في 26 حزيران، عقدت المفكرة القانونية مع مركز سكون لعلاج المدمنين على المخدرات ندوة بعنوان: "مأسسة الأوفردوز". وقد أوضحت الجمعيتان بأن بعض المستشفيات تقوم بإبلاغ الشرطة عن حالات الجرعات الزائدة الحاصلة بنتيجة تعاطي المخدرات.، على أساس قراءة خاطئة لتعميم صادر عن وزارة الصحة يذكّرها بوجوب الإبلاغ عن الحوادث الطارئة المتأتية عن فعل الغير. وعدا أن هذه القراءة خاطئة لأن التعاطي هو فعل ضد النفس وليس ضد الغير، فإن من شأن الإبلاغ أن يثني المصابين بالأوفردوز ومرافقيهم عن اللجوء الى المستشفى، ما قد يؤدي الى موت محتوم. في عددها رقم 19، نشرت المفكرة للحقوقي كريم نمور مطالعة قانونية حول لهذا الأمر. وهنا، ننشر تحقيقا أعدته الصحافية سعدى علوه في هذا الموضوع (المحرر). 

"وصل شقيقي إلى المستشفى وكان جسده ساخناً وقلبه ما زال ينبض، ولكن الأوان قد فات لإنقاذه". يبدأ سامر رواية قصة شقيقه رامي (أسماء مستعارة) الذي قضى بجرعة زائدة قبل عام من اليوم.

كانت الساعة تقارب السابعة مساء عندما بدأت عوارض المعاناة من جرعة زائدة تظهر على "رامي". خاف جاد، صديقه، حاول إسعافه بقدر ما يعرف. رش عليه الماء، رفع قدميه ولكن رامي فقد وعيه بسرعة. فتح جاد باب الشقة وراح يركض في المحيط. فكر بكل شيء، "إلا بنقل شقيقي إلى المستشفى"، كما قال سامر ل"المفكرة".

بعد نحو ساعة ونصف الساعة على معاناة رامي، اتصل جاد من رقم مجهول بالدفاع المدني وأبلغهم بحالة صديقه طالبا منهم نقله إلى المستشفى. وصلت عائلة رامي لتجد ابنها، ابن ال22 عاماً قد فارق الحياة. يقول شقيق رامي "لو أن جاد نقل أخي لحظة إصابته لما مات".  

كل ما في الأمر أن جاد لم يسعف صديقه لأنه خاف أن يتم القبض عليه بتهمة تعاطي المخدرات أو ربما ترويجها. يعرف أن بعض المستشفيات تبلغ القوى الأمنية عن الذين يصلون إلى أقسام الطوارئ نتيجة إصابتهم خلال حوادث مختلفة، بمن فيهم مدمني المخدرات وحتى المنقولين جراء جرعة زائدة، وطبعاً الأشخاص الذين يصطحبونهم لاحتمال تورطهم معهم في التعاطي.

يقول سامر أن والدته لا تنفك تفكر في الساعتين اللتين قضاهما رامي يصارع الموت وحيداً من دون أن ينقله أحد لتلقي الرعاية الصحية. يشير إلى أن قانون المخدرات يتعامل مع المدمن كمريض يحتاج إلى علاج، ليسأل "إذن كيف تعامله بعض المستشفيات كمجرم؟، وبالتالي تساهم في عدم نقله للعلاج".

مياد، أحد كبار تجار المخدرات، يروي، بدوره، قصصاً كثيرة عن أشخاص شهد على وفاتهم بجرعة زائدة من دون أن يتجرأ أحد على نقلهم إلى الطوارئ لإسعافهم. يقول أن التبليغ لا يقتصر على بعض المستشفيات، بل على عناصر التحري الموزعين في كل مكان، ومنها أقسام الطوارئ.   
 
يخبر مياد عن أحد الشبان الخليجيين الذي قضى بجرعة زائدة في أحد الفنادق "حاولنا إسعافه بما نعرفه ولم نستطع". لم يتجرأ مياد أو غيره ممن كانوا موجودين على نقله إلى المستشفى. قضى الشاب الخليجي، واتصل أصدقاؤه بطيب شرعي سطّر تقريرا طبيا يفيد بوفاته نتيجة أزمة قلبية، ليقفل الملف على هذه النهاية. يؤكد هذا التاجر أنه شهد خلال ست سنوات من عمله في الإتجار بالمخدرات على نحو عشر حالات قضوا بجرعة زائدة من دون تلقيهم الرعاية خوفاً من التبليغات التي تحصل. "وكثيرون منهم لا أحد يعلم السبب الحقيقي لوفاتهم إذ تتم مراعاة العائلة اجتماعياً، وكذلك عدم فتح تحقيق وسين وجيم بما حصل مما يؤدي إلى سوق أصدقائه إلى التحقيق".

