المفكرة القانونية تنشر التقرير السنوي الذي أعده الزميل الحقوقي ماجد المذحجي عن القضاء اليمني تحت عنوان "المستجدات القضائية في اليمن 2013". ويندرج هذا التقرير ضمن جهود المفكرة في توثيق المستجدات القضائية في عدد من الدول العربية. وكان القاضي عبد الوهاب قطران قد حرر للمفكرة تقريرا عن القضاء اليمني في 2012.  
 
المقدمة
يستطلع هذا التقرير بشكل رئيسي اوضاع السلطة القضائية في اليمن واهم الاحداث الاساسية التي تعلقت به في سنة 2013. وهو يُركز على طبيعة التحولات في الحراك القضائي، وتطوره، واهم المطالب التي تقدم بها، وطبيعة تفاعله مع السلطة السياسية، كل ذلك في سياق تحليلي ووصفي مفتوح.

ويؤسس هذا التقرير محاولته لفهم القضاء اليمني خلال هذا العام، على استكشاف اهم التغييرات في البيئة التشريعية للممارسة القضائية، وفهم لماذا حدث حراك قوي في هذا الشأن عبر أكثر من تغيير في نصوص قانون السلطة القضائية، والحكم الدستوري بخصوص بعض مواد القانون، وكيف سينعكس هذا الجدل التشريعي على القضاء. وهو امر لا يمكن بالتأكيد فصله عن مقاربة التقرير للحراك القضائي الاحتجاجي على المقترحات التي تقدم به مؤتمر الحوار الوطني بخصوصه، ومحاولة تبيان خلفية احتجاج القضاة ممثلين بناديهم على هذه المقترحات وأسباب فشلهم في ذلك. وإتصالا مع ذلك، سيحلل التقرير التغيير الكبير الذي حدث في الإطار النقابي للقضاة اليمنيين، وعقد مؤتمر نادي القضاة بعد فترة تجميد طويلة، وكيف انعكست النزاعات العامة في اليمن على هذا المؤتمر المهم.

وبالطبع فإن المطالب الاصلاحية القضائية التي يحاول التقرير التعرف عليها، تستدعي استكشاف طبيعة التحديات الحالية امامها علاوة على ارثها القديم. وفي إطار كل ذلك، سيكون هناك اطلالة واسعة على النماذج الأبرز التي شكلها حضور القضاء اليمني في عام 2013 عبر قراءة وتحليل بعض اهم الاحكام الصادرة عنه، وخصوصاً تلك المتعلقه بالدائرة الدستورية في المحكمة العليا، او المحكمة الادارية، ومحكمة الصحافة... الخ، وكيف انعكس الاداء القضائي على هذا المستوى في تغيير الانطباع عنه وتعزيز حضوره العام، والبدء في بناء حالة ثقة بينه وبينه المواطنين.
تفاصيل متنوعة سيستعرضها هذا التقرير التحليلي الموسع، وهو في مقارباته المختلفة للقضاء اليمني في عام 2013 سينطلق بالضرورة من تحليل أولي لأهم ما طرأ عليه خلال العامين السابقين عليه بدءاً من 2011 تاريخ الثورة اليمنية الحديثة التي أتت كجزء من سياق ما أطلق عليه تسمية الربيع العربي، وذلك لفهم أحداث العام الذي هو محل دراسة هذا التقرير بوضوح. وعلاوة على ذلك فهو سيبدأ محتواه باستعراض سريع لطبيعة النظام القضائي في اليمن وطبيعة تقسيماته المختلفة، لفهم طبيعة هذا "المضمون" القضائي الذي سيتم تناوله في إطار التقرير.

ملمح عن النظام القضائي في اليمن
ينص الدستور في الجمهورية اليمنية على أن القضاء سلطة مستقلة قضائياً ومالياً وإدارياً والنيابة العامة هيئة من هيئاته، وتتولى المحاكم الفصل في جميع المنازعات والجرائم، والقضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ولا يجوز لأية جهة وبأية صورة التدخل في القضايا أو في شأن من شؤون العدالة ويعتبر مثل هذا التدخل جريمة يعاقب عليها القانون، ولا تسقط الدعوى فيها بالتقادم.

