تدخل التربية التونسيّة اليوم في منعرج خطير رغم أنّها كانت سبّاقة للحداثة. ومن أبرز أوجه أزمتها، عدم مواكبة التحوّلات العالميّة الكبرى في التربية، إضافة إلى تخلّي الدولة عن الإنفاق على التجديدات التربويّة، واكتفائها بتوطين مقاربات بيداغوجيّة ومحتويات لا تستجيب للإحتياجات الحقيقيّة للبلاد. وضع أفضى إلى بطالة أكثر من ربع مليون من حملة الشهائد العليا، وتراجع جودة التعلّمات مقارنة "بالتربيات" الصاعدةـ كما شهدت تونس منذ سنة 2011 محاولات داخليّة لتخريب الطابع الوطني الموحد للتعليم من خلال تنامي تربيتين: تربية عمومية تحت إشراف وزارة التربية، بدا جليا منذ سنة 2011 أن الدولة لم تعد تستثمر فيها، وتربية ذات طابع دينيّ مشبوه يموّلها الإسلام السياسيّ وجمعيّاته ووزارة الشؤون الدينيّة الّتي باتت تشرف مباشرة على التعليم الدينيّ بينما المفروض أن تشرف وزارة التربية وحدها على تعليم وطنيّ موحّد. في هذا الحوار، يقدم المتفقد العام للتربية والخبير البيداغوجي عبد العزيز الباجي عكاز قراءة لأبعاد أزمة التربية التونسية وتجارب دولية للنهوض بقطاع التعليم قد ترسم معالم طريق الإصلاح الذي تأخر.

 

المفكرة القانونية: أين تتموقع التربية التونسية اليوم على الصعيد الدولي؟ وكيف كان مآل تجربة ما بعد الإستقلال في نشر التعليم؟

 

عبد العزيز الباجي عكاز: تتمحور أزمة التربية في تونس حول أزمة جودة التعليم ومكتسبات المتعلّمين. فقد استطاعت البلاد منذ أواسط خمسينات القرن العشرين تحقيق انتشار التعليم بنسب أصبحت منذ السبعينات تفوق 90%. وهذا إنجاز جعلها تتربّع على المراتب الأولى عربيّا وأفريقيّا (هي حاليّا من أكثر الشعوب تعلّما: الأولى مغاربيّا وأفريقيّا، والثانية عربيّا، ورتبتها 52 عالميّا). أما على مستوى النوعية، فالصورة تبدو مختلفة. إذ تشير أجهزة قياس جودة التعليم داخليّا وخارجيّا إلى ضرورة الإسراع بإصلاح التربية التونسيّة.

وقد رتّب "البرنامج الدوليّ لمتابعة مكتسبات التلاميذ" PISA التونسيّين في تقاريره الصادرة منذ سنة 2010 في المراتب العشر الأخيرة من ضمن 65 دولة شملها تقويم مكتسبات المتعلّمين البالغين 15 سنة. وفي سنة 2012، كان ترتيب تونس من حيث جودة التعلّمات: 59 من 65 في الرياضيّات، و61 من 65 في العلوم الصحيحة، و56 من 65 في القراءة. أما "البرنامج الدوليّ لتقويم الطلبة" في سنة 2013 فيشير إلى أنّ ترتيب التعليم الجامعيّ في تونس هو 103 من 195.

وفي تقويم "منتدى دافوس" للمنظومات التربويّة سنة 2019 نقرأ معطيات مربكة عن التعليم في تونس والدول العربيّة عموما، وقد كانت تونس في المرتبة السابعة عربيّا، وفي المرتبة 84 من مجموع 140 نظاما تربويّا خضع للتقويم (الإمارات 10/ لبنان 25/ البحرين 33/ الأردنّ 45/ السعوديّة 54/ تونس 84/ الكويت 94/ المغرب 101/ عمان 107/ الجزائر 119/ موريطانيا 134/ مصر 139/ وخروج 7 دول عربيّة من التقويم لانعدام معايير الجودة فيها، وهي سوريا، والعراق، واليمن، وليبيا، والسودان، وجزر القمر، ودجيبوتي). وفي تقويم "ويبوميتركس" سنة 2015 كانت جامعة المنار وهي أجود جامعة تونسيّة في المرتبة 2972 من جامعات العالم.

