن الإطار التربوي في مجمله متشبع بثقافة حقوق الانسان؟ وهل تقوم الوزارة أو المجتمع المدني بدورهما في تكوين الإطار التربوي على هذا المستوى؟

عبد الباسط بن حسن: توفر وزارة التربية بالفعل حصص تكوين ودورات تدريبة متواصلة، كما أن عددا كبيرا من المدرسين والمتفقدين شاركوا بفاعلية كبيرة في مسار الإصلاح التربوي. ولكن رغم مجهودات الوزارة وعدد من مكونات المجتمع المدني في تكوين المربين على ثقافة حقوق الإنسان، تظلّ هذه الجهود غير كافية لتعميم الإلتزام بهذه القيم في أوساط المربين، ويعود ذلك إلى أسباب مختلفة تتراوح بين الجانب الاجتماعي والثقافي والوضع الإقتصادي الصعب للإطارات التعليمية. لذلك تبدأ التربية على ثقافة حقوق الإنسان بتوفير الظروف الملائمة للمعلمين والأساتذة وإيفائهم كامل حقوقهم، قبل المرور إلى مرحلة التقييم. عموما لا بد من التفكير في إعادة النظر إلى المربي كأحد المكونات الاجتماعية المرجعية التي يجب أن تحترم وأن تستعيد مكانتها الاجتماعية ورمزيتها القيمية.

 

 

  • نشر هذا المقال  بالعدد 18 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

التعليم، قلعة تونس المتصدعة