أصدر رئيس دائرة التنفيذ القاضي فيصل مكّي بتاريخ 17 تموز 2020 قراراً بالحجز على عقارات ومنقولات يملكها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة. استند القرار على ما اعتبره رجحاناً للدين العائد للجهة طالبة الحجز (وهم سبعة محامين وصحافي) والناشئ عن ارتكابه جرائمَ وأخطاء أدَّتْ إلى احتجاز ودائعهم لدى المصارف. وكان المحامُون تقدَّموا بدعوى جزائيّة مباشرة أمام القاضية المنفردة الجزائيّة لارا عبد الصمد، وهي ما تزال عالقة أمامها. وفيما تفرُض أصول المحاكمة أمام دوائر التّنفيذ إصدار قرارات مماثلة من دون التوسّع في التّعليل[1]، فإن الشكوى الجزائيّة احتوَتْ على معلومات وتقارير غنيّة (من بينها تقرير نشرته المفكرة القانونية عن مخالفات الحاكم) نستشفّ منها أدلّة قوية على تورّط الحاكم في جرائم وأخطاء هائلة تجعله مسؤولا بدرجة كبيرة عن الإنهيار الحاصل، ليس فقط تجاه الجهة الحاجزة إنّما أيضا تجاه سائر المواطنين الذين يعانون من جرائه، سواء كانوا مودعين أو مقيمين أو مستثمرين.

وفيما انقسم الإعلام بين مرحِّب وصف القرار بالشجاع ومعارض وصفه بالإستعراضي أو المتسرّع أو المسيّس، فإن غالبيّة ناقدي القرار كانوا أبدوا في السابق وبشكل منتظم من مواقعهم المختلفة تماهيا مع الحاكم وجمعية المصارف أو على الأقلّ لزموا الصمت كليّا حيالهما. ولعلّ أخطر التعرّض للقرار جاء من داخل القضاء نفسه. فمن جهة أولى، نسبت العديد من وسائل الإعلام لمصدر قضائي (رفيع) (ويُعتقد أن هذا المصدر هو النائب العام التمييزي غسان عويدات) الإنتقاد الأقوى للقرار ومفاده بأن الدين غير مرجّح الوجود لأن ملاحقة الحاكم تستدعي الحصول على إذن مسبق. فكأنما هذا المصدر يبرّر عدم رجحان الدّين ليس بعدم ارتكاب الحاكم أخطاء مكوّنة للمسؤولية، بل بحصانته التي تفرض إبقاءه بمنأى عن أيّ محاسبة. ولم تخلُ الإنتقادات من ادِّعاءات باتجاه القاضي إلى تحقيق سكوب إعلامي (وهي تهمة كلاسيكية توجّه لكل قرار قضائي جريئ)، أو التشكيك بخلفيته السياسية أو خلفية الجهة الحاجزة المناهضة للحاكم، كل ذلك من دون أيّ دليل.

ولم تهدُفْ المواقف المعارضة للقرار إلى انتقاده ونسف مشروعيته وحسب، بل وصلت إلى حدّ عرقلة تنفيذه. وقد بدر هذا الموقف بشكل خاصّ عن رئيسة دائرة تنفيذ بيروت القاضية نجاح عيتاني التي أصدرت بتاريخ 21 تموز مذكرة إدارية حظرت فيها على موظفي الدائرة التوقيع على أي مذكرة تنفيذية من دون الرجوع إليها وموافقتها. وما أن برز هذا الخبر حتى انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي صور عيتاني إلى جانب رئيس كتلة المستقبل سعد الحريري، على نحو يؤشّر إلى مدى قربها منه ورفع الكلفة بينهما. وما زاد من حدّة انتقاد هذا الأمر، هو أن هذه الكتلة أصدرَتْ في اليوم نفسه بياناً اعتبرت فيه قرار مكّي غير قانوني، داعية مجلس القضاء الأعلى إلى اتخاذ التدابير بحقه. ويجدر التّذكير بأن مكي كان أصدر بتاريخ 21 أيار 2020 قرارا آخر تصدّت له الكتلة نفسها، وهو قرار الحجز على أموال النائب هادي حبيش على خلفيّة تعدّيه على القاضية غادة عون.