ويأخذ القضاء اليمني بنظام القضاء الموحد وفقاً للدستور الذي تنص المادة (150) منه على أن (القضاء وحدة متكاملة..)، وبالاجمال يتسم القضاء في اليمن بصبغة دينية محافظة، حيث كثير من القضاة رجال دين درسوا بالطرق التقليدية.
ويُقسم القضاء اليمني إلى ثلاثة مستويات:

 المحكمة الابتدائية: تعتبر المحاكم الابتدائية من محاكم الدرجة الأولى، حيث يعرض النزاع أمامها لأول مرة، وهي إما تتألف من قاضٍ فرد أومن ثلاثة قضاة (دائرة ثلاثية) في حالة توفر عدد كاف من القضاة وتكون للمحكمة الابتدائية الولاية العامة للنظر في جميع القضايا. مع العلم أن أحكام المحكمة الابتدائية قابلة للاستئناف، إلاَّ إذا نص القانون على خلاف ذلك. ويرأس المحكمة الابتدائية قاض يقوم بتسيير أمور المحكمة وإدارة شؤونها والإشراف على انتظام العمل فيها وتنفيذ مهامها وفقاً لقانون السلطة القضائية وقانون الخدمة المدنية ولائحته التنفيذية والقوانين واللوائح والقرارات الأخرى النافذة. وفي حالة تعذر على رئيس المحكمة مزاولة مهامه لأي سبب من الأسباب، ناب عنه في مزاولة تسيير أمور المحكمة وإدارة شؤونها والإشراف على انتظام العمل فيها قاضٍ آخر يكلفه رئيس محكمة الاستئناف.

تختص المحاكم الابتدائية بالنظر في كافة المنازعات، فهي دون غيرها من المحاكم تختص بالحكم ابتدائياً في جميع الدعاوى التي ترفع إليها أياً كانت قيمتها أو نوعها، وبالتالي فالاختصاص منعقد نوعياً للمحاكم الابتدائية بالنظر في مختلف الدعاوى سواءً كانت جنائية أو تجارية أو مدنية أو أحوال شخصية أو غيرها.

وتوجد أيضاً عدد من المحاكم الابتدائية ذات الطابع المتخصص التي ينظم القانون اختصاصاتها مثل المحكمة الجزائية المتخصصة وهي محكمة ابتدائية توجد شعبة استئنافية خاصة بها، وايضاً المحكمة الادارية الابتدائية، ومحاكم الاحداث، والمحاكم التجارية، ومحكمة الصحافة.

 محكمة الاستئناف: تنشأ في كل محافظة من محافظات الجمهورية اليمنية محكمة استئنافية تتألف من رئيس ونائب أو أكثر ومن رؤساء الشعب الاستئنافية وقضاتها. ويقوم رئيس المحكمة الاستئنافية بصفته المسؤول الأول في المحكمة بمزاولة مهام وإدارة المحكمة وتسيير أمورها وإدارة شؤونها والإشراف على انتظام العمل فيها وفقا للدستور وقانون السلطة القضائية والقوانين واللوائح والقرارات الأخرى النافذة. وفي حالة تعذر على رئيس المحكمة مزاولة مهامه لأي سبب من الأسباب، ينوب عنه النائب الأول. كما يجوز لرئيس المحكمة الاستئنافية أن يفوض صلاحياته إلى النائب الأول، فالثاني[i].

 المحكمة العليا: هي أعلى هيئة قضائية، واختصاصاتها هي ما يلي:
-       الفصل في الدعاوى والدفوع المتعلقة بعدم دستورية القوانين واللوائح والأنظمة والقرارات.
-       الفصل في تنازع الاختصاص بين جهات القضاء.
-       التحقيق وإبداء الرأي في صحة الطعون المحالة إليها من مجلس النواب المتعلقة بصحة عضوية أي من أعضائه.
-       الفصل في الطعون في الأحكام النهائية وذلك في القضايا المدنية والتجارية والجنائية والأحوال الشخصية والمنازعات الإدارية والدعاوى التأديبية وفقا للقانون.
-       الرقابة القضائية على جميع المحاكم في الجمهورية.
-       أية مهام أخرى بمقتضى القانون.
-       الفصل بطريق الطعن بالنقض في الأحكام النهائية في الجرائم العسكرية.
-       محاكمات شاغلي وظائف السلطات العليا مع مراعاة أحكام المادتين (101، 111) من الدستور.

وجلسات المحاكم علنية إلا إذا قررت المحكمة جعلها سرية مراعاة للنظام العام والآداب وفي جميع الأحوال يكون النطق بالحكم في جلسة علنية[ii].

المجلس الاعلى للقضاء
يعين رئيس الجمهورية رئيس مجلس القضاء بقرار جمهوري، وإضافة إليه يعين الرئيس ثلاثة أعضاء على ألا تقل درجة كل منهم عن قاضي محكمة عليا، وإضافة إليهم يضم المجلس كلا من وزير العدل، ورئيس المحكمة العليا، والنائب العام، وامين عام مجلس القضاء الاعلى، ورئيس هيئة التفتيش القضائي.

