ما هي القيم القضائية، وما موقعها من التحولات التي تعرفها الساحة الوطنية والدولية؟ لمن تعود مسؤولية وضع مدونة للقيم، وما هي الجهة المخولة لإعمالها، ولمن تعود سلطة مراقبة السلوكيات القضائية؟ ما مدى الزامية مدونة القيم؟ هل تسري فقط على القضاة أم انها تسري على كل العاملين في منظومة العدالة؟ كيف يمكن تعزيز منظومة القيم على ضوء حصيلة التراكمات التي تحققت عبر سنوات من تاريخ القضاء المغربي؟ وهل يمكن الحديث عن حصيلة موجودة؟ هل منظومة القيم القضائية ثابتة أو متطورة؟ أين يبدأ حق القاضي في التعبير، وأين ينتهي؟ ومتى يثار واجب التحفظ وما مضمون هذا القيد الذي يرد على حرية القضاة في التعبير؟ هل يعني واجب التحفظ التزام الصمت وعدم الكلام إلا بإذن؟ وما هي حدود التعبير لدى القضاة عند مواجهة باقي السلط؟ كيف يمكن التوفيق بين واجب استقلال القضاة وشرط التقيد بالسلطة الرئاسية لدى قضاة النيابة العامة، وأين تبدأ عملية التأطير القضائي وأين تنتهي؟ هل نحتاج إلى مصالحة داخل الجسم القضائي، بين الأجيال وبين التصورات وبين التكثلات التي تأسست بعد المصادقة على دستور 2011؟ هل تعدد الروابط التي أسسها القضاة ساهم في تكتلهم أو تحول إلى عامل تفرقة؟ ولمصلحة من؟ هل تعدد الجمعيات دليل على تعدد التصورات والأفكار أم أنه تعدد قائم على زعامات تحركها الرغبة في المحافظة على المواقع؟ أي دور لتكتلات القضاة في تأطير القضاة الجدد وفي اعادة تأطير القضاة الممارسين على القيم الجديدة التي كرسها الدستور الجديد؟ هل نعاني من أزمة ثقة؟ هل نخاف من اعادة انتاج نفس الممارسات السابقة التي أثرت سلبا في استقلال القضاة تحت مسميات وأنماط جديدة؟ وما السبيل لتحصين تجربة الحاضر من أخطاء الماضي؟ هل نحتاج للمصالحة مع ذواتنا أم أن الحاجة تبقى ماسة للمصالحة مع المواطن؟ على أي أساس يمكن وضع مدونة قيم جديدة يصيغها القضاة؟

كانت هذه بعض الأسئلة التي طرحت في الندوة العلمية التي نظمها نادي قضاة المغرب بمكناس عشية يوم الجمعة 20/06/2014 بمقر محكمة الاستئناف بمكناس، بحضور المرصد الوطني لاستقلال السلطة القضائية إلى جانب عدد  كبير من القضاة والمستشارين والقضاة المتمرنين حيث فتح المجال لأول مرة لتسليط الضوء على موضوع "القيم القضائية على ضوء المستجدات التشريعية".

لماذا اختيار موضوع القيم القضائية - الأسباب والسياق العام؟
استهل اللقاء بكلمة رئيسة نادي قضاة المغرب بمكناس حجيبة البخاري التي أكدت على أن الهدف من اختيار موضوع الندوة يكمن في الرغبة في تدشين مرحلة جديدة للتعامل إيجابا مع ما يمكن أن يعرفه المشهد القضائي من حين لآخر من أحداث ونوازل تظل في معظمها غير معهودة أو أنها لم تلق حظها الكافي من الإهتمام. وهي مرحلة طابعها الأساس دستور جديد يقر بهامش كبير للقضاة في حرية التعبير والتجمع وإصرار أكبر من القضاة على ممارسة حرياتهم وحقوقهم كاملة.