في نهاية المطاف، نجح القاضي مكي في تجاوز العقبات رغماً عن رئيسة الدائرة عيتاني وإستصدار استنابة تنفيذية لدائرة تنفيذ المتن للحجز على المنقولات التي يمكلها الحاكم في بيته الكائن في منطقة الرابية. وقد دفع مجرد الإعلان عن هذه الإستنابة هذا الأخير إلى إيداع شيك مصرفي بقيمة 175 ألف د.أ لدى الدائرة ضمانا للدين موضوع الحجز، أملاً بإنهاء التجاذب حول المراجعة القضائية ضده.

هذا القرار بما تضمّنه وأثاره من ردود أفعال، يستدعي ثلاث ملاحظات، هي الآتيّة:

 

قرار يُعوّض عن سلسلة من الإخفاقات القضائية بهدف استعادة الثقة العامّة بالقضاء

عدا عن أن قرار الحجز يشكّل الموقف القضائيّ الأول من حاكم مصرف لبنان منذ بدء الأزمة في مختلف انعكاساتها المالية والنقدية (أي طوال ما يقارب تسعة أشهر)، فإنّه يشكل فضلا عن ذلك موقفا معاكسا للتّيار القضائي المهيمن والذي أخفق بفعل تقاعسه طوال هذه الفترة عن حماية المودعين والملكية الخاصة (الودائع) في مواجهة غيّ المصارف. وقد بلغ هذا الإخفاق أوجّه في محضر الإجتماع الذي عقدته النيابة العامة التمييزية مع جمعية المصارف وشكّل مستندا لتشريع ممارساتها تجاه المودعين والتمييز فيما بينهم. وقد بدت النيابة العامة التمييزية من خلاله وكأنها تغطي الجريمة بدل محاسبتها.

ومن هذه الزاوية، شكّل قرار الحجز موقفاً شجاعاً يُراد منه استعادة ثقة الناس بالقضاء وقدرته على حماية حقوقهم، والأهمّ قدرته على جبه تعسّف السلطة واستغلال النفوذ. ولا نبالغ إذا قلنا أن القرار أعاد من هذه الزاوية بعضا من كرامة القضاة وكرامة المواطنين، والتي كانت أهدرتها مواقع قضائية عدة.

وما يزيد من أهميّة هذا القرار أنّه يأتي وسط تزايد الحديث عن الخطّة التي وضعتْها جمعية المصارف بتنسيق واضح مع مصرف لبنان لبيع أملاك الدولة لإيفاء خسائر مصرف لبنان والمصارف، بذريعة العمل على إعادة تكوين الودائع التي تمّ تبديدها سابقا. وعمليّا، من شأن هذه الخطة في حال إقرارها أن تمكن المصارف من وضع اليد على الأملاك العامة بعدما وضعت يدها على الودائع الخاصة وأن تُحمِّل مجمل المواطنين عبء الخسائر التي تسبّبت بدرجة كبيرة هي بها. ومن هذه الزاوية، بدا القرار بمثابة دعوة بليغة لسائر القضاة في وجوب أداء أدوارهم في محاسبة هؤلاء، قبلما يتمكّنوا من الإستيلاء على ما تبقّى من أموال عامّة وخاصّة.

 

قرار يرجّح المسؤولية على اللامسؤولية والحصانات

أبرز الإنتقادات الموجهة للقرار اتّصلت بأن الجهة الحاجزة والتي قدمت شكوى جزائية لم تحظَ بعد بإذن لملاحقة الحاكم، الذي هو مسؤول عامّ. ففي هذه الحالة، لا تحرّك الشكوى الدعوى العامة ويكون التعويض (الدين) المطالب به في متنها غير مُرجّح.