ويعمل المجلس على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة من حيث التعيين والترقية والفصل العزل وفقاً للقانون[iii]، ويتولى المجلس دراسة وإقرار مشروع موازنة القضاء، تمهيداً لإدراجها رقماً واحداً في الموازنة العامة للدولة. والمقصود برقم واحد أن يكون بند الموازنة اجماليا من دون تفاصيل بحيث يكون للمجلس تفصيلها لاحقا. وتوجد للمجلس مهام اخرى تفصيلية ينظمها القانون[iv].

تداعيات ثورة 2011 على القضاء اليمني
أطلقت ثورة عام 2011 رياح التغيير في اليمن بشكل واسع، وعلاوة على كونها استهدفت تغيير الصيغة السياسية التي حكمت البلد تحت ظل الرئيس السابق لاكثر من 33 عاماً، فانها فتحت النقاشات والتحركات في مختلف مؤسسات الدولة اليمنية. ولم يكن القضاء اليمني بعيداً عن مزاج التغيير الجديد الذي حدث: وقد تجلى ذلك من خلال انخراط الكثير من القضاة اليمنيين في الحدث الثوري بشكل مباشر، وأيضا في تبلور مطلبية قضائية وهو أمر استغرق أشهراً. وبدءاً من شهر مارس إلى منتصف مايو 2012، انطلق ما يمكن وصفه بثورة القضاء اليمني، وخصص الحراك الشعبي في الشارع انذاك جمعة أطلق عليها انذاك "جمعة استقلال القضاء" وذلك تضامناً مع القضاة الذين اضرب عدد كبير منهم حينها. وآلت أبرز مطالبهم الى إلزامالسلطات بإعداد مشروع قانون جديد للسلطة القضائية يضمن استقلالها الحقيقي والتام، ويكفل للقضاة حق انتخاب مجلس القضاء الاعلى بعد اقالة المجلس الحالي. كما طالبوا بنزع اختصاصات وزير العدل وإعادتها لمجلس القضاء الاعلى المنتخب، وإلحاق هيئة التفتيش القضائي بمجلس القضاء بدلاً من وزارة العدل.

واستجاب الرئيس الانتقالي لهذه المطالب بحيث وُقّع انذاك محضر بين المنتديات القضائية وكلا من الرئيس ووزير العدل يتضمن استجابتهما لمطالب الحراك القضائي[v].

ولكن لم يمض وقت طويل حتى تبين لكثير من القضاة أن ثمة تحايلاً أو التفافا على مطالبهم وماتم الاتفاق عليه مع الرئاسة ووزارة العدل. فقد أصدر رئيس الجمهورية بتاريخ 29 -3 -2012 قرارين بإجراء بعض التعيينات في السلطة القضائية وإعادة تشكيل مجلس القضاء الأعلى[vi]، وهي قرارات اتت بالمخالفة الواضحة لما تم الاتفاق عليه، وكرست المحاصصة بين الاطراف السياسية الموقعة على المبادرة الخليجية في تعيينات المجلس الاعلى.

عقب ذاك، أصدر الرئيس عبد ربه منصور هادي في 7 – 8 -2012 قرارا بالقانون رقم (18) لسنة 2012، والذي يقضي بتعديل المادتين (104، و104 مكرر) من قانون السلطة القضائية، وتغيير العدد الإجمالي لأعضاء مجلس القضاء الأعلى من 8 إلى 9، بما فيهم رئيس مجلس القضاء الأعلى. وينص التعديل على أن يصبح رئيس المحكمة العليا عضوا في مجلس القضاء الأعلى، بعد أن كان يتولى رئاسة هذا المجلس حكما، وفقا للنص القانوني السابق قبل التعديل.

كما أصدر رئيس الجمهورية قرار رقم (35) لسنة 2012 بتعيين القاضي الدكتور علي ناصر سالم رئيساً لمجلس القضاء الأعلى استجابة للتعديلات الجديدة.

وهكذا استمر رئيس الجمهورية ووزير العدل بتجاهل مطالب القضاة والاتفاق الذي تم مع الحراك القضائي المحتج، فأصدر قرارات لا تستجيب مع الحد الادنى لما يريدونه.

وإضافة لما سبق، وافق مجلس الوزراء اليمني في اجتماعه المنعقد بتاريخ 13-11-2012، على مشروع قانون تعديل بعض مواد قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 1991 وتعديلاته. ونشر مشروع القانون بعد ذلك بيومين في صحيفة القضائية العدد رقم 132 بتاريخ 15-11-2012، وشملت هذه التعديلات التي وردت في المشروع 31 مادة من مواد القانون، إلا انها لم تشمل لم تشمل المواد الاهم التي تبقي القضاء تحت سيطرة السلطة التنفيذية وهي المواد (67 - 89 –  93 - 104 – 106 – 108 – 124)، وهي مواد كلها تمنح صلاحيات هائلة لوزير العدل - الذي يمثل السلطة التنفيذية - على السلطة القضائية[vii].