إذن تعكس هذه الإحصائيات بشكل جلي أن التربية التونسيّة المؤتمنة على تشكيل العقول، واستنبات الإبداع، والإبتكار، وبناء التنمية، تشكو عللا باتت تهدّد مستقبل البلاد.

 

المفكرة القانونية: كيف انعكست هذه المؤشرات على المتمدرسين؟

الباجي عكاز: تدهور جودة التعليم كان له تجليات واضحة وسط المؤسسات التربوية، ونتائجه كانت كارثية على المتمدرسين، حيث ارتفعت نسبة التسرّب (ما نسمّيه: الإنقطاع، أو الفصل، أو الرفت النهائيّ) لتقارب المائة ألف متعلّم سنويّا. كما استفحلت نسبة الهدر (ما نسمّيه: الإخفاق، أو الفشل، أو الرسوب) لتتجاوز أحيانا 50% من المتعلّمين في مستوى البكالوريا، وأقلّ من ذلك في المستويات التعليميّة الأخرى.

فقد كشفت دراسة تونسيّة عن أنّ 88% من المتعلّمين لا يجيدون القراءة بالعربيّة، وأنّ 65% منهم مصنّفون "رديء جدّا"، و0% منهم مصنّفون "جيّد جدّا". أما على مستوى النجاح في البكالويا خلال السنوات الأخيرة، فقد بلغت النسب معدّلات مفزعة على الصعيدين الكميّ والنوعيّ (الثلث في الدورة الأولى/ وتراجع النجاح بملاحظات التفوّق المؤهّلة للتوجيه الجامعيّ إلى اختصاصات تتطلّب مكتسبات ومهارات جيّدة). ولا يمكن وفق المعايير البيداغوجيّة أن نعتبر النظام التربويّ ناجحا إلّا إذا كانت نسبة النجاح 80% أو أكثر.

الإرتدادات الناجمة عن تراجع جودة التعليم في المدارس العمومية التونسية لم تقتصر على الجانب العلمي فحسب، بل تمظهرت في أشكال أخرى على غرار تنامي منسوب العنف، والتسيّب، والإنحراف، والإدمان بوتيرة خطيرة في المدرسة ومحيطها. ففي وثيقة إحصائيّة أنجزها معهد الدراسات الاستراتيجيّة بتونس عن العنف المدرسيّ، تم إحصاء 21.767 حالة عنف في وسط يبلغ عدد المتعلّمين فيه بالإعداديّ والثانويّ 888.858. (أغلبها كانت: التعرّض للإستفزاز، وتناول الكحول، وتناول مادّة مخدّرة، والتحرّش الجنسيّ، والسرقة، والغشّ في الإمتحانات.)

 

هذا الواقع السوداوي لم يخلق من فراغ، بل نتيجة تراكم السياسات الحكومية التي أهملت الجانب المادي والبيداغوجي للقطاع. حيث تراجع الإنفاق العموميّ على التعليم والتربية بين سنوات 2011 و2020 من 17% من إجمالي الميزانية العمومية إلى 13%، وهو ما أدى إلى تدهور المدرسة ومحيطها بناءات، وتجهيزا، وتأطيرا بذرائع الأولويّات الأمنيّة والاجتماعيّة.

كما اعتمدت الدولة على تشغيل مؤطّرين تربويّين في الوسط المدرسيّ بآليّات التشغيل الهشّ المعتمدة منذ سنة 2011، والتعويض للمتضرّرين من الحقبات السابقة من تاريخنا الحديث. والكثيرون من هؤلاء كانوا قاطرات لإغراق المدرسة في مستنقعات المخدرات "الزطلة"، والإنحراف الجنسيّ، والعنف الأعمى من الكلّ ضدّ الجميع.

