خمسة قرون مضت وما زالت "الخانقاه" أو "الخانكة" (أو حتى الخونكيه باللهجة الطرابلسية) حاضرة في الواقع الطرابلسي صرحاً يشكّل جزءاً لا يتجزّأ من المدينة القديمة في طرابلس، ويضمّ في الوقت نفسه معاناة مجموعة من النساء من الفئة الأكثر ضعفاً وتهميشاً في شمال لبنان.  

تعتبر الخانكة واحدة من الأبنية الأثرية في طرابلس التي تشكّل حاضنة لفقراء المدينة ومساكينها. ففي عاصمة الشمال، تشكل المدينة القديمة بأبنيتها المتصدّعة مأوى وملجأ مؤقتاً لذوي الدخل المحدود والمعدمين، لأنّ لا بديل لهم عنها إلّا الشارع. وهذا واقع النساء اللواتي يقطنّ الخانكة، فهنّ بين خيارين أحلاهما مُر: إما العيش داخل هذا الخان القديم أو التشرّد في الشارع.

مسكن لا يلبّي شروط الحياة

على خلاف باقي خانات طرابلس التي تتألف من طبقتين، تتألف الخانكة من بناء أرضي مقسوم إلى غُرف تتوسّطها باحة خارجية وفيها بركة ماء. تقدّم الخانكة مسكناً لكثير من النساء لا يلبّي أدنى شروط الحياة، فيما تقيم بعض النساء فيها بصورة متقطعة لأسباب يبدو أنّها مرتبطة بالانتفاع من المساعدات التي تأتي في المناسبات إلى هذا المكان.

تتألّف الخانكة من اثنتي عشرة غرفة ضيّقة، تأوي عدداً من النساء الأرامل والمنفصلات عن أزواجهنّ وعوائلهنّ. المكان أبعد ما يكون عن المسكن اللائق، فهو يحتاج إلى عملية ترميم على نطاق واسع لمكافحة النش والعفن الذي يغطّي الجدران. كما تفتقد غرفه إلى التهوئة الصحية وما زالت آثار حريق حصل قبل سنوات على جدران البهو لم تتم إزالتها حتى اليوم لعدم قدرة ساكناته على دفع كلفة ذلك. يضاف إلى ذلك أنّ النساء يفتقدن أيضاً للخصوصية فالغرف قريبة جداً من بعضها البعض وثمّة حمّام خارجي مشترك لكل ثلاث غرف.  

وعلى غرار البيوت العربية القديمة، تشكل الباحة الخارجية للدار فسحة حرّة تضجّ بأصوات النساء، ومتنفّساً لهنّ للعناية بنباتات الحبق والقطط الصغيرة.

غير أنّ الترميم ضروري للمكان ليس فقط ليكون مسكناً لائقاً لهؤلاء النسوة، بل أيضاً للحفاظ على طابعه التراثي وعقوده الحجرية. كما من الضروري إزالة مخالفات داخل المبنى التي تُؤثر سلباً على طابعه العمراني القديم، والتي أضيفت بسبب غياب الرقابة ونتيجة الحاجة إلى تحسين ظروف العيش داخله.

مؤسسة تكافل إجتماعي

يؤكد مؤرّخ طرابلس د. عمر تدمري لـ "المفكرة القانونية" أنّ تاريخ بناء "الخانقاه" بشكل عام يعود إلى القرن التاسع الهجري خلال حكم المماليك وكانت تخصّص لاستقبال الزهّاد والمحاربين المرابطين. وفي طرابلس شهدت تحوّلاً في وظيفتها إلى استقبال النساء اللواتي لا يملكن مصدر رزق، والنساء الوحيدات اللواتي تقطّعت بهنّ السبل. فقد قرّرت إحدى النساء الفاضلات التي رفضت ذكر اسمها في قيود الأوقاف إنشاء الخانكة الطرابلسية وتحويلها إلى وقف خيري لإيواء النساء الأرامل والوحيدات ولتأمين الطعام والشراب لهنّ. وعيّنت لهنّ شيخة لتعلمهنّ أصول اللغة والدين. كما تم تخصيص أراضٍ تابعة للوقف الإسلامي لتأمين احتياجات النسوة والإنفاق عليهنّ. فمؤسسة الوقف الخيري تعتبر مؤسسة أصيلة في الثقافة العربية الإسلامية، وتندرج ضمن نطاق الصدقة. ويتم تخصيص قطعة أرض زراعية أو عقار لصالح مجموعة من الناس، ومن خلال ثمارها أو عوائدها يتم تأمين احتياجاتهم وتحسين مرافق المكان.