لقد خضع القضاء اليمني قبل حركة الاحتجاجات الواسعة في 2011 لسيطرة طويلة من قبل السياسيين والسلطات التنفيذية. وشكلت المحاكمات الصورية التي تعرض لها سياسيون ونشطاء وصحفيون طوال عهد صالح -والتي تفتقر للحد الادنى من معايير المحاكمة العادلة- تقويضاً لرمزية القضاء واعتباره، ونُظر له باستمرار على أساس أنه ذراع قانونية للسلطات. الى ذلك، ثمة مشكلات اعمق تتصل بالبنية التقليدية للجهاز القضائي اليمني الذي اعتمد لفترات طويلة على قضاة قادمين من تأهيل فقهي تقليدي قبل ان يتم تأسيس المعهد العالي للقضاء بعد العام 2000، وهو ما وسم القضاء اليمني بهذا الشكل والمضمون المحافظ، علاوة على العلاقة الملتبسة مع مفاهيم الحقوق الحديثة وتلك الالتزامات الواردة في الاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان المصادق عليها من اليمن والمفترض نفاذها في اطار التشريعات المحلية والتزام القضاء الوطني بها.

ويبدو من الواضح أيضاً ان هذا السياق السياسي المناهض لمطالب الحراك القضائي الناشئ بعد ثورة 2011 - والمعني بانجاز تغيير في اداء القضاء اليمني وتعزيز استقلاليته بشكل اساسي - يعكس مصالح الصيغة السياسية الحاكمة في اليمن التي اتت محمولة على اتفاق المبادرة الخليجية، والتي يبدو انها ترى في هذه المطلبية القضائية التي بدأت تتبلور في العام 2012، تعكيراً لرغبة اطرافها بالاستحواذ على السلطة القضائية و"تحاصصها" لا القيام بإصلاح لها وتعزيز استقلاليتها.  
 
تغييرات وتحديات الحراك القضائي في 2013
· الاحتجاجات
لقد شكل مزاج التغيير المرتبط بالثورة اليمنية، وتداعياتها التي انفتحت على كافة المستويات في الدولة والمجتمع، دافعاً لمعاودة القضاء اليمني حضوره العام ضمن صيغة جديدة تستجيب لما حدث من تغييرات في اليمن، وتقع بالضرورة خارج الانطباع والصورة التقليدية له الذي انحصر النظر إليه في إطاره، حيث لطالما تم تعريف القضاء بشكل نهائي في اوساط المجتمع كـ سُلطة مُتهمة بالفساد ومُسيطر عليه من قبل السلطات التنفيذية للدولة بدءاً من الرئيس والاجهزة الامنية وليس انتهاءً بـ مشائخ القبائل ومراكز القوى التقليدية.

إن استجابته للحدث الثوري في اليمن دُشنت - كما اشرنا اعلاه - في العام 2012، حيث تحرك معظم المُشتغلين في اجهزة السلطة القضائية في اضراب واسع لمدة اربعة اشهر في العام 2012 ضمن مطالب متعدده. وقد قوبل هذا الاضراب منذ بدايته بالمقاومة والتحايل الواسع من قبل السلطات الانتقالية في الدولة على المطالب القضائية. وبدا ضمنياً ان عدم استجابة الحكومة التوافقية ورئيس الجمهورية الانتقالي لهم قد اصاب هذا الحراك القضائي الناشئ بالوهن نسبياً، حيث أفصح عن ذلك انخفاض مستوى الاحتجاجات القضائية في العام 2013 و"تذررها" قياساً بالعام السابق. وكان هناك عدد من الاضرابات غير المركزية (اي في كل محافظة على حده) لاعضاء السلطة القضائية لم تستجب في المعظم لقضايا موحدة وجامعة، انما كانت تأتي في الاغلب كـإستجابة لاعتداءات يتعرض لها القضاة او اعضاء النيابة اثناء ممارستهم اعمالهم ونظرهم في قضايا يكون أحد اطرافها نافذا وشيخ قبيلة أو قائد عسكري. وقد تكرر هذا الأمر بشكل واسع بسبب ارتخاء قبضة الدولة على المجتمع وتآكل هيبتها وقدرتها على الزجر، ولكونها لم تعد الطرف الوحيد الذي يحتكر العنف، بوجود قوى اخرى صاعدة في انحاء الجغرافية اليمنية تمتلك القوة وادوات الإكراه والقسر مُستفيدة من فراغ وضعف كبير تولد كاحد تداعيات الثورة والصيغة التوافقية التي تحكم إدارة البلد بين الفرقاء السياسين. ويمكن قراءة ذلك بوضوح في عدد الحوادت العنفية التي تعرض لها مُنتسبو القضاء، حيث سجل في العام 2013 فقط حوالي 67 اعتداء[viii]. وكان مسرح هذه الاحتجاجات القضائية على ما يتعرضون له من تعد متركزاً في الاغلب في كل من محافظات البيضاء وذمار والضالع واب[ix] وعمران وامانة العاصمة.

