بعد سلسلة من التحركات الجهوية، تجمّع صباح يوم الثلاثاء 7 جويلية 2020 بساحة القصبة عدد من الدكاترة الباحثين العاطلين عن العمل، في 'يوم غضب وطني' إحتجاجاً على ما اعتبروه تسويفا متواصلا من قبل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في إيجاد حل لهم وتشغيلهم. تحرك بدأ بوقفة في ساحة القصبة ليتحول إلى مسيرة إتجهت نحو مقر وزارة التعليم العالي حيث يتواصل اعتصام عدد آخر من حاملي شهادة الدكتوراه منذ يوم 29 جوان المنقضي، من أجل نفس المطلب وهو الحق في التشغيل.

في هذه الأثناء ومع دخول الإعتصام أسبوعه الثاني لا تزال سلطة الإشراف تحاول إيجاد أرضية مشتركة للتفاوض مع المعتصمين إلا أن كل مقترحاتها جوبهت بالرفض بدعوى أنها حلول ترقيعية لا غير.

 

يوم غضب وطني للدكاترة

انطلاق الحراك الاحتجاجي للدكاترة الباحثين لم يكن عبر تحرك ـ7 جويلية الجاري بل يعود لـ29 جوان الماضي حيث دخل عدد من حاملي شهادة الدكتوراه في اعتصام داخل مقر وزارة التعليم العالي. حراك خيّم عليه جوّ من الاحتقان في إثر ما اعتبره المعتصمون ضربا بكرامتهم عرض الحائط بعد رفض إدارة الوزارة السماح لهم بإدخال المستلزمات الضرورية لضمان استمرارية الإعتصام، علاوة على إغلاقها لدورات المياه في وجه المعتصمين.

وعلى الرغم من مرور حوالي أسبوعين على انطلاق هذا التحرك الاحتجاجي للدكاترة الباحثين، إلا أن سلطة الإشراف لم تتمكن من إيجاد أي حل يقضي بفك الاعتصام رغم وضوح المطالب، التي تتلخص في تشغيل العاطلين عن العمل صلب مختلف الوزارات وبالأساس صلب وزارة التعليم العالي، إضافة إلى إدراج صنف دكتور في سلم الانتدابات التي تفتحها مختلف المؤسسات العمومية والخاصة.

في هذا الإطار، اعتبر رمزي الفزعي أحد منسقي الإعتصام ودكتور في الكيمياء معطل عن العمل في تصريحه للمفكرة القانونية، "أن يوم الغضب يأتي بعدما توجهنا بعديد المراسلات لرئاسة الحكومة ولمجلس نواب الشعب، وعقد العديد من جلسات التفاوض مع الطرف الوزاري إلا أننا جوبهنا طيلة هذه الفترة بالمماطلة والتسويف. كما أننا قد تقدمنا بمبادرة تشريعية تلخص جميع مطالبنا للبرلمان وعرضناها على الحكومة وإلى حد الآن لم يصلنا أي رد جدي. عموما لا يمكن أن ننكر أن الوزارة قد قبلت في عديد المناسبات بعقد جلسات تفاوض معنا إلا أنها في كل مرة تجتر نفس الحلول الترقيعية التي نصر على رفضها، وفي حال لم نصل إلى اتفاق يرضينا، لنا فسنقوم بالتصعيد أكثر".

 

القطاع الخاص، أحد الحلول الترقيعية للوزارة

أمام إصرار الدكاترة الباحثين على مطلبهم بالإنتداب صلب وزارة التعليم العالي، والإرتفاع الكبير لعدد العاطلين عن العمل منهم، والذي بات يناهز  5000 حامل لشهادة الدكتوراه  في مختلف الإختصاصات، -والمرجح أن يرتفع بمجرد تخرج الدفعات القادمة ليتجاوز عددهم 17.000 دكتور عاطل عن العمل-اتجهت الوزارة لعقد اتفاقيات مع القطاع الخاص علّها تساهم في حل هذه المعضلة ولو نسبيا.