ويعزز هذا الخوف ما قاله أحد المدعين العامين ل"المفكرة"، حيث اعتبر أنه "في كل جرم، ونحن هنا أمام تعاطي مخدرات، وهو جرم بحد ذاته، وهو جنحة، وعليه على المستشفى التبليغ عنه". وأشار إلى أنه " وحتى بعد صدور قانون المخدرات، يجب على كل شخص يعرف بحصول جرم أن يبلغ السلطات العامة، وذلك وفق تعميم النيابة العامة التمييزية". وأشار إلى وجود "آلية لعلاج المدمن يجب الشروع فيها فور العلم بتعاطيه لكي لا يعتبر مرتكب جرم، ولكي تزول عنه الصفة الجرمية، كمدعى عليه بجنحة، أو ظنين بجنحة".

في المقابل، لدى نبيل، وهو مروج مخدرات في إحدى المناطق البعيدة عن بيروت، وجهة نظر أخرى. يقول أن مستشفيات المناطق غالباً ما تأخذ بعين الاعتبار العلاقات الشخصية "حيث يعرف الجميع بعضهم البعض". يتحدث عن إنقاذه شخصياً نحو ستة مصابين بجرعة زائدة "أنقلهم إلى المستشفى فور ظهور العوارض عليهم، ولا يتم الإبلاغ عنهم". يبقى هؤلاء نحو 24 ساعة في المستشفى، يتم إسعافهم ومن ثم يخرجون "ويا دار ما دخلك شر".

يؤكد نبيل أنه ما كان ليتجرأ على إنقاذ حياة هؤلاء لولا تأكده من تعاون المستشفى "هل أسلم نفسي بكامل إرادتي إلى القوى الأمنية؟"، يسأل ليجيب "طبعاً لا، الكل يخاف، حتى الذين يتعاطون فقط ولا يروجون أو يتاجرون". ويضيف "يكفي أن يرد اسم أي شخص في قضية تعاطي مخدرات ليصبح موضع شك وملاحقة ومراقبة، هذا إذا خرج من القضية سالماً".

وفي استطلاع سريع على عدد من المستشفيات قامت به جمعيتا "سكون" و"المفكرة القانونية" اعترف بعض المسؤولين في قسم الطوارئ بالتبليغ على حالات الجرعات الزائدة تقيداً بتعميم وزارة الصحة الذي يوجب الإبلاغ عن أي مصاب نتيجة حادث وقع من قبل الغير. وعليه، يفسر هؤلاء واقعة الإدمان والجرعة الزائدة من ضمن هذه الحوادث.

يقول نقيب أصحاب المستشفيات الخاصة في لبنان سليمان هارون ل "المفكرة" أن بعض المستشفيات التي تبلغ فإنما تفعل ذلك استجابة لتعميم الجهات الرسمية في الدولة. ويؤكد أن "السرية الطبية هي ضمن الجسم الطبي وعندما يكون هناك إجراء معين مفروض من أي دائرة رسمية تصبح الجهات الرسمية هي المسؤولة عن هذه السرية وعن الحفاظ عليها من قبل الأشخاص الذين يسهرون على تطبيق القانون".

من جهته، يعتبر نقيب الأطباء في بيروت أنطوان بستاني أن التبليغ عن المدمن أو المنقول جراء جرعة زائدة "لا يستند إلى أي معطى قانوني، لا بل ممنوع لأن المدمن دخل إلى المستشفى كمريض وممنوع أن يخرج عنه أي خبر أو إخبار استناداً إلى الآداب الطبية". وأوضح بستاني أنه "إذا حصل وتوفي المريض يتم الإبلاغ عن وفاته دون ذكر السبب إلا إذا طلبت المحكمة ذلك".

وأكد بستاني أن النقابة والأطباء يعتبرون تعاطي المخدرات مرضاً وليس جرماً، مؤكداً ل"المفكرة" أن نقابة الأطباء "ستتباحث مع نقابة أصحاب المستشفيات بهذا الموضوع للوصول إلى تصور موحد للقضية وكيفية التعامل معها".