لقد ادى كل هذا "التشتت" نسبياً إلى إضعاف حركة الاحتجاجات القضائية التي كانت تبدو في تصاعد في العام السابق من دون أن يؤدي ذلك الى انقطاعها أو الى التخلي عن السعي الى إعادة تنظيم الهيكل القضائي، رغم وهنه الحالي، في قضايا مركزية تخص المصلحة والجسم القضائي بأكمله. فالاحتجاج الأبرز الذي قام به القضاة في العام 2013 هو ذلك الذي دعا إليه نادي قضاة اليمن وذلك حين اقر الاضراب و(تعليق العمل في جميع محاكم ونيابات الجمهورية لمدة اسبوع كامل احتجاجا على مقترحات فريق بناء الدولة بمؤتمر الحوار الوطني الشامل بشأن السلطة القضائية وتعديلات الحكومة لقانون السلطة القضائية الذي اعتبرها مخالفة للمعايير الدولية)[x] ليتوقف هذا الاضراب بعد تدخل وضغط من الرئيس عبدربه منصور هادي. وكان فريق بناء الدولة قد أقر موضوع تشكيل مجلس القضاء الأعلى، والمحكمة الدستورية كنص دستوري، حيث قرر أن يتم الامر عن طريق الانتخابات وبنسبة 95% من أعضاء الفريق. والمقترح ينص على انتخاب مجلس القضاء الأعلى من قبل السلطة التشريعية من منتخبين من كبار القضاة والمحامين وأساتذة الجامعات مع ضمان استقلالهم وتفرغهم للعمل في مجلس القضاء الأعلى وفقا للآلية الآتية:
تختار الجمعية العمومية للقضاة نسبة 70% من عدد أعضاء المجلس.

تختار نقابة المحامين 15% من المرشحين من كبار المحامين، ويختار اجتماع مشترك لمجالس كليات الشريعة والقانون والحقوق ما نسبته 15% من عدد أعضاء المجلس من أساتذة القانون ويصدر قرار جمهوري بتعيينهم.

ويبدو واضحاً في هذا المقترح الدستوري وجود ضبابية حول مستوى تدخل السلطة التشريعية في عملية الاختيار ضمن الفئات الثلاث التي ستمثل في مجلس القضاء الاعلى، فهي كما يبدو ستختار من بين مُنتخبين ضمن كل فئة، بدون ان تُحدد الآلية التي تنظم هذه العملية. فبخلاف وضع القضاة الذين سيتم انتخابهم من قبل الجمعية العمومية، فان كيفية انتخاب المحامين ليست واضحة، فهل يتم ذلك من خلال المجلس التنفيذي للنقابة ام جمعيتهم العمومية؟

وعلاوة على ما سبق من مقترح، فقد أجمع أعضاء الفريق على أن يكون للمجلس أمين عام يتولى المهام الإدارية والمالية بالمجلس.
وبشأن المحكمة الدستورية صوت أعضاء بناء الدولة على أن تنشأ محكمة دستورية مستقلة ويمكن ضمان فعالية أداء المحكمة بانتخابها وفقا للآلية الآتية:

تنتخب الجمعية العمومية للقضاء نسبة 70% من عدد أعضاء المحكمة الدستورية، وتنتخب نقابة المحامين 15% من أعضاء المحكمة الدستورية من بين كبار المحامين، وينتخب اجتماع مشترك لمجالس كليات الشريعة والقانون والحقوق من أساتذة القانون بدرجة استاذ مشارك ما نسبته 15% من أعضاء المحكمة الدستورية.[xi]

وقد اعترض نادي القضاة على هذه المقترحات وحذر من (تبعات تخصيص 30 بالمائة من تشكيلة مجلس القضاء الاعلى والمحكمة الدستورية من اشخاص خارج السلطة القضائية)[xii]، وذلك كون رؤية النادي هي ان يتم انتخاب هاتين الهيئتين من الجمعية العمومية للقضاة بشكل كامل.
رفض مؤتمر الحوار الوطني ممثلاً بفريق بناء الدولة مطالب نادي القضاة وأصر على نفاذ مقترحه الدستوري، ومارس رئيس الجمهورية ضغوطاً على النادي مُرغماً اياه على تعليق اضرابه والقبول بالمقترح.

