تعرّضت مجموعة من الشبّان والشابات لاعتداء بالضرب أثناء ممارستهم رياضة المشي في منطقة الوادي الأخضر في النبطية في الجنوب بحجّة "الاختلاط"، بعد حوالي شهر على حملة هجوم افتراضية تعرّضت لها فتاة نشرت صورة لها تجلس بملابس السباحة على ضفة نهر تابع عقارياً لعربصاليم في الجنوب أيضاً. وتبع الحملة إعلان على صفحة أخبار محلّية يطلب من الضيوف "مراعاة الضوابط الاجتماعية والدينية في البلدة، وعدم اصطحاب المشروبات الكحولية والالتفات لموضوع اللباس، لأن حريتهم الشخصية تتعارض مع عاداتنا وأعرافنا خصوصاً في هذه الأرض التي وطأتها اقدام المجاهدين، وارتوت بدماء الشهداء". وتذكّر الحادثتان بالتفجيرات التي كانت تستهدف محلّات بيع الكحول في صور والنبطية في السنوات الماضي. وتؤشران إلى بروز نزعة جديدة لاستهداف السلوكيات الفردية والمجتمعية في إطار التضييق على الحريّات على يد مجموعات تدّعي الحرص على العادات والأعراف الاجتماعية والدينية في المنطقة. كلّ ذلك في وقت لم تصدر مواقف من أحزاب المنطقة تتبنّى هذه السلوكيات أو تنددّ بها.  

حادثة الوادي الأخضر

من الساعة الواحدة ظهر الجمعة وحتى الثامنة مساءً، بقي الناشط في حراك النبطية وسام بشارة يتابع ورفيقيه محمد حطيط ومحمد فران، في مخفر جباع في قضاء النبطية، تسجيل محضر رسمي بتفاصيل الاعتداء الذي تعرّضوا له الخميس أثناء ممارسة رياضة المشي وتسلّق الصخور، في منطقة الوادي الأخضر، الواقعة أسفل بلدة عربصاليم وجوار بلدة كفررمان. أما الصبيّتان اللتان كانتا برفقتهم فقد فضّلتا البقاء بعيداً من الأضواء، لاعتبارات اجتماعية، في حين دخل أحمد محبوبة في التوقيت نفسه ظهراً، غرفة العمليات في مستشفى النجدة الشعبية، لإجراء عمليتي زرع "أسياخ وبراغي" في كتفيه وذراعيه، لتهشّم عظامه إثر الضرب المبرّح الذي تعرّض له.

وكان وسام ورفاقه، توجهوا بعد الحادثة، إلى عيادة الطبيب الشرعي في محافظة النبطية الدكتور أحمد ظاهر، الذي عاينهم واحداً واحداً، وأحالهم إلى مستشفيي النجدة الشعبية والحكومي، لتلقي العلاج، كما زوّدهم بتقارير طبية مرفقة بصور أشعة، ورأي شخصي حول "وحشية الاعتداء، الذي يرقى إلى الجريمة الإنسانية ومحاولة القتل عمداً".

وصباح الجمعة، قصد الرفاق قصر العدل في النبطية، لرفع دعوى في النيابة العامة ضد "مجهولين" اعتدوا عليهم، فرفض المدعي العام طلبهم، وأعلمهم أنه يجب فتح محضر بالحادثة في مخفر جباع، كون المنطقة، التي حصل فيها الاعتداء ضمن نطاق عمله، على أن يتم الاستماع لإفاداتهم هناك، ثم تحوّل القضية إلى النيابة العامة في النبطية لاحقاً، فغادروا متجهين نحو جباع. وفي المخفر استمع العناصر المولجون بمتابعة القضية إلى إفاداتهم الواحد تلو الآخر، ما عدا إفادة أحمد محبوبة، التي أرجئت إلى حين خروجه من المستشفى.

بعد الإدلاء بشهاداتهم، استبقاهم عناصر المخفر في غرفة جانبية، حيث أعلموهم أن أحد المعتدين يرغب في تسليم نفسه، بعدما انتشر اسمه وصوره على مواقع التواصل الاجتماعي، وطلبوا منهم أن يتعرّفوا عليه، من خلف الزجاج، لكنهم (الشبان الثلاثة والشابتان) أكدوا أنّ هذا الشخص لم يكن في عداد المعتدين، لتبيّن لاحقاً بحسب وسام أنّ "هناك تواطؤاً معيّناً بين عدد من الجهات المعنيّة في عربصاليم، ليكون الشاب الذي سلّم نفسه، كبش الفداء في القضية، كون الباقين من أصحاب السوابق، ولديهم سجلّات غير نظيفة، ومن الأفضل ألّا يتم استدعاؤهم".

"مطاوعون جدد"

"المفكرة القانونية" تحدّثت إلى وسام الذي روى تفاصيل ما حدث معه ورفاقه، فقال: "كنا نمارس رياضة المشي وتسلق الصخور في منطقة الوادي الأخضر، أنا وأصدقائي محمد فران، محمد حطيط، أحمد محبوبة وصبيّتان، وجلسنا نستريح قليلاً عند اشتداد الشمس، فسمعت أحداً يناديني باسمي، فذهبت إلى حيث مصدر الصوت، ظنّاً منّي أنّ أحداً يطلب مساعدة، ففوجئت بعدد من الأشخاص يهاجمونني بالحجارة وينهالون عليّ بالعصي ويحزّون جلدي بآلات حادة ويكيلون لي الشتائم والتهم غير الأخلاقية، وكان أحدهم مسلّحاً. وسرعان ما فقدت وعيي لشدة ما ضربوني على رأسي، ولم أعرف ماذا جرى لرفاقي".