يُضاف إلى ما سبق ذكره، عدم استنان آليّة قارّة وأصيلة وعلميّة صارمة لاحترافيّة المعلّم وشروط اشتغاله بالتدريس وفق كفاياته العلميّة والمهنيّة والأخلاقيّة. إضافة إلى الفساد في الإنتدابات والشراءات والتعيينات في الخطط الإداريّة. وأخيرا، لم تسعَ الحكومات المتعاقبة إلى مراجعة المحتويات التي يتم تلقينها للمتمدرسين مما أدى إلى تقادمها. . فقد مرّت عشرون سنة على بناء البرامج والمحتويات المتداولة حاليّا بينما تنصح المقاييس التربويّة بمراجعتها كلّ عشريّة.

كما تجدر الإشارة إلى ضرورة مراجعة الزمن المدرسي. حيث لا تتجاوز السنة التعليمية في تونس أربعة وعشرين أسبوعا مفتوحا، بينما تبلغ في التربيات الناجحة ما بين الثلاثين والسبعة والثلاثبن أسبوعا، تُضاف إليها أربعة أسابيع من الأنشطة التدريبيّة الميدانيّة في المؤسّسات العامّة والخاصّة (في اليابان وكوريا الجنوبيّة وماليزيا وسنغافورة مثلا). وبات اتخاذ قرار في هذا الشأن أمرا ملحّا مهما كانت الممانعات. لقد آن الأوان أن نقنّن مهنة التلميذ Profession élève ليتعلّم المتمدرس 35 أسبوعا على الأقلّ، علاوة على أربعة أسابيع من التدريب الميدانيّ، وينشط المعلّم مثل بقيّة الموظّفين، ويتمتّع بالعطل المنصوص عليها بالنظم الأساسيّة للوظيفة العموميّة بتونس، علاوة على متابعة 10 أيّام سنويّا في التكوين المستمرّ. ويكافأ في المقابل ببعض الرفاه لضمان سلامته الذهنيّة، وتعلّقه بالنجاح والإنجاح. فالدافعيّة دافعيّتا؛ دافعيّتا المعلّم والمتعلّم.

 

المفكرة القانونية: إذن فالمشكلة بيداغوجية بالأساس؟

الباجي عكاز: لا تقتصر المشكلة على الجانب البيداغوجي أو المادي أو محتوى البرامج فحسب، بل تتعدى ذلك إلى طبيعة المؤسسات التربوية وهندستها وطرق تسييرها. حيث تبدو المدرسة التونسيّة اليوم معزولة عن محيطها، وهذه العزلة مصنوعة من الأسيجة الإسمنتيّة، والنظم الداخليّة لكلّ مدرسة، ومن محتويات لا تصنع كفايات العيش ولا تتجدّد دوريّا، ولا تواكب التحوّلات الوطنيّة والإقليميّة والعالميّة في كلّ فروع المعرفة. إنّها عبارة عن محتشد "يتمترس فيه الكبار لقمع الصغار" كما يقول "برنارد شو". بل حتّى الألوان الزاهية غائبة عنها. وأحيانا تقع عسكرة الوسط التلمذيّ بتوحيد الأزياء، وتحيّة العلم ومنع الجولان داخل الصفوف وخارجها. كما أنّ الحياة المدرسيّة يغلب عليها المنحى الزجريّ ممثّلا في النظام التأديبيّ. وهو قانون يذهب بالعقوبة إلى حدّ الرفت النهائيّ للقُصّر من كلّ المعاهد، كما تغيب عنه المقاربة العلاجيّة لحالات الجنوح في صفوف المتعلّمين المراهقين. ويعود ذلك بالأساس إلى تواضع المعرفة العالمة Le savoir savant لدى مسيّري المؤسّسات التربويّة في تنظيم مجتمعي الأطفال والمراهقين وعدم إلمامهم بعلم النفس التربويّ. وهو أمر استفحل بعد سنة 2011 إثر تنامي ظاهرة المكافأة بالمناصب وفق الولاء السياسيّ لبعض الساسة الذين يعتبرون البلاد غنيمة وزحف عمّال الحضائر على مدارسنا. وقد نتج عن ذلك تراجع الإحاطة النفسيّة للمتعلّمين داخل المدرسة وخارجها، وتردّي العلاقات داخلها، وتنامي التوتّر والعنف.