ويُشكل كسر إرادة القضاة ممثلة بناديهم في مواجهة اقتراحات مؤتمر الحوار، وإفشال الاضراب الذي قام به، مؤشراً مزعجاً على كون هذا الكيان النقابي الذي عاود النشاط بشكل متأخر ما زال ضعيفا امام الضغوط السياسية ومُخترقا من قبلها، علاوة على هشاشة قدرته على بلورة اشكال متعدده ومرنه من وسائل الاعتراض اثناء الدفاع عن مصالح منتسبيه ومقاومة الضغوط المتوقعة بالتالي. وكان هذا التدخل المؤثر للغاية من قبل الرئيس الانتقالي أفسد مسار الاضراب الذي دعا له النادي، وبالتالي تم تمرير النصوص المقترحة من قبل مؤتمر الحوار على الرغم من اعتراضه الجوهري عليها، وما سترتبه من استحقاقات وتغييرات مهمة للغاية على مستقبل السلطة القضائية.
 
· القضاة اليمنيين يُعيدون ترتيب بيتهم: إعادة إطلاق نادي القضاة وتحدياته
في 2013، قرر القضاة اليمنيون النظر إلى تحديات تطوير حراكهم الجديد. وكان من أبرزها ضعفهم التنظيمي الناشئ عن عدم فعالية إطارهم النقابي. ولهذا كان من المهم العمل على عقد المؤتمر الثالث لهذا الكيان النقابي الذي كان يُعرف بالمنتدى القضائي اليمني وذلك بعد 16 عاما من الانقطاع عن ذلك. وفي 20 – 8 – 2013، وتبعا لمداولات واحداث ساخنة شهدتها القاعة الواسعة التي ضمت وقائعة، والمشاركة الواسعة التي وصلت إلى حوالي 3 آلاف قاضي وعضو نيابة من أعضاء السلطة القضائية في المحاكم والنيابات العامة، تقرر تغيير اسم المنتدى ليصبح نادي القضاة اليمني. وفيما كانت مدة المؤتمر المقررة ثلاثة أيام، امتدت أعماله الى أسبوع كامل.

ومن الجلي إذاً ان القُضاة اليمنيين استفادوا بشكل رئيسي من تداعيات الربيع العربي الذي وصل لبلادهم، ليحدثوا اختراقاً نوعياً فيما يخص تنظيمهم النقابي. وكان المؤتمر الثاني للمنتدى القضائي قد انعقد في النصف الثاني من عقد التسعينات، ليعقبه فترة تجميد قسري وطويل للعمل النقابي القضائي الذي كان دشن في 16- 7 – 1991 بتأسيس المنتدى القضائي، لتسيطر عليه السلطات منذ حينها بوضع اليد المُباشر وإيكال رئاسته لرئيس مجلس القضاء.

وهكذا إذاً، بعد أكثر من 22 عاماً تأتي تحولات اليمن السياسية الكبيرة والمساحة الجديدة من الحريات التي تشهدها بعد ثورة 2011 لتُشكل الفرصة والإطار المُناسبين لان يُعاود القضاة تجميع صفوصهم والانتظام ضمن اطارهم النقابي قبل ان تشتد قبضة السلطات المُرتخيه حالياً.
بالتأكيد، لم يكن بدء مسار العمل في هذا المؤتمر يسيراً. وقبل موعد انعقاده الحالي بحوالي ثلاثة أشهر، رفع القاضي أحمد عبد الله الذبحاني في شهر 5 – 2013 دعوى مستعجلة ضد رئيس المنتدى القاضي عصام السماوي، الذي يرأس المحكمة العليا، وذلك لإلزامه إيداع 30 مليون ريال يمني، حوالي 139 ألف دولار امريكي، في خزينة المحكمة الإدارية، لتغطية تكاليف ونفقات المؤتمر القضائي. وقبل صدور أي حكم يفصل في الدعوى المرفوعة، تم حسم الامر وتحديد موعد انعقاد المؤتمر، إضافة إلى الموافقة على مشاركة جميع أعضاء السلطة القضائية، عوضاً عن الالتزام بمقتضى النظام الأساسي القائم الذي كان يحدد مشاركتهم بواقع مندوب لكل عشرة قضاة.

لقد اتى انعقاد هذا المؤتمر القضائي في موازاة تحولات واحداث وتحديات مُهمة تشهدها بيئة القضاء في اليمن. وليس اقل هذه التحديات ما يحدث من انسحاب للاحتقان والانقسام السياسي الحاد- ذو البعد الجهوي الجغرافي خاصةً- على الواقع القضائي الحالي، والذي تجلى في إعلان عدد من القضاة المنتميين للحراك الجنوبي، الداعي لانفصال جنوب اليمن عن شماله، مُقاطعتهم اعمال هذا المؤتمر وانتظامهم في إطارمكون نقابي جديد أطلقوا عليه في ختام مؤتمر عقد لهذا الغرض اسم "نادي قضاة الجنوب"[xiii].

