بمناسبة يوم المرأة العربية في 1 شباط (فبراير)، عقدت منظمة المرأة العربية ندوتها الاقليمية حول نتائج مشروع "حقوق المراة الإنسانية: علامات مضيئة في احكام القضاء العربي"، وذلك في 13 و14 كانون الثاني (يناير) 2012 في بيت المحامي في بيروت، وبالتعاون مع الهيئة الوطنية لشؤون المراة العربية.
استهلت الندوة بكلمة لنقيب المحامين في لبنان نهاد جبر الذي ذكّر بأبرز الإنجازات التي حققتها المرأة اللبنانية تاريخيا وتدريجيا وبوجوب اعتماد المواثيق الدولية كمصدر للتشريع يعلو على القوانين الداخلية.
ثم عرضت د. ودودة بدران بصفتها الأمين العام للمنظمة المشروع الذي يرمي الى تسليط الضوء على الأحكام القضائية العربية النوعية لا سيما تلك التي أدت الى تعديل او الغاء نصوص قانونية غير منصفة بحق المرأة او الى تفسيرها او تأويلها. وأوضحت ان الندوة الراهنة هي أولى الندوات المزمع عقدها لاحقا ايضا في الخليج والمغرب العربيين. وشددت على اهمية تغليب القيم الانسانية المشتركة بين الاديان على القواعد التقنية القانونية البحتة وحث الاعلام على الترويج للاحكام الرائدة المنصفة للمرأة.
أما المداخلة التي اثارت عاصفة من ردات الفعل النسائية فكانت لوزير العدل اللبناني شكيب قرطباوي الذي بدأ بالتأكيد على ان حقوق المرأة ليست منة من احد بل هي حقوق، مذكرا بما اصدره مجلس النواب اللبناني في السنوات الاخيرة من تشريعات عديدة "اهمها الغاء ما كان يسمى زورا بجرائم الشرف". ونوّه قرطباوي باقدام المرأة اللبنانية على العمل مسطرا نسبة تأنيث القضاء البالغة حاليا 40%، كما ونسبة المحاميات النساء اللواتي يشكلن اليوم 35% في حين لم يكن يتجاوزن في السبعينيات 5% من مجموع المحامين، بالاضافة الى انتخاب نقيبة امرأة للمحامين في بيروت في 2009. ولقد اعلن وزير العدل انه لا يعارض المبادئ الاساسية لمشروع قانون العنف الاسري الا انه "لا يسعني الا التنبيه لخطورة بعض احكامه التي قد تؤدي الى الحاق الضرر بالعائلة التي تشكل الوحدة الاساسية في الوطن: فيجب التنبه الى الا تصبح مسألة الاغتصاب الزوجي "مطية سهلة تؤدي الى تفكيك الأسرة". كما نبّه قرطباوي لما اسماه "خطورة وتأثير" اعطاء المرأة اللبنانية المتزوجة من غير لبناني الجنسية لأولادها "على التوازنات الدقيقة في لبنان والتي تجعل منه بلدا رسالة ذا تناغم خلاق" ويقوم على العيش معا في ظل تعدديته الطائفية. وختم بالقول بأن "الحقوق تؤخذ ولا تعطى".
تلا ذلك كلمة اللبنانية الأولى التي رأت ضرورة تفعيل عملية تحويل الاجتهاد المنصف للمرأة الى قوانين نافذة منوهة بإلغاء العذر المحل والعذر المخفف من قانون العقوبات فيما يتعلق "بما يسمى زورا جريمة الشرف". وناشدت سليمان تفعيل الغاء التمييز الاقتصادي ضد المراة في القوانين اللبنانية والذي تم مؤخرا بشأن رسم الانتقال العقاري وقانون ضريبة الدخل، مطالبة بأن تكون التشريعات منسجمة نصا وروحا مع الشرع الدولية.
اما منسقة المشروع الدكتورة ليلى عازوري جمهوري، فأدلت بان 25% تقريبا من مجمل الاحكام التي تم الاستناد اليها  في المشروع هي احكام مضيئة، مشددة على الا يكون منطلق معالجة القضايا القانونية والقضائية تقنيا بحتا بل ان يستند خصوصا الى المساواة وحقوق الانسان. ولفتت الى ان الاحكام المدروسة وعددها 373 ليست جميعا منشورة علما انها قد صدرت بين عامي 1990 و2010 اي ان الدراسة تمتد على امد 20 سنة. مع الاشارة الى ان الاحكام اللبنانية المضيئة هي الاكثر عددا بين سائر الدول العربية المعنية بالدراسة مما يشكل عنصر قوة للبنان بالنظر الى صغر حجمه نسبيا. كما بينت ان مجال الأحوال الشخصية هو الأكثر غنى بالأحكام الرائدة، وان 9,9% من مجمل الاحكام قد دفعت الى اصدار قوانين او الى الغائها او تعديلها، وان 26,1% منها يستند الى المبادئ العامة القانونية في حين يرتكز 11% الى العدل والإنصاف.