يتحدث د. تدمري عن وضع هذه العقارات الوقفية المتراجع، لافتاً إلى أنّ "وضعها يسوء بفعل مرور الزمن، وتراجع مداخيل الأوقاف الإسلامية بفعل عقود الإيجار القديمة، والاستغناء عن فكرة تخصيص الأوقاف لصالح جعلها شائعة ومشتركة". وأدّى شحّ المداخيل إلى تدهور وضع الخانكة، لذلك يبادر بعض فاعلي الخير أحياناً لسد النقص.

الألم الصامت

تشهد جدران الخانكة على قصص شظف العيش وحياة القلّة. وتختصر قصة كل سيدة من المتواجدات في الخانكة وجع النساء وآلامهنّ من التمييز الجندري، والعزل الإجتماعي، وانعدام المساواة الإقتصادية. 

تعيش أم مصطفى وبناتها منذ 16 سنة في الخان. وتروي لـ"المفكرة" تجربتها القاسية وتؤكّد أنها تطمح لإخراج بناتها من دوامتها. تقول إنّهنّ يعشن كل يوم بيومه، ويقمن بـ"تكييف الطبخة وفق المكوّنات الموجودة في البيت". لا تمتلك العائلة التجهيزات المنزلية أو ترف الحياة، فنظرة سريعة داخل الغرفة التي ليس لها شباك أو منفذ، تعطي انطباعاً سريعاً عن الحالة الإقتصادية والإجتماعية للسكان. ففي غرفة لا تتجاوز مساحتها ثمانية أمتار مربعة، تزدحم الأغراض "فرشة تنام عليها الأم وبناتها، فرن غاز محمول بـ"عينتين"، ومجموعة من الملابس والأغطية المكدّسة، بالإضافة إلى قاعدة عليها القرآن الكريم.

تقول أم مصطفى أنها منفصلة عن زوجها، وتعيش مع بنتيها داخل الخانكة. كانت تعمل في لف الشوكولا إلا أن صاحب المؤسسة استغنى عنها بحجة أنه "وجد يداً عاملة أرخص". تزداد الحياة صعوبةً، وتقول إنها "زوجت إبنتها الكبرى لشاب آدمي، لتخرجها من الوضع الصعب الذي تعيشه، لأنه وضع غير إنساني". وتتطلع إلى أن تخرج ابنتيها الباقيتين من هذا الوضع، ولكن هذه المرة ليس بالزواج إنما من خلال التعليم، فالبنت الصغرى طالبة صف ثالث، أما الوسطى فهي تلميذة صف سابع.

تتحفّظ الفتيات عن الحديث ووصف أوضاعهنّ الإجتماعية، إلّا أنهنّ يشرن بخجل إلى صعوبة الحياة داخل الخان، يسودها عدم استقرار وأحياناً نقص في الوئام وصعوبة تفاهم. لا تملك الفتيات الكثير من الأشياء للتسلية وتمرير الوقت، غير الاهتمام بالقطط و"بركة الماء".

لا رعاية صحية

قصة أم فادي واحدة من قصص نساء الخانكة والتضحية من أجل الأبناء. فقد كانت واحدة من أفضل الطهاة في مطاعم طرابلس، إلا أنها تضطر اليوم للعمل مقابل أجر يومي هو 15 ألف ليرة ومرتين بالأسبوع. تختصر أم فادي قصتها بصورة من فترة الحجر المنزلي الماضية، فعلى حد قولها لم تدخل ربطة الخبز لمنزلها لثلاثة أيام، وكانت تستعير الخبز ممن يمتلكه من جيرانها.