وأضافت أنه "ما بين المرحلة السابقة التي سجلت فراغا ملحوظا على مستوى التعريف والتكوين على القيم والأخلاقيات القضائية والمرحلة المقبلة التي أريد فيها أن تصير هاته القيم والأخلاقيات في كنه الممارسة القضائية اشتراطا وتكوينا وتأطيرا كان لزاما أن نمر بالمرحلة التي نعيشها الآن والتي يحاول القضاة من خلالها التأقلم مع وضعهم الجديد مع ما يمكن أن يترتب عن ذلك من حين لآخر من أحداث مؤسفة يتطلب التعامل معها التحلي قبل الحكمة والتبصر وسعة الصدر, بالجرأة والمسؤولية اللازمتين واللتين تقتضيان الإنكباب الفوري والجاد على ورش التأطير الحقيقي كل من موقعه ومسؤوليته". وقد أكدت بأن الجمعيات المهنية للقضاة مدعوة هي الأخرى لتتحمل مسؤوليتها كاملة في هذا الشأن لتبقى الغاية سامية جدا: قضاء مستقل, فاعل وبأخلاقيات عالية.

ماهية القيم القضائية بين الثبات والتحول :
يعد التخليق من المرتكزات الأساسية لكل المبادرات الهادفة إلى المصالحة بين المواطن ومنظومة العدالة، ويقصد بالتخليق جعل التصرف أو السلوك أو النشاط مطابقا لقواعد أخلاقية. والحديث عن تخليق القضاء هو حديث يستهدف ضبط وتحديد مجموع الضوابط والمبادئ التي تؤطر مجال تدبير الشأن القضائي وترشيد الممارسة المهنية القضائية وهي التي تعرف اختصارا بالقيم القضائية التي يتم تجميعها من خلال مدونات للسلوك القضائي.
ومن المعلوم ان صياغة مدونات السلوك القضائي تتولاه الهياكل الممثلة للقضاة طبقاً للمعايير الدولية لاستقلال القضاء ، في المغرب كان يفترض أن تتولى صياغة مدونة القيم مؤسسة المجلس الأعلى للقضاء، لكن ذلك لم يتم لعدة أسباب من بينها افتقاد هذه المؤسسة في صيغتها الحالية إلى اطار قانوني واضح ودقيق ينظمها.

وقد انتظر القضاة إلى حدود سنة 2011 حيث أقدمت جمعية الودادية الحسنية للقضاة بتعاون مع وزارة العدل على وضع مدونة للقيم مستمدة من عدد من التجارب المقارنة خاصة على مستوى بعض البلدان العربية (وثيقة الرياض، وثيقة الشارقة..). وعند تأسيس نادي قضاة المغرب عاد الحديث من جديد حول موضوع التخليق من خلال عدة مبادرات أقدم عليها نادي القضاة كان من أهمها انخراطه في فضح أي محاولة للتدخل أو للتأثير في استقلال القضاة، وتعزيز روح التضامن بينهم من خلال اشاعة ثقافة الزيارات التضامنية والوقفات الاحتجاجية، والدفاع عن حق القضاة في التعبير ورفض الاستعمال المفرط لواجب التحفظ، والإصرار على انفتاح القضاء على محيطه ومناصرة القضايا المجتمعية كل ذلك مهد للتفكير حول سبل وضع مدونة سلوك جديدة تستجيب أيضا للتحولات التي عرفها المغرب بعد اقرار الدستور الجديد الذي كرس القضاء سلطة مستقلة، وألزم القضاة بالتبليغ عن أي محاولة للمس باستقلالهم واعتبر السكوت عن ذلك بمثابة خطأ مهني موجب لمسؤوليتهم التأديبية. كما أقر مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وحق المواطن في الحصول على المعلومة، وكذا على أحكام داخل آجال معقولة.
 