وقبيل انطلاق جلسات العمل، تم تقليد وسام المراة العربية الى كل من وزير العدل ونقيب المحامين. ولقدعبرت بعض النساء عن احتجاجهن لتكريم الوزير نظرا لما ادلى به للتو من مواقف وصفت بالمعادية للقضايا النسائية. بعدها توالت الجلسات وتنشر "المفكرة القانونية" في ما يلي أبرز ما جاء فيها:
الأردن
عرضت نتائج دراسة الأردن القاضية احسان بركات التي تم تعيينها كاول رئيسة لمحكمة بداية في عمان ثم نائب عام عمان ثم رئيسة الاستئناف في عمان. ومن اهم ما جاء في مداخلتها ان مجال الأحوال الشخصية هو القطاع الأغنى في الأردن من حيث الأحكام القضائية المنيرة، سيما وانه تم رفع سن الحضانة في الاردن الى سن ال15 على ان يتم تخيير الصغير حتى سن ال18، وفي ما يتعلق بحق الأم مشاهدة اولادها يصار الى تغليب مصلحة الصغير على مصلحة الآباء. اما بالنسبة للنفقة فكرس حق المرأة بالاستدانة من الغير على حساب الاب وتم استحداث صندوق خاص للنفقة، لكن تجدر الاشارة الى ان المرأة لا تعطى نفقة اذا كانت تعمل من دون اذن زوجها. اما في مجال الطلاق فاستعيض عن كلمة "المخالعة" نظرا لسيئاتها لا سيما على الصعيد النفسي على الأولاد بلفظ شرعي هو "الافتداء بالنفس". وانتقدت بركات "الخلل في قاعدة المساواة" ضاربة خصوصا مثل الجنسية، حيث ان المرأة الاردنية لا تعطي جنسيتها لا لاولادها ولا لزوجها، مؤكدة بان المساواة يجب ان تكون على كل الاصعدة والمجالات، وعقّبت على تصريحات وزير العدل اللبناني قائلة "لماذا لا تذكر الاعتبارات السياسية والاجتماعية الا بالنسبة للمرأة؟"
الامارات
قدم نتائج دراسة الامارات المستشار القانوني لدولة الامارات محمد المعايطة الذي اعتبر ان القوانين التي تفرق بين الجنسين مخالفة للدستور وانه من المنطقي ان تعطي الام الجنسية لانها هي تزرع القيم الوطنية وهي بالتالي ابدى من الام الاجنبية. ان قانون الأحوال الشخصية الاماراتي الجديد لعام 2005 لا يشترط ان تكون المرأة مسلمة لاعطائها حق الحضانة، علما ان سن الحضانة هو 11 للذكر و14 للأنثى، لكن هناك استثناءات والقانون يقول انه على القاضي رعاية مصلحة المحضون فمثلا لا يجوز فصله عن اشقائه. ومن اللافت وجود قاعدة في الامارات مفادها ان فحص الحمض النووي DNAيطلب فقط لإثبات النسب وليس لنفيه، وذلك "لحماية المرأة"، الأمر الذي استرعى انتباه الحضور ومناقشة مستفيضة حول اسباب هذا المبدأ ومدى جدواه.

تونس

تحدث عن نتائج دراسة تونس المدير العام لمركز الدراسات القانونية والقضائية في تونس زهير اسكندر الذي عدّد ابرز الانجازات القضائية في تونس لصون حقوق المرأة، ومن أهمها: التعويض للزوجة العاملة عن الضرر الاقتصادي الناجم عن وفاة الزوج عملا بمبادئ العدل والانصاف- مرض الام لا يمنع من اسنادها الحضانة نظرا لدورها المعنوي وللحنان الذي تعطيه للصغير-اعمال مبدأ "محكمة الضرورة" بحيث يجوز طلب الطلاق حتى امام محكمة التمييز اذا رفضت ذلك محكمة البداية ومحكمة الاستئناف- المرأة غير المسلمة ترث زوجها- خروج عن القاعدة العامة و"إدخال البنت الوريثة الوحيدة لابيها" بحيث اضحت تستفيد بصورة منفردة بكل ميراث ابيها مما الغى ضمنا احقية باقي الورثة- التعويض عن الضرر المهني للمرأة غير العاملة اذا اصابها عجز- استحقاق الارملة لمنحة رأس المال عند الوفاة حتى ولو كانت غير عاملة- حق بالحماية الاجرائية: في حال وفاة طالب الطلاق قبل صدور الحكم بهذا الصدد يستمر الزواج وكل تبعاته لا سيما الارثية بغية حماية الاسرة- حماية حرمة المرأة وكرامتها وشرفها من التحرش الجنسي في العمل حتى ولو تم عبر رسائل الهاتف الخليوي مثلا.