وإضافة إلى ما سبق، تشهد السلطة القضائية الان حالة فراغ  تشريعي كبير وذلك تبعا لإصدار الدائرة الدستورية في المحكمة العليا حكماً قضائياً بالغ الاهمية قضى بإلغاء 34 مادة في قانون السلطة القضائية لتعارضها مع الدستور. ومن المعلوم أن المواد الملغاة كانت تفتح باباً واسعاً لتدخل وسيطرة السلطات التنفيذية على شؤون القضاء وبالاخص لجهة ما تمنحه من صلاحيات واسعة لوزير العدل الذي كان مخولاً باقتراح الترقيات وإجراء التنقلات القضائية[xiv]. وقد تبدت خطورة هذا الفراغ مع صدور قرار رئاسي غير مُعلن بترقية أعضاء في السلطة القضائية، على أساس مواد ملغاة بموجب قرار المحكمة العليا. وتبعا لذلك، أعلن قضاة عدة عن اعتزامهم رفع دعوى قضائية أمام الدائرة الإدارية تطعن في القرار، كما رفعت دعوى أخرى تطالب بتنفيذ حكم المحكمة الدستورية، بإدخال تعديلات على القانون بما يتلافى الفراغ التشريعي، ويعيد إخراج القانون بما يتوافق مع مقتضى الحكم[xv].

ترأس القاضي يحي الماوري اللجنة التحضيرية للمؤتمر الثالث، وتضمنت اعمال المؤتمر انتخاب قيادة جديدة واقرار تعديلات على النظام الداخلي بما يكفل ضمان ترسيخ استقلال القضاء في المرحلة القادمة التي تشهد اعادة بناء الدولة اليمنية الجديدة حسب اهداف التحضير المُعلنه. ولكن استقطابات الجغرافيا ما بينجنوب وشمال، الحاضرة بشدة في الواقع اليمني الراهن، ألقت بظلالها على سير اعمال المؤتمر الذي توافق المُشاركون فيه على صيغة حساسة لتمثيل قائم على اساس الجغرافيا، بحيث تكون هناك قائمتان انتخابيتان، قائمة من الاعضاء الشمالين واخرى من الاعضاء الجنوبين بشكل متساو، بحيث تنعكس المُناصفة على مجلس ادارة النادي، فيكون مجلس الادارة ممثلين بطريقة متساوية بين الاعضاء الجنوبيين والشماليين. ولقد انتخب اعضاء الجمعية العمومية في الاخير قاضياً جنوبياً هو القاضي الجراح احمد بلعيد بما بدا في أحد دلالته استرضاءً للجنوبيين وقطعاً للخط امام القضاة الحراكيين الذين أعلنوا كياناً نقابياً خاصاً بالجنوب وحده.

لقد تضمنت اهم نتائج هذا المؤتمر الذي انعقد تحت شعار (القضاء المستقل اساس بناء الدولة المدنية الحديثة) تعديلات اساسية على النظام الأساسي للمنتدى. وكما أسلفنا، تم تغيير اسمه إلى (نادي القضاة اليمني). كما تم انشاء مجلس إدارة هو الجهاز التنفيذي، تتألف عضويته من ثلاثة عشر عضواً تنتخبهم الجمعية العمومية من بين أعضائها بالاقتراع السري، ويكون الأعضاء الأربعة التالون للفائزين أعضاء احتياطيين، كما تم تحديد مدة عضوية مجلس الإدارة بأربع سنوات.

إن هذا المؤتمر القضائي يُشكل حدثاً مهماً فهو في دلالته الاولى يُكرس القطيعة الرمزية مع عهد وزمن سابق كانت فيها ارادة اعضاء السلطة القضائية مُصادرة ومعطله، علاوة على كون اهم شعاراته الاساسية كانت مُنطلقه من هاجس الاستقلالية الحقيقية لا النظرية. لقد استطاع المؤتمر بانتخابه القاضي بلعيد ان يُكرس فصلاً فعلياً بين رئاسة النادي ورئاسة المحكمة العليا، وأن يضع تاليا مسافة حقيقية بين الحراك القضائي الجديد والسلطات الرسمية التي طالما احتكرت هذا الموقع لتعطل من خلاله اي حراك بين جمهور القضاة يحاول أن ينزع هذه السلطة منها. ولكن المآل والفرص التي ستتيحها نتائج هذا المؤتمر ما زالت محكومة بالشكوك والمخاوف، في ظل الاستقطابات السياسية العديدة ذات الملامح الطائفية والجهوية التي يُمكن ان تنعكس بحدة على الجسم القضائي وأن تؤدي مجددا الى معاودة السلطات الحاكمة وضع اليد على السلطه القضائية وتعطيل اي حراك قضائي مستقل في مواجهتها.
 