هذا الإنتقاد الذي تبنّاه المصدر القضائيّ "الرفيع" والعديد من المحامين، إنّما يعني في عمقه ليس فقط تمسّكا بشرط الإذن المسبق لملاحقة أي مسؤول قضائيا، إنما أيضا ترجيحا لحجب الإذن على منحه. وهو يعني من هذه الزاوية ترجيح الواقع السائد بفعل انحطاط العمل السياسيّ والإداريّ والمتمثل بحجب الإذن أو التقاعس في منحه بشكل منتظم على المرتكزات القيمية والقانونية للديمقراطية وتاليا النظام الدستوري والقانوني برمته (ومنها التزام لبنان باتفاقية مكافحة الفساد الدولية) والتي تفترض على العكس من ذلك تماما ترجيح مبدأ المحاسبة والمساءلة على أي ممارسة مناقضة. فوفق هذه المبادئ، يُعتبر الإذن المسبق شرطاً استثنائياً لا يقوم إلا في حال نص القانون عليه صراحة (وهو أمر لا يتوفر بالنسبة إلى الحاكم)، ويُعتبر منح إذن الملاحقة عملا شكليّا فلا يُحجب إلا في حالات استثنائية يشوبها تعسّف واضح وجليّ بحقّ المطلوب ملاحقته.

وعليه، فإن التمسك بحصانة هذا الأخير رغم ضخامة الشبهات التي تحوم حول أعماله، إنما يعكس تسليما بحصانته الفعلية (حصانة الأمر الواقع وهي حصانة مشابهة لحصانة جمعية المصارف وأعضاء مجالس إدارة المصارف) أكثر مما يعكس قراءة موضوعية للنصوص القانونية.

 

قرار يشكّل مناسبة لإعادة التفكير بوظيفة القضاء وأخلاقياته

من خلال قراره، عبّر القاضي مكّي عن تصوّر للوظيفية القضائيّة قوامه حماية الحقوق والحريات وبما لا يقلّ أهمية، حماية مصلحة الشعب في أملاكه وموارده العامّة والخاصّة، في مواجهة تعسف السلطة. ويلتقي هذا التصور مع البيان الذي أعلنه نادي قضاة لبنان غداة الثورة والذي أكد فيه أعضاؤه ولاءهم للشعب واستعدادهم لحماية مصالحه في مواجهة الفساد.

بالمقابل، عكس تدخّل القاضية عيتاني لعرقلة تنفيذ هذا القرار تصوّرا نقيضا تماما، وهو تصور القاضي التابع الذي يوالي بالدرجة الأولى النظام السياسي السائد، أو بكلمة أخرى "قاضي النظام" الذي يجهد لحماية مصالحه. ونستشفّ هذا التصوّر من أمور ثلاثة:

  • الأول، أنها أنكرت على القاضي مكّي إستقلاليته في الاجتهاد، وذلك حين قرّرت عرقلة تنفيذ قراره،
  • الثاني، أنها انسجمت في مواقفها مع مواقف كتلة المستقبل التي اعتبرت القرار غير قانوني. وقد بدا هذا الإنسجام واضحا للرأي العام بعدما انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي الصور التي كانت عيتاني نشرتها على صفحتها والتي أظهرت قربها من رئيس كتلة المستقبل سعد الحريري، ورفع الكلفة بينهما. وكأنها بذلك تُعيد إنتاج الصورة النمطية التي تصوّر القضاة على أنهم يتبعون الأحزاب المشاركة في الحكم والمحاصصة ويدخلون تاليا ضمن الحصص العائدة لهم،
  • الثالث، وهذا هو الأخطر، أنها لم تجد حرجا في ارتكاب جرم جزائي تصل عقوبته إلى سنتين حبس (عرقلة تنفيذ قرار قضائي وهو جرم وفق المادة 371 من قانون العقوبات)، إثباتا لولائها لكتلة المستقبل أو بشكل أعم لولائها للنظام السياسي السائد.

ولا تتوقف الأسئلة التي يطرحُها التباين بين القاضيين على تباين تصورهما للوظيفة القضائية، إنما هي تقترن بأسئلة أخرى لا تقلّ أهمية حول تصورهما لأخلاقيّات القضاة، وبخاصة لجهة المسافة التي يتعين على القاضي المحافظة عليها حيال رموز القوى السياسية الحاكمة.