كما أنّ شرائح كبيرة من المعلّمين المنتدبين لا يقدرون، لقصور في اختصاصهم وتدريبهم، على رؤية الأشياء بعينيْ الطفل أو المراهق، ويعجزون بالضرورة عن ابتكار وضعيّات دالّة للمتعلّم والتواصل معه. ووضع مثل هذا محمّل بنذر العنف بين الطرفين. لذلك، ليس غريبا تصاعد العنف المتبادل بين المعلّم والمتعلّم في المدرسة وخارجها.

 

المفكرة القانونية: هل ساهم تطور التعليم الخاص في تراجع مستوى التعليم العمومي؟

الباجي عكاز: لعب نمو الاستثمار في التعليم الخاص دورا في تشكيل هذا الواقع المتردي للتعليم العمومي. فقد استفحلت ظاهرة "تسليع المعرفة المدرسيّة بالقطاع العامّ، وتحوّل أنشطة التعلّم إلى استثمار ربحيّ سريع ومريح، الجودة فيه استثناء (نسبة النجاح في البكالوريا بين المتعلّمين في القطاع الخاص أقل بكثير من نسبته في القطاع العموميّ). ولكن لا يتعلق الأمر بالتعليم الخاص فحسب، بل بتفشي ظاهرة الدروس الخصوصية. حيث تتبوّأ تونس المرتبة التاسعة[1] في العالم من حيث الإقبال على الدروس الخصوصيّة.

كما تجدر الإشارة إلى أن نشوء تعليم موازٍ تمثل في التعليم الديني في ظل تدني مستوى المعلمين أدى هو الآخر إلى تراجع مكتسبات التلميذ التونسي. فقد بلغ عدد المتعلّمين في الكتاتيب سنة 2012 خمسة وثلاثين ألفا، ويبلغ عددهم اليوم 50 ألفا، يتوزّعون على 1725 كتّابا[2]. وينهض بمهامّ هذا التعليم الدينيّ الذي تشرف عليه وزارة الشؤون الدينيّة، وتعاضدها جمعيّات قريبة من الإسلام السياسيّ، 1718 مؤدّبا منهم 731 مستواهم دون البكالوريا، و458 من حاملي البكالوريا، و529 فقط من حاملي الأستاذيّة وما فوقها. وتعتزم وزارة الشؤون الدينيّة دعمهم ب 1500 مؤدّب إضافيّ. وهو تعليم موازٍ للتعليم الوطنيّ الذي تشرف عليه وزارة التربية.

 

 

المفكرة القانونية: هل من سبل للخروج من هذه الأزمة وإسعاف التعليم العمومي؟ وما هي المقاربة التي يجب أن يرتكز عليها الإصلاح؟

الباجي عكاز: لتجاوز الأزمة، يمكن لتونس الإستنارة بتجارب ناجحة على غرار تجربة المعلم والباحث التربوي ياولو فريري Paolo Freireأبو المدرسة البرازيليّة الحديثة، الذي وُلد سنة 1921 وتوفي سنة 1997، كان مؤسّس "التربية النقديّة" التي تتلخّص أهمّ أفكارها التربويّة في:

 

  • أن التعليم وسيلة للثورة على الفقر

يسود "التعليم البنكيّ" الكثير من البلدان النامية. وهو تعليم ينهض على تلقين القوالب والإستظهار. لذلك يصبح أداة لإدامة الوضع القائم واستدامة "القهر". إنّها تربية المقهورين. يكمن الحلّ هنا في دقرطة التربية Démocratisation de lducation، فالمجتمع هو الّذي يشكّل التربية، وليس العكس.

وفي بلادنا لن تكون هناك تربية وطنيّة إلّا بإشراك المجتمع بنخبه، ومنظّماته في بناء منظومة تربويّة حداثيّة وأصيلة وذات مردود محترم. فالدولة تحتكر المناهج والمحتويات والتصرّفين الإداريّ والماليّ، وسلطة القرارات. وهذا اختيار متواصل يعني أنّنا ما زلنا بلدا تربيته مسخّرة لإنتاج "المقهورين". وهي تربية بنكيّة يروم بها حكّام البلاد ضمان ديمومة حكمهم، ولا يريدون تربية حديثة، ومستقبليّة.