لم تبدأ معاناة أم فادي مع السكن في الخانكة وإنما كانت هذه هي المرحلة الأخيرة في قصتها. فقبل حوالي 15 سنة بدأ الشقاق الزوجي وأخذ الزوج الأولاد إلى سوريا فتبعتهم إلى هناك وبعد ثلاث محاولات تمكّنت من اختطافهم والمجيء بهم إلى لبنان.

تقول أم فادي إنّ المفارقة أنّها في فترة الطفولة كانت تأتي إلى "الخجاية" في الخانكة وهي امرأة كانت تعتني بالأطفال لقاء بدل أسبوعي، على غرار دور الحضانة الآن. واليوم بعد أن ضاقت بها الحياة، لم تجد سوى الخانكة سقفاً ومأوى.

لا تمتلك نساء الخانكة أي ضمان إجتماعي أو صحي، لذلك يتملّكهنّ الخوف من المستقبل ومن زيارة الطبيب التي قد تكشف لهن المستور. لذلك فإنّ أم فادي التي لا تستفيد إلّا من تقديمات والاستشارات المجانية للمستوصفات الخيرية، تتردّد في إجراء الفحوصات المطلوبة منها بعد أن أجرت خزعة لصدرها. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحال، بل فقدت أسنانها من دون أن تتمكّن من تصليحها.         

الواسطة والانتفاع لهما مكان في الخانكة    

يشرح رئيس دائرة أوقاف طرابلس عبد الرزاق إسلامبولي لـ"المفكرة" أن الخانكة شاهد على تاريخ المدينة في رعاية العجزة، والفقراء والمحتاجين، وهي ما زالت خاضعة لدائرة أوقاف طرابلس، وقد تم تكليف الشيخ نزيه موسى حراستها ومراقبة أحوالها. ويعلّق على آلية الحصول على الغرف، والتهم بوجود غرف في عهدة غير مستحقيها، قائلاً إنه في المبدأ "تستفيد المرأة التي ليس لها أب أو أخ أو معيل من الغرف، إلّا أنّ "قوى الأمر الواقع" وبعض "النساء المدعومات" يضعون اليد على بعضها، ويستغلونها للاسترزاق والاستفادة من المساعدات الإجتماعية والهبات المقدمة للمحتاجين.

وبالفعل فلدى زيارة الخانكة يمكن رصد عدد من الغرف المغلقة التي لا يأتي المنتفعون منها إلا في المناسبات وعند توزيع المساعدات. وعند سؤال بعض الساكنين في محيط الخانكة، يقولون إنّ هناك مجموعة من النساء لا يحضرن إلا في المناسبات وتحديداً خلال شهر رمضان، حين يأتي أهل الخير والجمعيات الخيرية لتقديم المساعدات.  

يلفت إسلامبولي إلى أن دائرة الأوقاف غير مخوّلة الإنفاق عليهنّ لأن الخانكة في الأصل هي دار ضيافة يأتي أهل الخير إليها لتقديم المساعدة للمحتاجين. ويشير إلى تراجع مداخيل الأوقاف بفعل انهيار الوضع الإقتصادي والنقدي، وإلى أنّ قيمة المداخيل لم تعد كافية، وفي أحسن الأحوال باتت تخصص لدفع أجور موظفي ومتولّي الأوقاف الإسلامية والمشايخ والخطباء. ويكشف الشيخ إسلامبولي عن وجود مشروع لترميم مجموعة من المواقع الأثرية في طرابلس القديمة بدعم من وكالة "تيكا" التابعة للحكومة التركية، ومن ضمنها الخانكة وجامع محمود لطفي الزعيم "المعلّق"، وضريحه والمدرسة المحمودية.