وما ينطبق على عيتاني ينطبق أيضا على المصدر القضائي "الرفيع" الذي هو أيضا عمد إلى نسف مشروعية قرار الحجز من خلال التصريحات التي أدلى بها لكذا وسيلة إعلامية، في أسلوب يقارب أسلوب أجهزة المخابرات، لجهة سعيه إلى تحقيق مآرب غير محقّة من دون تحمّل مسؤوليتها. وهو أمر غالباً ما استخدمته السلطة السياسيّة لكبح أيّ موقف قضائيّ جريئ. وتجدر الإشارة هنا إثباتا لخطورة المخالفة إلى وثيقة القواعد الأساسية للقواعد الأخلاقية والتي جاء فيها صراحة تحت عنوان القاعدة السابعة (الصدق): "من وجوه الصدق، ... الإمتناع عن الإدلاء بتصريحات مغْفلة إلى وسائل الإعلام تتناول سيرورة المحاكمات أو شؤونا قضائية أخرى وهي تنسب بالنتيجة إلى ما يسمى عادة "مصادر قضائية موثوقة" مع العلم بأن المصدر قد لا يكون موثوقا وكذلك المعلومات". ومن هذه القواعد الأساسية أيضا ما ورد تحت القاعدة الرابعة (موجب التحفظ): "امتناع القاضي عن التعليق العلني على قرارات قضائية صادرة عن سواه تعليقا يخدم أغراضا غير علمية، أو من شأنه النيل من قدر المحكمة التي صدرت عنها".  

والمراجعة المطلوبة هنا تكون بحدّها الأدنى من خلال تأكيد القوى الحقوقية والاجتماعية، ومنها نادي قضاة لبنان، على وظيفة القاضي في حماية الحقوق والحريات والتهيّؤ للدفاع عن أيّ قاضٍ يتعرّض لانتقادات وهجمات على خلفيّة التزامه بهذه الوظيفة. فبقدر ما يجدر التنديد بالقضاة الذين يضعون أنفسهم في خدمة النظام الحاكم بهدف ثنيهم عن ممارساتهم ومحاسبتهم، بقدر ما يجدر مناصرة القضاة الذين يوالون مصالح الشعب بهدف تحصينهم وتحفيزهم. في الاتجاه نفسه، يجدر أن تتناول المراجعة أخلاقيات القضاة والتي تفرض عليهم البقاء على مسافة من القوى السياسية، عملا بمبدأي الحيادية والاستقلالية واللذين يتطلبان من القاضي ليس فقط إلتزاما داخليا، إنما أيضا الإمتناع عن الظهور في مظهر مناقض، وذلك حفظا لثقة الناس بالقضاء ومنعا للإرتياب المشروع فيه.

وما يزيد من الدعوة لهذه المراجعة المجتمعية إلحاحاً، أمران:

  • الأول، أن بعض وسائل الإعلام التي لزمت الصمت إزاء جرائم الحاكم والمصارف وما نتج عنهما من حجز لودائع ومدخرات مئات آلاف الأشخاص لم تجد حرجا في الإستبسال في انتقاد قرار الحجز على أموال الحاكم في ما يشكل التوجه القضائي الأول لمحاسبته. فكأنما حجز مال الحاكم من قبل قاضٍ أخطر من حجز أموال الناس جميعا من قبل جمعية المصارف. وبمعزل عن المصالح الكامنة وراء هذه المواقف، ما كان لأيّ وسيلة أن تتّخذ هذا المنحى لولا تراجع الوعي الاجتماعي بدور القضاء وأهمية استقلاليته والأهمّ طرق إصلاحه،
  • أنه رغم فداحة ما قامت به عيتاني والمصدر القضائي "الرفيع"، لم يقمْ أيّ من المراجع القيمة على محاسبة القضاء أو التي تتولى السهر على استقلاليته بأي مبادرة حتى الآن لمحاسبتهما. بل لم يسجل حتى الآن أي شكوى ضدّهما لدى أي من هذه المراجع.

بكلمة أخرى، المراجعة المطلوبة على ضوء القرار وما أثاره، هي مراجعة بشأن "أي نموذج قاضٍ نريد؟" وهي مراجعة تفرض علينا تساؤلا لا يقل أهمية حول ما يتعيّن علينا فعله للحفاظ على هذا النموذج وإنتاجه.

 

 


[1] على خلفية أنه يتعين على القاضي الذي أصدرها النظر بالإعتراضات التي قد تقدّم ضدها لاحقا.