من أجل ميثاق سلوك جديد للقضاة :
لقد وضع نادي قضاة المغرب ميثاقا جديدا للسلوك الخاص بالقضاء، قصد تخليق القطاع وتوجيه سلوكات القضاة بما يتناسب مع المعايير الأخلاقية وطنيا ودوليا، هكذا صرح ياسين مخلي رئيس نادي قضاة المغرب في مداخلته بندوة مكناس حيث قال: "اننا نرمي إلى المساهمة في تخليق منظومة العدالة وتثبيت الأعراف المهنية وترسيخ قواعد السلوك القضائي".وذكّر بعدة خطوات سابقة أقدمت عليها الجمعية من بينها مبادرة محاكم بدون رشوة، والتصريح العلني بممتلكات القضاة التي انخرط فيها عدد من القضاة المتمرنين أيضا، حيث اعتبر ذلك مبادرة كفيلة بترسيخ سلوك قضائي راقٍ ويتيح جوا من الشفافيّة، معتبرا أن إصلاح القضاء يستوجب إجراءات فعالة ومبادرات تشاركية تضم كل الفاعلين والمتدخلين في سلك القضاءداعيا إلىميثاق أخلاقي جديد لكل العاملين في منظومة العدالة يأخذ بعين الاعتبار أفضل التجارب الدولية في هذا المجال ويراعي المستجدات التي عرفتها الساحة بعد اقرار الدستور الجديد الذي كفل للمواطنين الحق في الحصول على احكام داخل آجل معقولة وكذا حقهم في الولوج إلى المعلومة، كما كرس لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
 
أي دور للمجلس الأعلى للقضاء في تكريس منظومة القيم القضائية؟
كلمة المرصد الوطني لاستقلال السلطة القضائية التي قدمت لأشغال هذه الندوة العلمية تمحورت حول موضوع "دور المجلس الأعلى للقضاء في تكريس منظومة القيم القضائية" حيث ركزت على رصد طريقة تعامل المجلس مع الاخلالات المهنية المنسوبة للقضاة، وهكذا تم تسجيل عدة ملاحظات أهمها أن عدم تعليل المجلس للقرارات التأديبية المتخذة في حق القضاة وعدم نشرها، وعدم السماح بعلنية الجلسات التأديبية للقضاة بناء على طلبهم والتضييقات الممارسة على حقوق الدفاع طوال مسار التأديب كلها أسباب ساهمت في عدم اطلاع القضاة على مدى مساهمة المجلس في تكريس منظومة القيم القضائية على خلاف بعض التجارب المقارنة ومن بينها المجلس الأعلى للقضاء بفرنسا الذي دأب في وقت مبكر على نشر القرارات التأديبية المتخذة في حق القضاة وفق ضوابط من أجل تحقيق الأمن القانوني للمواطنين سواء كانوا قضاة أو متقاضين، وبالرغم من ذلك يمكن القول أن هناك ضبابية في طريقة تعامل المجلس مع هذا الموضوع إذ تم مؤخرا متابعة قاض بسبب صورة نشرت له وهو يطلع على ملفات القضايا ببهو المحكمة نظرا لعدم توفره على مكتب. وكان موجب احالته على المجلس يتعلق بالخروج عن واجب التحفظ، رغم ان واجب التحفظ مقرون بممارسة الحق في التعبير. وفي موازاة ذلك، يتابع القاضي الذي نشر خاطرة أدبية أثارت استياء وزارة العدل، ليس بالاخلال بواجب التحفظ، انما بالخروج عن واجب الوقار وصفات الكرام. ان هذا التذبذب لا يسهم في تحقيق الأمن القانوني للمواطنين سواء قضاة أو متقاضين.