كما تنهض التربية على تنمية الحرّيّة والشجاعة المدنيّة والحديث مع الآخر لا إلى الآخر، وهذه قيم غير متوفّرة في تربيتنا القائمة على الإستظهار والحفظ والإذعان والوعيد والعنف.

 

  • لا يمكن لنظام سياسي فاسد أن ينتج تعليما جيدا

نحن في بلد تكتسح فيه النفعيّة، والذرائعيّة كلّ مجالات الحياة. والتونسيّ مقتنع أنّ بلادنا تخرّ تحت وطأة الفساد. فهل يمكن في هذا السياق أن يكون الحكّام مسؤولين عن الأخلاق، وبعضهم يرعى كلّ ما هو نقيض مكتمل للأخلاق؟! لا يمكن لأنظمة فاسدة أن تحارب الفساد، وتستنبت تربية تتعلّق بالمسؤوليّة الأخلاقيّة.

 

  • المخاطرة في التعامل مع القديم

مدرستنا مدعوة اليوم إلى بناء فكر نقديّ لا حواجز تحول دون توقّده ومغامرته. ومناهجنا تعجّ بالكثير من المحتويات المنشدّة إلى الماضي، والّتي تعتبر السلف، وحضارته لحظة كمال يجب أن نستنسخها ونعيد إنتاجها في الحاضر وأن نرفض العلوم ومنجزات العقل البشريّ.

 

  • مراجعة العلاقة بين المعلم والمتعلّم

مدرستنا تحتاج إليهما اليوم. فما زال المعلّم يتصرّف في عصر الطفرة المعرفيّة على أنّه مصدر معرفة، لا ناقل معرفة.

إنّ كلّ متعلّم "حالة" Un cas وهذه الفوارق بين المتعلّمين تستدعي علاجات فارقيّة بعيدا عن القسوة، أي تستدعي الكثير من التسامح، والقرب من عالم المتمدرسين من مختلف الشرائح العمريّة.

ومدرستنا اليوم في أوكد الحاجات إلى إطار شبه إداريّ ملحق بكلّ مؤسّسة تربويّة، مختصّ في مشاكل الطفولة والمراهقة لمرافقة المتعلّمين وهم يواجهون متاعبهم، وجنوحهم، وكلّ مظاهر تصرّفاتهم.

 

  • النهوض بالوضع الإقتصادي والإجتماعي للإطار التربوي

في مقدّمة هذه الحقوق "العيش الكريم". فجرايات المعلّمين اليوم لا تخوّلهم أدنى رفاه. إنّه مشكل يستدعي إجراءات عاجلة لتجنيب المعلّم "ذلّ" السؤال المقنّع، والحفاظ على سلامته البدنيّة والذهنيّة.

 

التجارب الناجحة لا تقتصر على تجربة باولو فريري. فشرقا، فيمكن الاستنارة بالفكر التربويّ للماليزيّ "مهاتير بن محمّد (أو: محاضر بن محمّد، ولد سنة 1925) الذي وضع مقاربة صارمة في بناء "المدرسة الماليزيّة الذكيّة". وقد ارتكزت أفكاره ومبادراته خلال الفترة الممتدة بين سنة 1974 إلى سنة 2003 على تخصيص ربع النفقات الحكوميّة للتعليم ورفض الإقتراض من البنوك، إضافة إلى ربط التنمية والرفاه بالتعليم الجيّد عبر تحسين البنية التحتية وتطوير المؤسسات التعليمية عبر تعميم رقمنة المدارس وربطها بالأنترنت بنسبة تغطية فاقت 90% سنة 1999. كما حفز الفئات الفقيرة على التعلّم بكفالة الدولة للمتعلّمين، وتيسير القروض للأولياء لتعليم أبنائهم، وخاصّة بناتهم مع تشجيع البحث العلميّ، والتعليم المهنيّ، والبعثات العلميّة إلى الدول المتطوّرة، وإنشاء المدارس الذكيّة المختصّة في التكنولوجيا، وأنظمة التصنيع، وشبكات الاتّصال، والطاقة النظيفة. أما على مستوى المناهج والمقاربة البيداغوجية، فقد بدأ مهاتير محمد بتوحيد محتويات التعليم من الحضانة إلى الجامعة وإلزام كلّ المؤسّسات التعليميّة بمناهج تعليميّة تقرّرها وزارة التربية، واختيار التعليم المرن (نظام الدلّاليّ أو الدليليّ Système de guidance) الذي يناسب حاجات المتعلّمين، ورغباتهم، وقدراتهم، مع مرونة في توزيع المتعلّمين على مستويات التمدرس. إضافة إلى تكليف القيادات التربويّة البارزة بإدارة المؤسّسات التربويّة بمساعدة خيرة الأساتذة. هذا وتم إقرار حجب المنح والحوافز عن الطلبة الّذين يشتغلون بالسياسة وتقنين مهنة التلميذ Profession élève، علاوة على دقرطة التربية وتشريك الطلّاب في اختيار المحتويات وإبداء الرأي في أساليب التدريس.

