بتاريخ 15-07-2020، وجّه وزير الشؤون المحلية في حينها[1] لطفي زيتون منشورا لرؤساء البلديات  موضوعه إنهاء العمل بالمنشور عدد 85 المؤرخ في 12-12-1965 الذي كان يحجر على ضباط الحالة المدنية ترسيم المواليد الجدد بأسماء غير عربية أو باستعمال أسماء الزعماء وألقابهم. برر الوزير قراره بكون ما كفله الدستور للأفراد من حقوق لا يجوز معه مواصلة القبول "بتقييد حقوق الأولياء في تسمية أبنائهم". يبدو هذا المنشور هاما لما له من رمزية على علاقة بتصور الشخصية الوطنية وبالنظر لما ينتظر أن يؤدي له من توحيد لمواقف المؤسسات الرسمية مما سبق من تعريب قسري للأسماء.

 

التعريب القسري للأسماء: سياسة دولة 

أجازت دولة الاستقلال بموجب القانون عدد 20 لسنة 1964 لمواطنيها طلب تغيير أسمائهم إذا لم تكن عربية أو مغاربية. كما خوّلت ذات الحق لكل من تجنس بالجنسية التونسية. لاحقا وبمقتضى القانون عدد 29 لسنة 1966، وسعت هذه الدولة نطاق طلب التغيير ليشمل من كان اسمه موضوع التباس أو سخرية عند النطق به أو كان له اسم أحد أخوته أو أخواته. وكان هدفها من ذلك إحداث تغيير في الحالة المدنية للأفراد يحقق هدفين لها:

أولهما: تونسة المجتمع بما يقطع مع آثار سياسات التجنيس التي كانت تنتهجها السلطات الإستعمارية ومست جانبا من فئاته خصوصا في المدن الكبرى،

ثانيهما: معالجة ما تسببت فيه الأمّية من تفشٍّ لأسماء مستهجنة في منطوقها أو معناها في الأوساط الشعبية خصوصا.

وعوّل المشرّع في تحقيق هدفه على مبادرة المعنيين بما يضمن عدم تدخل الدولة في خصوصيتهم. ففرض المطلب منطلقا للإصلاح وأوجب ألا يغير الإسم إلا بأمر[2] ضمانا لاستقرار الحالة المدنية للأفراد.

في ذات السياق، ورد منشور مُشترك بين وزيري العدل والداخليّة تبنّى ذات الإختيارات ولكنه انتهى لفرضها باستعمال سلطة الإدارة من خلال تحجيره على ضباط الحالة المدنية ترسيم المواليد الجدد بدفاتر الحالة المدنية متى كان ما يرغب في إسناده لهم من أسماء: "غير عربية أو معتمدة كلقب عائلي أو لقب لأحد الزعماء أو كانت إسما ولقبا لأحد الزعماء أو منافية  للأخلاق أو محل إلتباس ".

التقى المنشور مع تطور ثقافة المجتمع في تهذيب أسماء الأفراد. في المقابل، مكّنت أحكامه ضبّاط الحالة المدنية من التدخّل في اختيارات الأولياء لأسماء أبنائهم بحجة حماية عروبة المجتمع. وعكست  النفس الدكتاتوري للدولة التي تدخلت بخلفية سياسية في تقييد حق الأفراد في اختيار أسماء لأبنائهم ذات رمزية.

 

منشور قيد الحرية وحجب التنوع الثقافي للمجتمع

انتهى منشور 1965 لمنع إسناد الأسماء الأمازيغية للأطفال الجدد. كما فرض على التونسيين المقيمين بالخارج أو الذين أنجبوا أبناءهم في إطار زيجات أو علاقات مختلطة واختاروا بصفة أصلية أن تكون أسماؤهم غير عربية بحثا عن إندماجهم في مجتمعاتهم أو اختيارا منهم بأن يسندوا لهم في أوراقهم التونسية إسما ثانيا عربيا مع ما قد يستتبع ذلك مستقبلا من إشكاليات في معاش الأبناء ومعاملاتهم. وكشفت ممارسة ضبّاط الحالة المدنية في تنفيذه عن اختلاف بينهم في تحديد الأسماء المسموح بها مردّه تباين الوسط الثقافي الذي ينتمون إليه. كان من أثر تواصل إسناد أسماء لمواليد جدد يتبين لاحقا أنها تسبب تنمرا لمن يحملها بسبب عدم ملاءمتها لروح العصر أو لكونها ذات معنى اصطلاحي[3] ولغوي سلبي[4]. كما كان من مظاهره أيضا رفض ضباط حالة مدنية لتسميات لا تثير أيّ اعتراض من زملاء آخرين لهم.

 

الحق في الإسم موضوع حراك

كثيرا ما كان رفض ترسيم المولود بالإسم الذي اختاره له ذووه يدفع هؤلاء للتراجع عن اختيارهم والرضوخ لإرادة الإدارة باعتماد إسم جديد يكون مقبولا منها وهو أمر لم يمنع نسبة أخرى منهم عن خوض نضال مؤسساتي بغاية فرض حقهم في تخيّر أسماء مواليدهم من دون وصاية فكرية عليهم.