[i]المركز الوطني للمعلومات، تكوين المحاكم، محاكم الاستئناف، http://www.yemen-nic.info/sectors/politics/detail.php?ID=9260
[ii]المركز الوطني للمعلومات، تكوين المحاكم، المحكمة العليا، http://www.yemen-nic.info/sectors/politics/detail.php?ID=9260
[iii]مجلس القضاء الاعلى، عن المجلس،  http://www.sjc-yemen.com/homeBlocks/aboutSjc.aspx?PageId=26&GrpID=20&
[iv]مجلس القضاء الاعلى، المهام والصلاحيات، http://www.sjc-yemen.com/homeBlocks/tasks.aspx?pageId=12&GrpID=20
[v]تقرير رصد الانتهاكات والتجاوزات في السلك القضائي منذ تشكيل حكومة الوفاق وحتى بداية مايو، لجنة القضاء والعدل في جبهة إنقاذ الثورة، 9 -5 -2013، موقع يمنات الاخباري، www.yemenat.net/news34393.html
[vi]نشرت تلك القرارات في الجريدة الرسمية العدد السادس لعام 2012 الصادرة عن وزارة الشؤون القانونية بتاريخ 13- 3 – 2012، ص 3-4.
[vii]المادة(89) من قانون السلطة القضائية هي نموذج كاشف عن مدى سيطرة السلطة التنفيذية على الجهاز القضائي، حيث تنص على أنه " مع عدم الإخلال بما للقضاء من استقلال فيما يصدر عنه من أحكام أو قرارات يكون لوزير العدل حق الإشراف الإداري والمالي والتنظيمي على جميع المحاكم والقضاة..."
[viii](قال مركز اسناد لتعزيز استقلالية القضاء وسيادة القانون إنه رصد 59 حالة انتهاك «جسيم» بحق منتسبي القضاء في اليمن، من قضاة، وأعضاء نيابات، ومحامين، وإداريين بسبب عملهم وذلك خلال النصف الأول من العام الجاري.) موقع المصدر اونلاين، تقرير: 59 حالة انتهاك بحق منتسبي القضاء في اليمن خلال النصف الأول من 2013، 4-8- 2013، http://almasdaronline.com/article/48749
 
[ix]اضراب قضاء إب على خلفية الاعتداء على رئيس محكمة السدة، موقع المؤتمر نت، 20 -5 – 2013، http://www.almotamar.net/news/108137.htm
[x]نادي قضاة اليمن يقرر تعليق عمل المحاكم والنيابات اسبوع احتجاجا على مقترحات فريق بناء الدولة، صحيفة القضائية، 21 – 9- 2013، http://www.alqdhaeih.net/joomalqadayia/index.php?option=com_content&view=article&id=518:2013-09-21-18-23-35&catid=1:latest-news&Itemid=105
[xi]فريق بناء الدولة يقر انشاء مجلس للقضاء ومحكمة دستورية منتخبين منقبل القضاة والمحامين، موقع يمنات الاخباري، 1- 8 -2013، http://www.yemenat.net/news37957.html
[xii]نادي قضاة اليمن يقرر تعليق عمل المحاكم والنيابات اسبوع احتجاجا... الخ، مصدر سابق
[xiii]شارك حوالي 300 قاضي في هذا المؤتمر الذي انعقد في مدينة عدن وانتخب في ختام اعماله االقاضية / صباح علوانيرئيساً لنادي القضاة الجنوبي.
[xiv]قضى مضمون اهم بنود الحكم الصادر عن الدائرة الدستورية في المحكمة العليا بنزع اختصاصات وزير العدل التي خوله إياها القانون في إدارة وتنظيم شؤون السلطة القضائية، كذلك نزع الحكم صلاحيات رئيس مجلس الوزراء في تعديل وإضافة بدلات وعلاوات وترقيات للقضاة باعتبار ذلك تدخلاً سافراً في أعمال السلطة القضائية بما يخالف ما يتضمنه الدستور من ضرورة استقلالية السلطة القضائية عن السلطات الاخرى.
[xv]المنتدى القضائي في اليمن يبدأ أعماله بعد انقطاع 16 عاماً بمشاركة 3 آلاف قاض، موقع المصدر اونلاين، 20 – 8- 2013، http://almasdaronline.com/article/49180