المعتدون كما يشرح الشبان الثلاثة والشابتان لـ"المفكرة": "اتّجهوا صوبنا بعدما كوّموا وسام على الأرض، وانهالوا علينا بالوحشية نفسها، تمكّنوا من أحمد محبوبة، لأنه قاومهم وتلاسن معهم، فانتقموا منه شرّ انتقام، فهشّموا عظام كتفيه وذراعيه، ثم وصلوا إلينا مجهدين، لذلك كانت إصاباتنا طفيفة مقارنة بإصابات أحمد ووسام".

"ما هي دوافعهم للاعتداء"، نسأل وسام: "هل كنتم تفعلون ما يخالف أيّاً من العادات في المنطقة هل كنتم تشربون الكحول، مثلاً، أو كانت الصبيتان غير محتشمتين؟، أو مارستم أفعالاً تعتبر غير أخلاقية في المكان؟"، يضحك وسام ويئن في الوقت نفسه من الجروح والكسور التي أصابته في جميع أنحاء جسده، ويقول: "عمري 37 سنة ورفاقي من جيلي تقريباً، لسنا مراهقين لنمارس أفعالاً تخالف ثقافة المنطقة... نحنا حافظين الدرس منيح". ويستغرب أن يوجّه إليهم المعتدون تهمة "تدنيس الأرض التي سقط فيها شهداء" لتبرير اعتدائهم عليهم.   ويتابع: "نعرف أنّه لا يمكننا المجاهرة بالمشروب، لأننا مراقبون من قبل "المطاوعين الجدد"، كما أن الصبيّتين اللتين كانتا برفقتنا، تعمّدتا ارتداء ثياب محتشمة، لئلا تتعرضا للانتقاد، ولأننا كما قلت نحاذر خرق عادات المنطقة، والصور التي بحوزتنا تبرهن هذا الكلام. عدا ذلك، كنا نتنزه في منطقة تحت سلطة الدولة اللبنانية، لذلك لم يخطر ببالنا أن نحصل على إذن مسبق، من قبل سلطة الأمر الواقع، كل هدفنا كان الاستمتاع بالمناظر الطبيعية وتنشيط أجسادنا وعقولنا أيضاً. فنحن أناس محبّون للطبيعة، وندعم كل ما يحمي البيئة، ونشجع على صداقتها والعناية بها، لكننا لم نسلم، رغم كل هذا الحذر والاعتبارات".

وعن شبهة المعتدين السياسية، يقول: "لا أريد أن أتّهم جهة بعينها، لكن الجميع يعرف من هو حاكم هذه المنطقة سياسياً، عدا أنّ الخطاب الديني المتشدّد الذي انتشر في الآونة الأخيرة، يبدو أنه سيطر على العقول تماماً، فصار كل واحد من معتنقيه وهم الأغلبية، يعتبر نفسه بمثابة نبيّ أو مبشّر، ويعطي لنفسه، من دون العودة إلى أيّ مرجعية سياسية أو دينية في المنطقة، حقّ إنزال القصاص الديني، الذي يراه مناسباً، بمن يخالف معتقده، أو يحيد عن ثوابته".

وعن هذا الموضوع بالذات، تدلي ميرنا شقيقة وسام بشهادة مهمّة، وتقول: "بسبب الخطاب الديني المتشدد، تتسع دائرة الممنوع في المنطقة، وتنقبض مساحة الحريات الفردية، الضيقة أصلاً. كنّا نشكو سابقاً، من أحادية الخط السياسي الذي قمع كل الأصوات المعارضة. صرنا حالياً نعاني من فرض الدين بالإكراه، على كل مظاهر الحياة والمجتمع، شيء ما مخيف ينمو في مجتمع المنطقة نتيجة هذا الخطاب. إذا تتبعت بعض الأحداث التي حصلت مؤخراً، قضية السباحة في الخرخار على سبيل المثال، تجدين أنّ هناك مجموعات دينية متطرّفة تتشكّل، وتتشبه بـ"هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، هدفها "تطويع" المجتمع دينياً، ومنع كل مظاهر الحياة فيه، بحجة أنّ أرضنا هي أرض الشهداء والمجاهدين، وبالتالي تملك هوية دينية وسياسية وثقافية مقدسة، ولا يمكن السماح لغيرها بالوجود".

بالعودة إلى قضية الاعتداء، يؤكد وسام ورفاقه أيضاً، أنّهم "يعرفون على الأقل، ثلاثة من المعتدين، ويعرفون إلى أيّ جهة ينتمون، ويعرفون أيضاً، أنهم لن ينالوا عقابهم، حتى لو تقدّموا ضدهم بشكوى رسمية، فما نفع أن تشكو حبة القمح الظلم إذا كان القاضي دجاجة؟".