فقد أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي سليم شورى يوم 10 جوان 2020، خلال جلسة استماع بالبرلمان أن الوزارة بصدد الإعداد لتوقيع اتفاقية مع الاتحاد التونسي للتجارة والصناعة والصناعات التقليدية ووزارة التكوين المهني والتشغيل، يتم بمقتضاها انتداب حوالي 1000 دكتور عاطل عن العمل بمؤسسات التعليم العالي الخاص.

اتفاقية لئن بدت حلاّ لتخفيف معضلة بطالة حاملي شهادة الدكتوراه، أنها جوبهت بالرفض من قبل المعنيّين، حيث اعتبرها رمزي الفزعي أحد منسقي اعتصام الدكاترة الباحثين في تصريحه للمفكرة القانونية أنها، بمثابة ذر رماد على العيون لأن الـ 1000 دكتور الذين سيقع انتدابهم سيقع توظيفهم بناء على عقود عمل بخمس سنوات كأقصى حد، ناهيك أنهم لا يمثلون سوى 20% من مجموع العاطلين عن العمل، ونحن مطلبنا واضح وهو الإنتداب صلب الوظيفة العمومية وإقرار صنف الدكاترة في سلم الإنتدابات.

مبادرة الوزارة لم يستسغها بدوره الاتحاد التونسي لأصحاب المؤسسات الخاصة للتربية والتعليم والتكوين، الذي دعا يوم 23 جوان المنقضي إلى عدم التسرع في اقرار مبادرة انتداب حوالي 1000 دكتور عاطل عن العمل بمؤسسات التعليم العالي الخاص، وفسح المجال أكثر لدراسة هذا المقترح وتوسيع الإستشارة حوله حتى لا يكون سببا في تدمير هذا القطاع، خاصة أن الموازنات المالية للجامعات الخاصة تعاني من صعوبات، وهؤلاء الدكاترة جلّهم لا يمتلك الأدوات البيداغوجية اللازمة وبذلك سيكونون غير مؤهلين لمباشرة التدريس بمجرد انتدابهم.

 

موازنات مالية تحول دون تحقيق مطالب الدكاترة

أمام رفض المعتصمين لقرار الوزارة انتداب 1000 دكتور للعمل صلب مؤسسات التعليم العالي الخاصة والتشبث بالحق في العمل صلب الوظيفة العمومية، لم يتبقّ للوزارة سوى التعلل بالوضع الإقتصادي الصعب وغياب الإعتمادات المالية اللازمة للقيام بعمليات انتداب تتجاوز طاقة تحمل موازناتها المالية. حيث تقدر ميزانية الوزارة لسنة 2020، بـ 1782.591 مليون دينار تبتلع الأجور 71% منها، أي بقيمة 1270.000 مليون دينار. وأمام هذا الحجم الهائل لكتلة الأجور، لا يتبقى من الميزانية سوى 458.591 مليون دينار (29%) يتم تبويبها ضمن نفقات التسيير ونفقات التدخلات ونفقات الإستثمار.

ضغط مخصصات الأجور، كان أحد الأسباب التي دفعت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إلى تجميد الإنتداب منذ سنوات. ويتجلى ذلك في تراجع عدد الأساتذة الجامعيين المنتدبين بشكل دائم في الجامعات التونسية بين سنة 2012 و2018. والذي انخفض من 22878 مدرسا سنة 2012 إلى 22343 سنة 2018. كما لم يتطور عدد المدرسين الباحثين إلا بـ 6% بين سنوات 2012 و2018، من 11712 أستاذا باحثا إلى 12485 سنة 2018.