العراق
أعد دراسة العراق الاستاذ عمرو علي السعدي والدكتور علي هادي الهلالي الذي لفت الى ان المرأة العراقية تمنح الجنسية العراقية أيا تكن جنسية زوجها، وذلك بالرغم من ان قانون الاحوال الشخصية واحكام الجنسية ينص على استثناءات على هذا الصعيد لا سيما بالنسبة للمرأة المتزوجة بفلسطيني. اذ اعتبرت المحكمة العليا ان القانون المذكور معدل ضمنا بموجب الدستور الذي ينص على المساواة، وذلك  بالرغم من كون القانون قد وضع في وقت لاحق لتاريخ وضع الدستور. اي ان القضاء العراقي تخطى الاستثناءات الملحوظة بهذا الشان في القانون وذلك تحقيقا لمبدا المساواة الذي يكفله الدستور. من جهة اخرى، ذكر انه تم تحديد نفقة كبيرة للزوجة (ما يعادل 1800 دولار اميركي بالشهر وذلك الى جانب نفقات الطفل) وذلك بالنظر الى حالة الزوج المادية فقط في حين ان القانون ينص على النظر الى حالة الزوجين معا سويا.
لبنان
اعد دراسة لبنان القاضي فوزي خميس بالاشتراك مع القاضية ندين مشموشي وبالاستناد الى 73 حكما. ومن ابرز ما عرضه خميس: اخذ الاجتهاد امن الزوجة بعين الاعتبار اذ اعتبر ان بقاء الزوج مع الزوجة (في القضية المعنية) يهدد امنها لا بل يؤدي الى انعدامه- منح الجنسية لمرأة من العرب الرحل بعد مضي سنة على زواجها من لبناني- عدم اشتراط لزوم موافقة الزوج على طلب الزوجة الرامي الى منح اولادها الجنسية اللبنانية- مبدأ "لا تحكيم في النفقة"- اقدام الزوج على تغيير دينه لا يغير القانون الذي تخضع له زوجته (اي حتى في احوالها الشخصية)- سعي المحاكم الى تخفيف الفرق بين الجنسين لجهة تطبيق احكام الزنا- عدم الاخذ بالعذر الشريف في حالات الاعتداء على المرأة- انزال عقوبات قاسية بحق مواطنين لتعديهم جنسيا على خادمات اجنبية- لم تعتبر الام قد خطفت اولادها اذا خباتهم عن ابيهم (خارج حالة مخالفة قرار قضائي قضى بوجوب تسليمهم الى والدهم) باعتبار انه لا يمكن للوالدة ان تخطف اولادها- اعتبار الصرف من العمل تعسفيا اذا كانت الاجيرة حاملا- تم اعطاء تعويض بقيمة 45000$ لخادمة هندية- تم توحيد سن التقاعد للجنسين- حق المرأة باخراج الزوج من البيت اذا كان المنزل باسمها. ولقد ختم خميس برفع توصية مفادها وجوب الغاء العنف القانوني الممارس بوجه المرأة من جراء عدم وجود مساواة كاملة وفي ظل العنف الاسري، داعيا الى رفع التحفظات عن اتفاقية "سيداو" واحقاق حق المرأة لا سيما في مسائل الجنسية وسن الحضانة وقيمة النفقة.
وختاما تجدر الاشارة الى ان بعض الخبراء ابدى في مداخلاته الشفهية خلال المؤتمر ميلا اكبر لعرض انجازات السلطتين التشريعية والتنفيذية او خلط ما بين هذه الانجازات واحكام القضاة كما هي حال الخبيرين الاردني والاماراتي مثلا (في حين ان التقارير المطبوعة التي وزعت على الحضور والتي اعدها كل من الخبراء الوطنيين ذهبت اجمالا في الاتجاه الصحيح والمطلوب الا وهو التركيز على الانجازات المحققة على صعيد الاحكام القضائية تحديدا). وهذا الامر انما يظهر لدى بعض الخبراء الى حد ما قصورا في فهم ابعاد المؤتمر الذي يفترض ان يعكس ويتكامل مع غايات الدراسات التي وضعوها في اطار هذا المشروع الآيل الى ابراز المساحة القضائية كمساحة مناسبة للتخاطب بشأن قضايا المرأة ولتطوير المفاهيم وصولا الى تعديل التشريعات المتصلة بها. ايا يكن، لا بد من التنويه باهمية هذه المبادرة التي اعادت بعض الضوء للمساحة القضائية، على امل ان تنشر الاحكام المختارة في مجموعة واحدة، اثراءا للتفكير القانوني الاجتماعي.