المرصد الوطني لاستقلال السلطة القضائية عبر عن كامل القلق لهشاشة الضمانات المخولة للقضاة المتابعين امام المجلس الأعلى للقضاء وأبسطها الحق في استنساخ وثائق ملف المتابعة مسجلا ارتفاع وتيرة الملاحقات التأديبية لأسباب جديدة غير مسبوقة وهي ذات الملاحظة التي سجلها المستشار محمد الهيني في كلمته المقدمة ضمن اشغال هذه الندوة حيث اعتبر أن "القاضي لا يمكن أن يسأل تأديبيا إلا عن الأخطاء الخطيرة المرتبطة بسلوكيات الوظيفة أو أعمالها، و تلك قاعدة تهدف إلى تجنيب المجلس الأعلى للقضاء من النظر في الكثير من الأخطاء التي من شأن تحريك المتابعة بخصوصها إضفاء مجرد تراكم عددي يضاعف من عمل المجلس ويأخذ من وقته ويبعده عن دراسة الملفات الشائكة التي تقتضي بحثا وتحقيقا معمقا ومداولات وقرارات حاسمة ينتظرها الجميع". وأضاف بأن "التأديب ليس ملكية خاصة لجهة المتابعة تستعمله متى تشاء وبدون ضوابط قانونية وإنما نظام قانوني يستهدف تخليق الممارسة القضائية بهدف حماية حقوق وحريات المتقاضين وصيانة قواعد سير العدالة"، داعيا إلى ضرورة تحطيم الفهم الخاطئ لعدة مفاهيم كالإفراط في اشهار واجب التحفظ وصفات الوقار والكرامة التي تميز القضاة مؤكدا بأن القاضي يبقى انسانا وله الحق في حياة خاصة كما له الحق في ممارسة كل أشكال التعبير والابداع والفن.

خلاصات ندوة القيم القضائية :
التقرير الختامي للندوة العلمية التي نظمها المكتب الجهوي لنادي قضاة المغرب بمكناس بحضور المرصد الوطني لاستقلال السلطة القضائية ركز على تقديم عدة توصيات أهمها :

- التأكيد على أن صياغة مدونات السلوك القضائي أمر موكول للهياكل الممثلة للقضاة طبقاً للمعايير الدولية لاستقلال القضاء،
- ضرورة انفتاح مؤسسة المجلس الأعلى للقضاء على الجمعيات المهنية للقضاة وكذا على الجمعيات المدنية والحقوقية المشتغلة في الميدان وتمكينها من الاطلاع على حصيلة عمل المجلس في المادة التأديبية وفق ضوابط من أجل رصدها ودراستها واستخلاص المبادئ الكفيلة بالرجوع لها لتعزيز   منظومة القيم القضائية لا سيما بعدما كرس الدستور لحق المواطن في المعلومة وكذا اعتبار القضاء شانا مجتمعيا.
- الاهتمام بمنظومة التكوين والتكوين المستمر للقضاة ولكل العاملين في منظومة العدالة،
- تأهيل الادارة القضائية والارتقاء بها إلى مستوى التخصص والاحتراف عن طريق احداث تكوين خاص بها على مستوى المعهد العالي للقضاء،
- وضع دليل للنظام التأديبي للقضاة ،
- ضرورة وضع دليل لأخلاقيات المسؤول القضائي،
- تنظيم الأخطاء التأديبية الجسيمة للمسؤول القضائي،
- تدعيم التأطير الأخلاقي والعملي للقضاة وللمسؤولين القضائيين،
- نشر الاجتهادات القضائية المتعلقة بمنظومة القيم الخاصة بالقضاة،
- إحداث لجنة للأخلاقيات بالمجلس الأعلى للقضاء وبالجمعيات المهنية للقضاة،
- تحديد المخالفات التأديبية القضائية بشكل حصري طبقا لمبدأ شرعية المخالفات ،
- وضع ضوابط للتمييز بين الخطأ المهني القضائي وغيره من الأخطاء التي يرتكبها القاضي كمواطن،
- دعم شفافية الأبحاث والتقارير المنجزة في حق القضاة وذلك من خلال نشر كافة التقارير التي تنجزها أجهزة التفتيش وكذا المقررين في الملفات التأديبية،
- دعم حرية القضاة في التعبير كأداة للتغيير وإصلاح القضاء والإدارة القضائية،
- ضمان الولوج السهل للمواطنين لمنظومة العدالة،
- تعزيز منظومة القيم القضائية يبقى رهينا بمدى اقرار عدالة منظومة التأديب وهو ما يفرض تكريس عمل أعلى هيأة قضائية ادارية بشكل يضمن لها الحياد وذلك من خلال احداث مجلس الدولة .