يُحدّد الفصل 22 من قانون الحالة المدنية[5] مدة عشرة أيام كأجل أقصى لتلقّي ضابط الحالة المدنية الإخطار بالوضع. فيما ينص الفصل 23 منه أنه وخارج هذا الأجل لا ترسم الولادة "إلا بإذن يصدر عن رئيس المحكمة الإبتدائية بالجهة التي ولد بها المولد". وقد استند عدد ممن رفضت مطالب ترسيمهم لمواليدهم بحجة أن الأسماء المختار لهم غير عربية لهذه الأحكام ليطلبوا الإذن بترسيمهم بأسمائهم المختارة. وهو ما رصدنا أن عديد المحاكم استجابت له خصوصا في الحالات التي كان فيها الإسم الذي رفض القبول به أمازيغيا.

لم تكن تلك الأذون على أهميتها معللة لكون الإجراءات المعتمدة بالمحاكم لا تقتضي ذلك وإن كان من الواضح أنّ من أصدروها استندوا في قراراتهم لكون منشور 1965 يرسي قاعدة قانونية جديدة في حين أن المناشير تكون تفسيرية فقط، ولكون دستور الجمهورية يقر بتعدد روافد الثقافة التونسية بما لا يقبل معه فرض تعريب قسري للأسماء المواليد الجدد. وهنا نلاحظ أن احتفاء الرأي العام بمثل هذه القرارات  القضائية لم يحجب تمسّك جانب هام من القضاء بتطبيق مقتضيات المنشور المتنازع فيه كما لم يمنع عديد المجالس البلدية من مزيد من التشدد في رفض القبول بترسيم المواليد الجدد بأسماء غير عربية بدعوى الحفاظ على الهوية الوطنية. وعليه، يشكل صدور منشور وزاري جديد يعلن رسميا أن تسمية المواليد من ضمن الحريات التي لا يجوز المسّ بها تطوّرا هامّا في الموضوع.

 

رفع وصاية الدولة عن أسماء مواطنيها:

خطوة هامة في بناء الثقافة الوطنية تستدعي اليقظة لحمايتها  .

كانت البلديات التي فازت حركة النهضة الإسلامية فيها من أكثر البلديات التي عُرِفت بتمسكها بمنع ترسيم المواليد الجدد متى لم تكن الأسماء المسندة لهم عربية[6]. ويبدو بالتالي صدور المنشور الذي يقر بحق المواطنين في حق اختيار أسماء مواليدهم دون قيد عن الوزير لطفي زيتون الذي يعد من قيادات النهضة مؤشرا هاما على تطور في تصورات الحركة الإسلامية للهوية التونسية ولمنظومة حقوق الإنسان.

ويؤمل هنا أن يلتزم ضباط الحالة المدنية بتفسير المنشور الجديد للدستور والقانون لكون ذلك ينتهي لتعزيز ممارسة الحقّ في الاختلاف ويكرّس قيم الدولة الضامنة للحقوق والحريات التي بشّر بها دستور الجمهورية الثانية. وهو ما ينتظر أن يتحقّق رغم ما قد يبرز وعلى نطاق محدود من مقاومة سلبية من   بعض ضباط الحالة المدنية تذكر بتلك التي حصلت بمناسبة إلغاء المنشور الذي كان بمنع زواج المسلمة من غير المسلم.

 

  • مقالات ذات صلة:

مقترح قانون جديد بشأن تسجيل الأسماء الأمازيغية في سجلات الحالة المدنية بالمغرب

اشكالية تسجيل المواليد الجدد بالأسماء الأمازيغية بالمغرب

  

 

 

 

 

 

 

 


[1]  يوم واحد بعد هذا التاريخ وبسبب خلاف سياسي بين رئيس الحكومة التونسية المستقيل  الياس الفخفاخ  و حزب حركة النهضة  قرر الأول بالذكر إقالة كل الوزراء المحسوبين على الثانية ومنهم زيتون ليكون بذلك منشوره هذا آخر قرار يصدر عنه بصفته وزيرا للشؤون المحلية .

[2]   كان في ضل أحكام دستور غرة جوان 1959  امرا رئاسيا  فيما بات أمرا حكوميا في ظل دستور 2014 .

[3]   يراجع مقال  1600 من بينهم البوهالي ، البرني ، العترة  1600 تونسي بعد الثورة غيروا أسماءهم . رفيق بن عبد الله – الصباح التونسية -11-04-2016  

[4]  بموجب الأمر الحكومي عدد 377 بتاريخ 17-04-2019 تمت الاستجابة ل 758 مطلب تغيير اسم  منها 564 كان تبريرها انها كانت محل سخرية وهي في العدد الأكبر منها من الأسماء القديمة المحلية التي لم تعد رائجة في المجتمع  أو أسماء عربية يكون معناها اللغوي سبب تنمر 

[5]   القانون عدد 3 لسنة 1957 مؤرخ في 01 -08-1957 .

[6]   منها بلدية بنزرت