 

 

المفكرة القانونية: أشرت في بداية الحوار إلى أرقام مفزعة حول تدنّي قدرة المتعلمين على إجادة اللغة العربية قراءة وكتابة. أين هي اللغة من مقاربة الإصلاح؟

الباجي عكاز: لا يجب أن تقتصر مقاربة الإصلاح على بعديها المادي والبيداغوجي البحت، بل يجب الإلتفات إلى حلّ المسألة اللغوية المتمثلة في تنافر الأنظمة اللغوية. إنّ حرب متمدرسينا حروب. فهم يعانون إنفصاما لغويّا من تنافر العربيّة الفصحى واللّهجة العامّيّة La diglossie. فالعامّيّة هي اللغة الأمّ، ودون تدرّج، يجد المتمدرس نفسه ممنوعا من استعمالها في التواصلين الشفويّ والكتابيّ والقراءة. ونعتقد أنّ الحلّ البيداغوجيّ والثقافيّ ممكن.

كما يعاني متعلّمونا من مشكلة الإزدواجيّة اللّغويّة Le bilinguisme منذ الحقبة الاستعماريّة، فنجد تنافرا بين اللّغة الأمّ (اللّهجة العامّيّة) والعربيّة الفصحى (اللّغة الوطنيّة) والفرنسيّة (لغة الاستعمار، والمصالح الاقتصاديّة، والإستقلال المشوّه). والحقيقة اليوم هي أنّ الأنجليزيّة هي اللّغة الأولى عالميّا لأنّها لغة أعتى الحضارات اقتصاديّا، وعلميّا، وعسكريّا. ومن مصلحة مدرستنا، وبلادنا أن تصبح الأنجليزيّة اللّغة الثانية ببلادنا. إذ لا يمكن اختزال اللغة إلى مجرد أداة ميكانيكية تحوَّل عبرها الأشياء، والموضوعات بحيادية إلى كلمات، ولا يمكن أن تكون أداة حيادية، بل مدخلا رئيسيا لتحقيق سيادتنا التربويّة لتصبح تربيتنا فعلا وطنيّة تخدم مصلحة ناشئتنا، وبلادنا أوّلا.

 

ختاما، أود أن اشير إلى إن التعليم الّذي يحوّل المتعلّم إلى جداول وتطبيقات وأوامر ونَواهٍ ووعيد مرعب، ويحقنه بالواجبات اليوميّة ويسرق منه لَعِبه ونومه بالدروس الخصوصيّة الّتي لا تنتهي، هو تعليم يسرق الحياة والحلم من المتمدرسين. فأطفالنا اليوم لا يعيشون طفولتهم، والبعض من مراهقينا المتمدرسين يعتنقون فكرا وسلوكا ونفسيّة خارجة عن السياق، والتاريخ، وأنوار التمدّن والتحضّر. في النهاية، هي تربية تُفقد المتمدرس نفسه، والرغبة في العيش معا، أي مع الآخر المختلف. وهكذا تغدو التربية قشورا خارجيّة رقيقة قابلة للنكوص، ويتحول العلم عند الكثيرين قفّازات يرتدونها في عياداتهم ومخابرهم.

 

 

 

  • نشر هذا المقال  بالعدد 18 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

التعليم، قلعة تونس المتصدعة

 


[1] تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2013

[2] تقرير حول قطاع الكتاتيب/ الواقع و الآفاق – وزارة الشؤون الدينية