هذه الأرقام التي نشرتها الوزارة، تعكس طبيعة سياستها خلال السنوات الماضية، والقائمة على إيقاف الإنتداب والاتجاه نحو التعاقد مع الأساتذة بمدة عمل مضبوطة. والذي لا يخرج في نهاية المطاف عن الشروط التي فرضها صندوق النقد الدولي على الحكومة التونسية منذ سنة 2013 وهو التحكم في كتلة الأجور ونفقات التسيير والتصرف العمومية. إذ أن الأساتذة الباحثين من الصنفين (أ-ب)، والذين تطور عددهم بنسبة 6% منذ 2012 حتى 2018، لا يمثلون سوى 56% من مجموع المدرسين أي أن 44% من ساعات التدريس مؤمنة من قبل أساتذة متعاقدين.

سياسة اعتبرها الدكاترة المعتصمون هضما لحقوقهم، حيث لخصها رمزي الفزعي أحد منسقي الاعتصام في تصريحه للمفكرة القانونية بأنها، تضرب رغبة البحث والإبتكار لدى الدكاترة مؤكدا على أن الوزارة مجبرة على الإعتراف بنا وانتدابنا بصورة دائمة. أما العمل وفق العقود لسنة أو سنتين فهو نوع من التشغيل الهش الذي لن نقبل به مستقبلا.

 

البحث العلمي، قطاع همشته الدولة التونسية

يشكّل ضعف فرص العمل داخل مراكز ومخابر البحث العلمي في تونس، التي تنعدم كليا في بعض المركبات الجامعية، أحد عوامل ارتفاع عدد الدكاترة الباحثين العاطلين عن العمل. وهو ما يمكن أن يُفسر بضعف الإعتمادات المخصّصة للبحث العلمي.

فلئن كان 71% من الميزانية يتم صرفه لخلاص الأجور، فإن الإعتمادات الخاصة بالإستثمار في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تقدر ب 170 مليون دينار، أي 9.5% من إجمالي ميزانية الوزارة. ويتمّ تخصيص 21 مليون دينار فقط لتطوير الإنتاج العلمي وتحسين جودته وهو ما يمثل 1.17% من ميزانيتها الجملية.

إضافة إلى ذلك، نشرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي سنة 2016 تقريرا تناول الوضعية العامة للتعليم العالي، ليكشف أن عدد مخابر البحث في تونس يقدّر بحوالي 281 مخبر بحث في كامل الجامعات التونسية. مخابر تغيب عنها تلك التجهيزات المتطورة والتي تساهم في تحفيز الباحثين على الإبتكار. بل هي وفق المنسق العام الوطني للاتحاد إجابة نجم الدين جويدة قاعات فارغة تمويلها يصل إلى ألفي دينار. وأحيانا يقوم بتأسيسها بعض الأساتذة وغير مجهزة بالحد الأدنى من المعدات الضرورية.

وفي مقارنة بوضعية البحث العلمي في فرنسا فقد نشر المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي تقريرا حول موارد البحث العلمي في الجامعات الفرنسية، جاء فيه أن عدد مخابر البحث يبلغ 950 مخبرا سنة 2015 إضافة إلى وجود 300 ألف باحث و74 ألف طالب دكتوراه وتنفق الدولة 49.5 مليار يورو أي حوالي 155.43 مليار دينار على الأبحاث العلمية، وهو ما يقدر بـ 2.22% من الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي، في المقابل فإن الدولة التونسية لم تخصص سوى 0.6% من الناتج المحلي لتطوير البحوث العلمية.

يفتح اعتصام الدكاترة الباحثين العاطلين عن العمل ملفّا كبيرا وصعبا أمام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، إلا أن الأزمة ستتعمق أكثر بتخرج الدفعات القادمة وارتفاع أعداد حاملي شهادة الدكتوراه المعطلين عن العمل إلى ما يناهز الـ 17.000 دكتورا في ظل مؤشرات تنذر بسنوات صعبة وتواصل العجز المالي والإنكماش الاقتصادي. وضعية ستساهم في تفاقم وجه آخر لهذه المعضلة وهي هجرة الكفاءات إلى الخارج ونزيف الأدمغة التونسية الذي تسلب البلاد سنويا ثروتها البشرية الكفؤة في كل الإختصاصات والمجالات.